!~ آخـر 10 مواضيع ~!
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!
اللهم من أراد بالعراق وأهله خيراً فأعنه على ذلك ووفقه، ومن أراد بالعراق وأهله شراً فاجعل شره عليه وخذه اخذ عزيز مقتدر، يا رب العالمين .

العودة   منتديات عيون العراق > المنتديات الدينية > منتدى الدين الاسلامي > الامام المهدي منقذ لكل البشرية

الامام المهدي منقذ لكل البشرية قال " صلى الله عليه وآله وسلم " : ( من انكر خروج المهدي فقد كفر بما انزل على محمّد ومن أنكر خروج الدجّال كفر )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 09-21-2012, 06:22 PM   #21
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

كما أننا بعد أن نعرف - فقهياً -: أن الدين الإسلامي لا يجيز البدء بالقتال ، قبل الدعوة إلى الإسلام ،وإرشاد المعسكر الآخر إلى العقائد الإسلامية والعدل الإسلامي، وإيضاح ذلك في أذهانهم . وهذا ما يعمله الإمام (ع) في كل غزو يقصده ، مضافاً إلى أساليبه العامة في عرض الأطروحة العادلة الكاملة على العالم ككل ، وهي اساليب واضحة وصريحة وواسعة الإنتشار .
ومعه ستكون فكرته مقنعة للآخرين من الشعوب المعادية ، فيكتسب فيها قواعد شعبية عسكرية واسعة ، ولا يكون الفرد منهم على استعداد لمواجهة المهدي وجيشه بالقتال على أقل تقدير .
ومعه ستضطر حكومة تلك البلاد ، مهما كانت عازمة على الحرب والصمود ، إلى التنازل والمسالمة ، لأن الحاكم يكون في مثل ذلك كالأعزل ، لا حول له ولا قوة .
وتدريجياً ، وبالتدريج السريع نسبياً ، سيتضح للدول الكافرة ، بأن المستقبل العالمي بيد المهدي (ع) على أي حال ، كحقيقة لا يمكن الفرار منها ، أو – على الأقل - وجود النظام المهدوي كدولة كبرى يصعب جداً مجابهتها ومنافرتها . بل من الأفضل مجاملتها والتزلف لديها .وهذا وذاك . مما يدفع الأفراد والدول على حد سواء إلى التسليم بالمهدي (ع) وعدم مجابهته بالقتال .
فهذا عدد من الخصائص التي يتصف بها المهدي (ع) مما توجب الرعب لمن يحاربه .ومقتضى ذلك : أن الرعب يتولد تدريجياً عند البدء بغزو العالم . لأ من أول الظهور ، وهذا هو ظاهر الروايات أيضاً .
وأما خصائص اصحابه . فأمران رئيسيان :
الأمر الأول : قوة اندفاعهم وحماسهم في إطاعة أوامر قائدهم وتطبيق خططه. تلك القوة الناتجة من علو إيمانهم وصلابة إرادتهم وارتفاع معنوياتهم ووعيهم للهدف الذي يسعون إليه .
وليس هناك أي واحد من القادة أو الحكام في الدول ، يجهل هذه الحقيقة التي قلناها فيما سبق ، وهي أن الجيش المؤمن الواعي ذو المعنويات العالية هو المنتصر دائماً. وكل القادة والحكام سيعلمون ، وبسرعة بصفة جيش المهدي من هذه الناحية .وهم يعلمون صفة جيوشهم من ناحية ثانية .فإنها وإن كانت مسلحة تسليحاً كاملاً ومدربة تدريباً عالياً إلا أنها لا تقوم في أساسها على الإخلاص ووعي الهدف ، بل تقوم على اسباب أخرى كالتجنيد الإجباري أو الطمع بالرواتب الضخمة وغير ذلك ...وهو مما لا يساعد بحال وجوده الإندفاع و الحماس في الجيش في ميدان القتال .
صفحة (378)
وهذه الحقائق التي يعرفها حكام العالم . تجعلهم يفكرون طويلاً ، قبل التورط بمنازلة المهدي بقتال .
الأمر الثاني: كثرة قيامهم بقتل أعدائهم بشكل غليظ لا هوادة فيه . كما سنسمع مفصلاً في الفصل الآتي ، الأمر الذي يولد انطباعاً واضحاً لدى الآخرين ، بأنهم أشداء غلاظ بالنسبة إلى أعدائهم ، الأمر الذي يولد الرعب ويسبب إعادة التفكير فيما إذا كانت مجابهتهم بالقتال يحتوي على مصلحة ام لا .
الضمان الثالث : انطلاقة من زاوية متفق عليها بين المذاهب السلامية ، بل متفق عليها بشكل أوسع من ذلك
وانطلاقة من مثل هذه الزاوية ، أمر أساسي في تهيئة الجو العام إلى جانبه واكتساب القواعد الشعبية الموالية، وخاصة في أول دور حركته وثورته . حتى يستطيع أن ينطلق من هذا المنطلق العام إلى ما يريد تأسيسه من العدل والحق ، وما يجيء به من كتاب جديد وقضاء جديد ، على ما سنسمع .
وسيكون انطلاقه من زاوية متفق عليها ، متمثلاً من عدة مستويات :
المستوى الأول: الخطاب الذي يلقيه المهدي في المسجد الحرام في أول ظهوره .فإننا رأينا انه يؤكد – في الأغلب – على الأمور المشتركة المعلومة الصحة عند سائر المسلمين ، وهي الإعتراف بالإسلام وبما سبقه من الشرائع منطلقاً منه إلى ربط حركته ودعوته بخط الأنبياء الطويل . مشيراً إلى نتائج الظلم التي تطرف إليها المتطرفون نتيجة للفشل في التمحيص .
وهناك روايات ناقلة لخطبة الإمام ولا تعرض فيها إلى ذكر الظلم السائد ، الأمر الذي يجعلها أكثر تركيزاً على المفاهيم المتسالم عليها في الإسلام ، بحيث تشمل تلك القاصرة التي لا تدرك بشاعة الظلم ومنافاته لتعاليم الإسلام .
أخرج السيوطي(1) عن نعيم بن حماد عن أبي جعفر ، قال: يظهر المهدي بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله (ص) وقميصه وسيفه ، وعلامات نور وبيان .
صفحة (379)
ـــــــــــــــــ
(1) ج2 ص 144
فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول : أذكركم أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم . فقد اتخذ الحجر وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب ، وأمركم أن لا تشركوا به شيئاً ، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله (ص) ، وأن تحيوا ما أحيا القرآن وتميتوا ما أمات ، وتكونوا أعواناً على الهدى ، ووزراء على التقوى .فإن الدنيا قددنا فناؤها وزوالها ، وآذنت بانصرام ، فإني أدعوكم إلى الله ورسوله، والعمل بكتابه . وإماتة الباطل ، وإحياء سنته .فيظهر في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلاً عدد أهل بدر ... الحديث
ورواها الصافي في منتخب الأثر(2) بشيء من الإختلاف .أهمه : في أولها : وقد أكد المحجة وبعث الأنبياء .وفي آخرها :وإماتة الباطل وإحياء السنة .وهو أفضل من نسخة الحاوي ، لعل فيه خطأ مطبعياً .
المستوى الثاني : اتخاذ الجيش المهدوي شعار رسول الله (ص) الذي أخذه لجيشه ، كما سبق أن عرفنا .
ولئن لم يكن الشعار النبوي معروفاً لدى عامة المسلمين ، فهو معروف على أي حال بين علمائهم ومفكريهم المخلصين منهم ، فيمكنهم أن يعرفوا وأن يعرفوا الآخرين : أن هؤلاء القوم قد ساروا على شعار النبي (ص)، إذن فهم مع النبي حتى في شعار حربه ، وممثلون له في خصائصه وهدفه .
المستوى الثالث : مطالبته بثأر الحسين(ع). فإنه أمر متسالم على صحته بين المسلمين . بل بين كل المظلومين وهم أكثر البشرية في عصر الظلم والإنحراف .
وقد سمعنا الروايات الدالة على ذلك ، وكانت كلها مروية عن طرق الخاصة ،وأود الآن أن أروي عن بعض المصادر العامة رواية تمت إلى ذلك بصلة .
أخرج القندوزي في الينابيع(2) عن عبد السلام بن صالح الهروي . قال : قلت لعلي الرضا بن موسى الكاظم رضي الله عنهما : يا ابن رسول الله ، ماتقول في حديث روي عن جدك جعفر الصادق رضي الله عنه ، أنه قال:
إذا قام قائمنا المهدي . قتل ذراري قتلة الحسين رضي الله عنه بفعال آبائهم . فقال: هو ذلك .

صفحة (380)
ـــــــــــــــــ
(1) ص490
(2) ينابيع المودة ص509 ط النجف


قلت : فقول الله عز وجل : لا تزروا وازرة وزر أخرى ، ما معناه ؟
فقال : صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين رضي الله عنه يرضون ويفتخرون بفعال آبائهم. ومن رضي شيئا كمن فعله .ولو أن رجلاً قتل في المشرق فرضي أن يقتله رجل في المغرب لكان شريك القاتل .
وليس المراد بالثأر مجرد الإنتقام ،كما كان عليه ديدن العرب في الجاهلية وبقي عليه المنحرفون الوارثون لتلك العادات إلى الآن . بل المراد أمران مزدوجان .
الأمر الأول : تطبيق الهدف الذي أراده الحسين (ع) ، فيضمن ماأراده من أهداف. وهو إزالة الظلم عن الأرض وتطهيرها من الفساد ، والسير نحو المثل الأعلى العادل .
الأمر الثاني: قتل كل راض بمقتل الحسين (ع) وطاعن في ثورته ،فإن الراضي بذلك يمثل في حقيقته ذلك الإنحراف والظلم الذي ثار عليه الحسين (ع) ،وأراد فضحه أمام الرأي العام ، وسيثور عليه المهدي (ع) ويستأصله عن وجه الأرض .فمن الطبيعي أن يستأصل المهدي أمثال هؤلاء المنحرفين وتمكيناً وتهيئة للمجتمع العادل الكامل ، كما سنوضح .
لا يختلف في ذلك بين أن يكونوا من ذرية قتلة الحسين فعلاً أم من غيرهم ، فإن القاعدة الأساسية في ذلك هو : أن الراضي بالشيء كفاعله "ولو أن رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان شريك القاتل" لا يؤثر في ذلك افتراق المكان واختلاف الزمان ..
وإنما نصت هذه الرواية على الذرية ، باعتبار أن الغالب في الذرية المنحرفة هو الإفتخار بما اجترح الآباء من مظالم وارتكبوا من مآثم وهدروا من دماء .ونصت أيضاً على القاعدة العامة التي يمكن باعتبارها التعميم من الذرية إلى غيرهم . بل القول اليقين ، بأنه لو كان في الذرية من هو مؤمن يستنكر فعل آبائه ، لم يكن مشمولاً للقتل من هذه الجهة .
هذا وينبغي أن ثورة الإمام الحسين (ع) ، وإن كانت واقعة وفي ضمن التخطيط العام لعصر ما قبل الظهور ، وليس مستنداً إلى التخطيط السابق ، إلا باعتبار حدوث سببه فيه .ومن هنا جعلناه في الضمانات التي لا تترتب على ذلك التخطيط .

صفحة (381)
الضمان الرابع : من ضمانات انتصار الإمام المهدي (ع) مما لا يترتب على التخطيط العام السابق على الظهور : معونة الملائكة له وقتالهم معه .
الجهة الاولى : في إيراد الأخبار الدالة على ذلك ،وهي عديدة نذكر أهمها :
أخرج الكنجي في البيان(1) بإسناده عن الهيثم بن عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب (ع) – في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه - : يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .
قال الكنجي : رواه الطبراني في معجمه ، وأخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي (ع) .
وقال القندوزي في الينابيع(2) نقلاً عن إسعاف الراغبين للصبان قوله :
وجاء في روايات عدة أنه عند ظهوره ينادي فوق رأس ملك : هذا خليفة الله فاتبعوه ... وإن الله تعالى يمده بثلاثة الآف من الملائكة .... وإن جبريل على مقدمة جيشه وميكائيل على ساقته ... الحديث .
وأخرج ابن قولوية في كامل الزيارات(3) بإسناده عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) قال :
كأني بالقائم على نجف الكوفة ... إلى أن يقول : فينحط عليه ثلاث عشر ألف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً . قلت : كل هؤلاء الملائكة ؟ قال : نعم ، الذين كانوا مع نوح في السفينة ، والذين كانوا مع ابراهيم حين ألقي في النار ، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني اسرائيل ، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه . وأربعة الآف ملك مع النبي (ص) مسومين ، وألف مردفين ، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين .وأربعة الآف هبطوا يريدون القتال مع الحسين (ع) فلم يؤذن لهم في القتال ....وكل هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (ع) إلى وقت خروجه عليه صلوات الله والسلام .

صفحة (381)
ـــــــــــــــــ
(1) ص96.
(2) ص563.
(3) ص120.
وأخرجه النعماني في الغيبة (1)، مع شيء من الإختلاف.
وأخرج النعماني أيضاً عن إبان بن تغلب ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :
كأني أنظر إلى القائم على نجف الكوفة ... ويستمر في الحديث فيذكر أن راية رسول الله (ص) يأتيه بها جبريل ، ثم يقول - : يهبط بها تسعة الآف ملك ،وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً .فقد جعلت فداك .كل هؤلاء معه ؟ قال: نعم .هم الذين كانوا مع نوح في السفينة ،والذين كانوا مع ابراهيم حيث ألقي في النار ، وهم الذين كانوا مع موسى لما فلق له البحر والذين كانوا مع عيسى لما رفعه الله إليه ، وأربعة الآف مسومين كانوا مع رسول الله (ص). وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً كانوا معه يوم بدر ومعهم اربعة الآف يصعدون (صعدوا) إلى السماء يستأمرون في القتال مع الحسين (ع) ، فهبطوا إلى الأرض وقد قتل .فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة .وهم ينتظرون خروج القائم (ع) .
وأخرج أيضاً (1) بسنده عن أبي حمزة الثمالي ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول:
لو قد خرج قائم آل محمد لنصرة الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين ، يكون جبرئيل أمامه وميكائيل عن يمينه وإسرافيل عن يساره . والرعب مسيرة أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله و الملائكة المقربون حذاه ... الحديث .
صفحة (383)
ـــــــــــــــــ
(1) ص166 وما بعدها .
(2) ص166.
(3) ص122.



وأخرج أيضاً (1) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (ع) ، - في حديث يقول فيه – :
يؤيده بثلاثة أجناد : بالملائكة و بالمؤمنين و بالرعب ... الحديث .
وأخرج الطبرسي في الإعلام(2) عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر الباقر(ع) : كأني بالقائم على نجف الكوفة ، وقد سار إليها من مكة . في خمسة آلاف من الملائكة ، جبرئيل عن يمينه ، ميكائيل عن شماله ، والمؤمنون بين يديه ، وهو يفرق الجنود في الأمصار .
إلى غير ذلك من الأخبار ، هذا وقد سبق أن سمعنا أن جبرئيل (ع ) أول من يبايعه بعد الإنتهاء من خطبته في المسجد الحرام .
أقول : الملائكة المسومون ، هم المذكورون في قوله تعالى:
" بلى إن تصبروا وتتقوا ، ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به .وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ".(3)
والملائكة المردفون هم المذكورون بقوله تعالى :
" اذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب لكم إن يممدكم بألف من الملائكة مردفين .وما جعله الله إلا بشرى ، ولتطمئن به قلوبكم .وما النصر إلا من عند الله .إن الله عزيز حكيم "(4).
والملائكة المنزلون هم المذكورون في قوله تعالى :
" إذ تقول للمؤمنين : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة الآف من الملائكة منزلين "(5).

صفحة (384)
ـــــــــــــــــ
(1) ص128. (2) ص430.
(3) آل عمران : 3/ 125-126.
(4) الأنفال : 8/9-10.
(5) آل عمران : 124.

والملائكة المقربون في قوله تعالى :
" لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون"(1) .
والظاهر أنها صفة عامة للملائكة .
والملائكة الكروبيون ، غير مذكورين في القرآن الكريم ، لكنهم ذكروا في السنة الشريفة في كثير من الأخبار والأدعية .قيل عنهم في المصادر اللغوية : سادة الملائكة أو المقربون منهم .عبرانيتها : كروبيم جمع كروب. ومعناها : حافظ أو حارس أو مقرب(2) .
والملائكة البدريون ، هم الذين أعانوا الجيش الإسلامي النبوي في وقعة بدر .ويبدو من هذه الروايات أنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد الجيش نفسه .
والملائكة الأربعة : جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ، هم سادة الملائكة .... وقيل هم أدنى من (الروح) المذكورة في قوله تعالى :
" تنزل الملائكة والروح فيها (3)
فالفرد منهم أحد أربعة أو خمسة ، لايضارعهم غيرهم من الملائكة .
الجهة الثانية : في فلسفة هذه الأخبار .
أننا إذا تكلمنا من ناحية عقائدية غير فلسفية ، نجد أن معونة الملائكة للجيش المجاهد ، يعني إعطاء التأييد الألهي غير القسري لهذا الجيش ، بإدخال عوامل ميتافيزيقية في الحرب لأجل الحصول على نتائج أفضل .
وذلك : حين تكون الحرب جهادية ومطابقة للحق ومرضية لله عز وجل ، فإنه عز وعلا مشيئته الأزلية بانتصار الحق على الباطل . المفهوم من قوله تعالى :
"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ، إن الله قوي عزيز "(4)
فإنه لا محالة يسبغ على الجيش الممثل لطرف الحق لطفه وعطفه ويساعده بتوفير عناصر الإنتصار له .... يكون منها : أنه يرسل قسماً من الملائكة لنصر المؤمنين ،وهم (عناصر) ميتافيزيقية غير منظورة .... عناصر لا تكون إلا إلى جنب الحق والعدل .

صفحة (385)
ـــــــــــــــــ
(1) 4/ 172.
(2) انظر أقرب الموارد ، كادة كرب .
(3) القدر : 97/4.
(4) 58 / 21.
وبمجرد أن تنحرف الأمة ، فإنها تحرم بالضرورة من هذه العناصر الطاهرة قال الله تعالى :
" وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين "(1)
وهذه العناصر ليست غريبة عن الإمام المهدي(ع) بعد أن كانت قد وجدت للنبي (ص) والأنبياء السابقين عليه ، كما يفهم من الآية الأخيرة وهذه الروايات . كيف وإن ثورة المهدي (ع) هي نتيجة جهود كل هؤلاء الأنبياء وكل الأولياء والصالحين والمطبقة للهدف الأسمى من خلق البشرية على وجه الأرض . فقد تكون أولى بالنصر والإمداد من أي دعوة أخرى سابقة عليها .
أما الأسلوب الذي تتخذه هذه العناصر الميتافيزيقية ، في التأييد والنصر، فهو مما لا يمكن التعرف عليه ، لوضوح أنها عوامل غير منظورة ، فمن الطبيعي أن يكون اسلوب تأثيرها غير منظور أيضاً ، أو غير ثابت تاريخياً على الأقل .وقد وردت بعض الروايات التي تتحدث عن غزوات النبي (ص) تصرح بأن الملائكة كانوا يقاتلون كما قاتل الناس ، بعد اتخاذهم صورة البشر وهذا محتمل عقلاً ، إلا أنه لا يكاد يثبت تاريخياً ،ولا يتعين الإلتزام به بحسب القواعد المعروفة للإسلام .
وإنما الذي يستطاع الركون إليه بهذا الصدد ، واستفادته من هذه الآيات نفسها ... هو ان هذه العناصر الميتافيزيقية ترفع من معنويات الجيش البشري المجاهد وتخفض من معنويات الجيش المعادي للحق ...إلى حد تجعل الفرد أقوى من عشرة من أعدائه . ولذا كان الحكم الإسلامي المصرح به في القرآن الكريم عدم جواز الفرار حتى لو كان الأعداء عشرة أضعاف المسلمين .حتى ارتفع بقوله تعالى :
" الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً"(2)
وبدل إلى عدم جواز الفرار إذا كان الجيش المعادي بقدر الجيش المعادي مرتين . وعلى كلا الحالين ، فالمفروض بالفرد المؤمن أن يكون أعلى مستوى في معنوياته وإخلاصه من الفرد الكافر .

صفحة (386)
ـــــــــــــــــ
(1)36/ 28
(2) الأنفال : 8/66
وهو قوله تعالى :" إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون " (1)
وتسبب هذه العناصر الميتافيزيقية إلى رفع معنويات المسلمين ، هو المستفاد من نفس هذه الآيات السابقة حيث تقول :" وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به " . وأما الحصول على النصر الكامل من الله عز وجل وحده . " وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " .
وهذا التسبب الإلهي ليس على وجه القسر غير مناف مع إرادة المجاهدين وتضحياتهم .وإنما هو التسبب الإلهي الموجود في كل الكون ، حتى نزول المطر وخروج النبات التي يكون استناداً إلى الأسباب الطبيعية واضحاً .قال الله تعالى :
" وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافاً"(2)
وبهذا نستطيع أن ندرك أن الإنتصار الذي يحرزه الجيش المجاهد ، ناتج من عمله وإرادته ، وليس للعوامل غير المنظورة من إنتاج إلا رفع هذه الإرادة وتركيز هذا العمل .
وليس من قبيل المعجزة ، لأن المعجزة تكون بسبب ميتافيزيقي قسري خارج عن إرادة البشر، وليس موردنا من هذا القبيل .
وأود في هذا الصدد، أن أشير إلى أن ألآيات لم تنط إنزال الملائكة كون القائد نبياً أو رسولاً ، بل ولا كون المؤمنين في حالة حرب فعلاً وإنما أناطت ذلك بأحد لأمرين :
الأمر الأول : الصبر والتقوى. قال تعالى :
" بلى إن تصبروا وتتقوا ، ويأتوكم من فورهم هذا ...." الآية...
الأمر الثاني : الإستغاثة إلى الله تعالى بطلب العون . قال الله تعالى :
" إذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب لكم إن يممدكم بألف من الملائكة مردفين "
وهذا هو معنى ارتباط هذا التأييد الإلهي بدرجة كافية من الإخلاص في طريق الله والجهاد المقدس والأهداف العادلة .
صفحة (387)
ـــــــــــــــــ
(1) النساء : 4/ 104.
(2)عم : 78/14-16.
ومتى حصل أحدا لأمرين وجد الإمداد الإلهي ، بغض النظر عن شخص القائد ، نبياً كان أو إماماً ... وبغض النظر عن العمل العادل الذي يقوم به المسلمون ، حربياً كان أم سلمياً .
ومن هنا لم تنص الروايات على معونة الملائكة للمهدي (ع) في خصوص الحرب .
وقد سبق أن سمعنا جبريل (ع ) ينزل لمبايعته ، وليس المهدي (ع) في ذلك الحين في حالة حرب .
هذا ، وإن الإيمان بمعونة الملائكة مبني على الإيمان بوجودهم بطبيعة الحال ، وهو متوفر لدى كل من يعتقد بالمهدي (ع) . وأما الجدل العقائدي ضذ الماديين وغيرهم في إثبات ذلك ، فليس مجاله هذا الكتاب . ويكفينا نحن كمسلمين ، تصريح القرآن الكريم بوجودهم .
وإلى هنا تمت لدينا فكرة كافية عن ضمانات النصر للإمام المهدي (ع) التي ينطلق منها إلى تحقيق هدفه الأعلى في البشرية .ولعل هناك ضمانات أخرى لا ندركها ، أو لم يحصل لها الإثبات التاريخي الكافي .
ولعل أي واحد من هذه الضمانات الثمانية كاف في الإنتصار على العالم أما أكثر من واحد منها ، فضلاً عن مجموعها ، ففيه أكثر من الكفاية . بل يكفي لفتح العالم في مدة قصيرة لا تتعدى الثمانية أشهر ، على ما يستفاد من عدد من الأخبار التي سنسمعها في الفصل الآتي .بل تكفي لفتح العالم أو أكثر أجزائه بدون قتال ، كما يستفاد من عدد آخر من الأخبار التي سنسمعها هناك أيضاً ، ولا يكون ذلك مستبعداً أبداً.
صفحة (388)


الفصل الرابع
في كيفية ومدة استيلاء المهدي (ع) على العالم
تمهيد :
قلنا أن التعرف على كيفية استيلاء المهدي (ع) على العالم بمعنى الإطلاع على تفاصيل خططه الحربية،وغير ذلك ، متعذر علىالباحث السابق على الظهور فيبقى ذلك موكولاً إلى حتى مجيئ عصره . وإنما نتكلم الآن في حدود إمكاناتنا والإثباتات التي نملكها عن ذلك .وما يمكن أن يندرج تحت هذا العنوان من إثبات ينقسم إلى عدة أمور :
الأمر الأول : أن أول حرب يخوضها الجش المهدوي ، هي حربه مع السفياني – بأي معنى فهمناه ـ . ويتم بانتصار الجيش المهدوي ومقتل السفياني وسيطرة المهدي (ع) على العراق ، بل على كل المنطقة التي كان يحكمها السفياني ، وهي سوريا والعراق على الأقل .وهذا ما سبق أن عرفناه بشكل موجز ، ونعرض له الان مفصلاً .
الأمر الثاني :إن الإمام المهدي (ع) سوف يضع السيف في كل المنحرفين الفاشلين في التمحيص ، ضمن التخطيط السابق على الظهور ، فيستأصلهم جميعاً ... وإن بلغوا الآلاف ، ولا يقبل إعلانهم التوبة والإخلاص .
الأمر الثالث : إن مدة وضع السيف ستكون ثمانية أشهر ، وقد يفسر ذلك بأن مدة فتحه للعالم كله هو هذا المقدار ... وسنتحدث عن ذلك .
الأمر الرابع : إن فتحه للعالم سيتم في الأغلب ، بدون قتال ، كما سيأتي مع الإشارة إلى أسلوبه وفلسفته .
ومن هنا سنتحدث في هذا الفصل ضمن أقسام أربعة :
صفحة (389)
القسم الأول : حرب السفياني مع الإمام المهدي (ع) ونتكلم عنه ضمن جهتين :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار الواردة بهذا الصدد .
أخرج أبو داوود(1) ونقله السيوطي(2) عن ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن أم سلمة عن النبي (ص) ، قال:
يكون اختلاف عند موت خليفة ..إلى أن يقول : ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً ، فظهرون عليهم ، وذلك بعث كلب ، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب .... الحديث .
واخرج السيوطي(3) عن أبي عمر الداني عن حذيفة ، قال: قال النبي (ص) – في حديث يذكر فيه ظهور المهدي(ع) وبركات دولته :
فيقدم الشام ، فيذبح السفياني تحت الشجرة التي أغصانها إلى بحيرة طبرية، ويقتل كلباً .قال رسول الله (ص): فالخائب من خاب يوم كلب ، ولو بعقال .قال حذيفة : يا رسول الله ، كيف يحل قتالهم وهم موحدون؟ فقال رسول الله (ص) : يا حذيفة هم يومئذ على ردة ، يزعمون أن الخمر حلال، ولا يصلون .
وأخرج المجلسي في البحار(4) مرفوعاً إلى جابر بن يزيد عن أبي جعفر(ع) قال :
إذا بلغ السفياني أن القائم قد توجه إليه من ناحية الكوفة ، فيتجرد بخيله حتى يلقى القائم ، فيخرج ويقول : أخرجوا إليّ ابن عمّي . فيخرج عليه السفياني ، فيكلمه القائم (ع) فيجيء السفياني فيبايعه .
ثم ينصرف إلى أصحابه ، فيقولون له : ما صنعت ؟ فيقول : أسلمت وبايعت . فيقولون : قبح الله رأيك ، بينما أنت خليفة متبوع ، فصرت تابعاً . فيستقبله فيقاتله ، ثم يمسون تلك الليلة ، ثم يصبحون للقائم بالحرب ، فيقتتلون يومهم ذلك . ثم إن الله تعالى يمنح القائم القائم وأصحابه أكتافهم ، فيقتلوهم حتى يفنوهم ... الحديث.
صفحة (390)
ـــــــــــــــــ
(1) السنن ج2 ص422 الو ما بعدها . (2) الحاوي ج2 ص126.
(3) المصدر ص160. (4)ج13 ص199.
واخرج أيضاً (1) عن عبد الأعلى الحلبي عن أبي جعفر (ع) – في حديث طويل – ذكر فيه القائم المهدي(ع) إلى ان ذكر دخوله الكوفة . ثم قال :
ثم يقول لأصحابه: سيروا إلى هذا الطاغية . فيدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) ، فيعطيه السفاني من البيعة سلماً . فيقولون له كلب وهم أخواله : ما هذا ؟ ما صنعت ؟ والله ما نبايعك على هذا ابداً . فيقول ما أصنع ؟ فيقولون : استقبله . فيستقبله ثم يقول له القائم: خذ حذرك، فإني أديت إليك ، وأنا مقاتلك . فيصبح فيقاتلهم ، فيمنحه الله أكتافهم ، ويأخذ السفياني أسيراً . فينطلق به فيذبحه بيده.
وأخرج السيوطي(2) عن نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن محمد بن علي قال:
إذ سمع العائذ الذي بمكة الخسف خرج مع اثني عشر ألفاً وفيهم الأبدال حتى ينزلوا إيلياء ، فيقول الذي بعث الجيش حتى يبلغه الخبر من إيلياء : لعمر الله لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة ، بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض . إن في هذا لعبرة ونصرة .فيؤدي إليه السفياني الطاعة . فيخرج حتى يلقى كلباً ، وهم أخواله ، فيعيرونه بها صنع ، ويقولون : كساك الله قميصاً فخلعته ! فيقول ما ترون ؟ استقيله البيعة ؟ فيقولون : نعم . فيأتيه إلى إيلياء فيقول : أقلني ( فيقول :بلى) فيقول له: أتحب أن أقيلك ؟ فنقول : نعم ، فيقيله . ثم يقول : هذا رجل قد خلع طاعتي . فيأمر به عند ذلك ، فيذبح على بلاطة باب إيلياء . ثم يسير إلى كلب فينهبهم . فالخائب من خاب يوم نهب كلب .
إلى بعض الأخبار الأخرى .
وقوله : رجل من قريش أخواله كلب ....هو السفياني بقرينة الأخبار الأخرى وظاهر الأخبار أن نسبه في آل أبي سفيان وأنه من قبيلة (كلب) . ويوجد من أفرادها جماعة من أهم بطانته ومناصريه .

صفحة (391)
ـــــــــــــــــ
(1) ج13 ص 189
(2) ص 146
وقوله : أخرجوا إلى ابن عمي ...اطلاقاً من ادعاء أن آل أبي سفيان وآل أبي طالب ( ومنهم المهدي ) أولاد عمومة .وهو ادعاء لم يؤيده التاريخ ، وظاهر الخبر أنه من كلام السفياني نفسه .
وقوله : بينما أنت خليفة متبوع ... ظاهره أن السفياني يمارس الحكم باسم الخلافة الإسلامية . وهو بعيد . غير أن الخبر جاء طبقاً لمستوى لعصر صدوره ، فإن الحكم كان باعتبار الخلافة يومئذ .
و(ايلياء) اسم بلدة . والظاهر أنها الكوفة باعتبار أمرين :
الأمر الأول : أن المهدي ينزلها بعد الخسف . قال في الخبر " خرج في اثني عشر ألفاً فيهم الأبدال حتى ينزلوا إيلياء". وقد عرفنا أن الكوفة هي المركز الرئيسي للمهدي (ع) بعد خروجه من مكة وقدومه العراق.
الأمر الثاني: أن الكوفة كانت هي عاصمة حكم علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) . ومن هنا سميت بإيلياء اشتقاقاً من لفظ (علي) .
وقوله : العائذ الذي بمكة هو المهدي (ع) . كما نطقت بذلك الروايات الكثيرة التي سمعناها في هذا التاريخ والتاريخ السابق .وهو الذي يحدث الخسف من أجله كما عرفنا مفصلاً .
الجهة الثانية : في الفهم العام لهذه الروايات ، متصلاً بالفهم العام السابق الذي قدمناه إلى حين وصول المهدي إلى العراق .
بعد حدوث الخسف يحصل عند السفياني ، بأي معنى فهمناه ، حجة واضحة في أن الحق إلى جانب المهدي (ع) فيقول: لعمرو الله لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة .
بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض . إن في هذا لعبرة ونصرة .
ويسير المهدي (ع) حتى ينزل الكوفة في هذا الجو الملائم ، الذي عرفنا أنه الأطروحة الرئيسية لتغطية تحركات المهدي (ع) سلماً . فيطلب السفياني مواجهته في الكوفة ، فيتقابلان ، فيتكلم معه الإمام (ع) فيزيده عقيدة به . فيبايعه السفياني ، ويعتقد بإمامته . ولم تصرح الروايات بالصيغة المتفق عليها بينهما . غير أن المفهوم عموماً أنه ليس تنازلاً مطلقاً من قبل السفياني . بمعنى أنه يبقى حاكماً سياسياً كما كان بالرغم من مبايعته .
صفحة (392)

ويخرج السفياني عائداً إلى عاصمته ، فييستقبله أهل االحل والعقد من جماعته ، وفيهم عدد من المتطرفين المسيطرين ، ذكرت الأخبار أنهم من عسيرة أمه ، من قبيلة كلب . فيسألونه عن نتائج المباحثات ، فيخبرهم بمبايعته .فيشجبون موقفه ويعيرونه عليه ، باعتبار أنه قد أصبح تابعاً بعد أن كان متبوعاً .
ولا يمكن أن يكون للسفياني بشخصه موقف مستقل ضد خاصته ومستشاريه ، فيسألهم عن الرأي الصائب في نظرهم . فيقترحون عليه خلع البيعة ومواجهة المهدي (ع) مواجهة صارمة .
فيعود السفياني إلى المهدي (ع) طالباً خلع البينة وإقالته منها . فيقيله المهدي (ع) منها .وبذلك يصبح خارجاً على طاعته ، فيهدده المهدي (ع) بالقتال ، فلا يكون للسفيان بد من القبول . وظاهر سياق الروايات في هذه النقطة أن المهدي (ع) يقاتل السفياني وهو ـأعني السفياني – بعيد عن عاصمته ، مع جماعته القليلة الذين جاؤوا معه إلى مقابلة المهدي (ع) . فيفنى عسكر السفياني و يباشر المهدي قتل السفياني بنفسه ، كما تقول بعض الروايات .
وتبقى عاصمة السفياني بمن فيها من مسيطرين ومنحرفين بدون حاكم فيسرع المهدي (ع) إليها بجيشه، فتسقط بيده بسهولة ، وينهب جيش المهدوي أموالهم "والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب ".
وبذلك تسقط المنطقة التي يحكمها السفياني ، كلها في يد المهدي (ع) ،ويصبح المهدي حاكماً عاماً عليها .
القسم الثاني : في أن المهدي (ع) يستأصل المنحرفين جميعاً ونتكلم عنه في عدة جهات :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يقتل المنحرفين قتلاً واسع النطاق
وقد وردت حول ذلك أخبار كثيرة نذكر نماذج كافية منها .
أخرج النعماني في الغيبة (1) بسنده عن الحارث الهمداني . قال : قال امير المؤمنين (ع) :
بأبي ابن خيرة الإماء – يعني : القائم من ولده – يسومهم خسفاً ، ويسقيهم بكأس مصبّرة ، ولا يعطيهم إلا السيف هرجاً .فعند ذلك تتمنى فجرة قريش له أن لها مقاة مني بالدنيا وما فيها . لاغفر لها . لا نكف عنهم حتى يرضى الله .

صفحة (393)
ـــــــــــــــــ
(1) ص120
وأخرج أيضاً (1) بسنده عن زرارة عن أبي جعفر (ع) : قال: قلت له: صالح من الصالحين سماه لي .أريد القائم (ع). فقال : اسمه اسمي . فقلت : ايسير بسيرة محمد (ص)؟ قال :هيهات هيهات ، يا زرارة ، ما بسيرته .
قلت : جعلت فداك ، لم ؟ قال :
أن رسول الله (ص) سار في أمته باللبن (بالمن) ، كان يتألف الناس . والقائم يسير بالقتل ، بذاك أمر في الكتاب الذي معه .أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً .ويل لمن ناواه ! ..
وأخرج أيضاً(2) عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : أن علياً (ع) قال:
كان لي أن أقتل المولي وأجهز على الجريح . ولكن (ولكني) تركت ذلك للعاقبة من أصحابي أن جرحوا و لم يقتلوا. والقائم له أن يقتل المولي ويجهز على الجريح .
وأخرج أيضاً (3) عن محمد بن مسلم : قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول :
لو يعلم الناس ما صنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس .أما أنه لا يبدأ إلا بقريش ، فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف . حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد لرحم .
وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، أنه قال:
ما تستعجلون بخروج القائم ، فوالله ما لباسه إلا الغليظ ولا طعامه إلا الجشب .وما هو إلا السيف والموت تحت ظلال سيف .

صفحة (394)
ـــــــــــــــــ
(1) ص121. (2) نفس الصفحة .
(3) ص122. (4) نفس الصفحة .وانظر غيبة الشيخ الطوسي .277 ص.
وأخرج أيضا(1) بسنده عن بشر بن غالب الأسدي . قال : قال لي الحسين بن علي (ع) :
يا بشر ، ما بقاء قريش إذا قدم القائم المهدي منهم خمسمائة رجل ، فضرب أعناقهم . ثم قدم خمسماءة فضرب أعناقهم صبراً ، ثم خمسمائة فضرب أعناقهم . قال : فقلت له : أصلحك الله ، أيبلغون ذلك ؟ فقال الحسين بن علي (ع) :إن مولى القوم منهم .
وأخرج الشيخ في المفيد في الإرشاد(2) عن عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع) قال :
إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم . أقام خمسماءة من قريش فضرب أعناقهم .ثم قام خمسماءة فضرب أعناقهم ثم خمسماءة أخرى ، حتى يفعل ذلك ست مرات . قلت : ويبلغ عدد هؤلاء هذا . قال: نعم منهم ومن مواليهم ...وأخرجه الطبرسي وفي أعلام الورى(3) .
وأخرج الصدوق في إكمال الدين(4) والطبرسي في الأعلام(5) عن عبد العظيم بن عبد الله الحسيني . قال : قلت لمحمد بن علي بن موسى (ع) :
إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد ...إلى أن يقول الإمام (ع) : فإذا اكتمل له القصد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عز وجل ، فلايزال يقتل أعداء الله ، حتى يرضى الله عز وجل . قال عبد العظيم : فقلت له : يا سيدي ، وكيف يعلم لأن الله عز وجل قد رضي . قال: يلقي في قلبه الرحمة ... الحديث .

صفحة (395)
ـــــــــــــــــ
(1) ص123. (2) ص243.
(3) ص431. (4) انظر المصدر المخطوط.
(5) ص409.

وأخرج الشيخ في الغيبة(1) عن أبي الجارود ، قال : قال أبو جعفر(ع) :
وهو يتحدث عن القائم (ع) - : ويقتل الناس حتى لا يبقى دين محمد (ص) ... الخبر .
وأخرج المفيد في الإرشاد(2) عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) - في حديث طويل – أنه قال:
إذا قام القائم (ع) ، سار إلى الكوفة ، فيخرج منها بضعة عشر ألفاً نفس يدعون البترية (البرية)(ع) .فيقولون له : ارجع من حيث جئت ، فلا حاجة لنا ببني فاطمة . فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم . ثم يدخل الكوفة ، فيقتل بها كل منافق مرتاب ، ويهدم قصورها و يقتل مقاتليها ، حتى يرضى الله عز وعلا .
وأخرج المجلسي في البحار(3) عن رفيد مولى ابن هبيرة . قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله ويسير القائم بسيرة علي بن أبي طالب في أهل السواد بما في الجفر الأبيض ، وإن القائم يسير في العرب بما في الجفر الأحمر .قال : قلت : جعلت فداك ، وما الجفر الأحمر؟ قال : فأمر اصبعه على حلقه. فقال هكذا . يعني الذبح .
واخرج أيضاً (4) مرفوعاً إلى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) : قال:
إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب والفرس إلا السيف . لا يأخذها إلا بالسيف .ولا يعطيها إلا به .
وأخرج النعماني(5) بسنده عن بشير بن أراكة النبال ، عن أبي جعفر (ع) :

صفحة (396)
ـــــــــــــــــ
(1) ص283. (2) ص 343.
(3)ج13 ص181. (4) ص200 من نفس الجزء.
(5) ص152 وكذلك الذي يليه .
- في حديث – أنه قال : يذبحهم ، والذي نفسي بيده ، كما يذبح القصاب شاته .وأومأ بيده إلى حلقه . قلت:إنهم يقولون: أنه إذا كان ذلك استقامت له الأمور فلا يهريق محجمه دم . فقال :كلا ، والذي نفسي بيده ، حتى يمسح وانتم العرق والعلق ، وأومأ بيده إلى جبهته .
وفي حديث آخر عن بشير النبال أيضاً ، قال : قلت لأبي جعفر (ع) :أنهم يقولون :
إن االمهدي (ع) لو قام لأستقامت له الأمور عفواً ، لا يهريق محجمه دم . فقال : كلا ، والذي نفسي بيده ، لو استقامت لأحد عفواً ، لأستقامت لرسول الله (ص) حين أدميت رباعيته وشج في وجهه . كلا ، و الذي نفسي بيده ، حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ، ثم مسح جبهته .
وأخرج الشيخ في الغيبة (1) بسنده عن أبي بصير ، قال :
إذا قام القائم ...إلى أن قال : ثم يتوجه إلى الكوفة فينزلها ، وتكون داره .ويبهرج (2) سبعين قبيلة من قبائل العرب .
وبإزاء هذه الأحاديث المتواترة القطعية ، يوجد ما ينفي مباشرة الإمام المهدي (ع) للقتل ، الأمر الذي سمعنا تكذيبه من الأخبار السابقة .
أخرج السيوطي في الحاوي(3) عن نعيم بن حماد ، وابن طاووس في الملاحم والفتن(4) عنه أيضاً ، عن أبي هريرة ، قال:
يبايع المهدي (ع) بين الركن والمقام . لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً.
وفي الملاحم أيضاً(5) عن نعيم بن حماد بإسناده عن أبي رافع اسماعيل بن رافع عمن حدثه عن أبي سعيد عن النبي (ص) قال:
تأوي إليه أمته ، كما يأوي النحل إلى يعسوبها ، يملاً الأرض عدلاً كما ملئت جوراً . حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول ، لا يوقظ نائماً ولا يهرق دماً .

صفحة (397)
ـــــــــــــــــ
(1) ص284. (2) يعني : يهدر دماءهم.
(3) ج2 ص152. (4) ص51.
(5) ص56.
الجهة الثانية : ارتباط كثرة القتل بالتخطيطين الإلهيين العامين : تخطيط ماقبل الظهور ، وتخطيط ما بعد الظهور
وهما تخطيطان سبق أن عرضناهما و برهنا عليهما .والمراد في المقام : بيان ارتباط ما يقوم به القائد المهدي (ع) من القتل الكثير ، بهذين التخطيطين ، بمعنى الجواب على التساؤل عن مقدار سببية تخطيط عصر الغيبة لهذا القتل ،وعن نفع هذا المقدار من القتل وتأثيره في التخطيط لما بعد الظهور.... الذي هو التخطيط لإقامة دولة العدل في العالم وترسيخ قوائمها .
فهنا موقفان :
الموقف الأول : مقدار ارتباط كثرة القتل بالتخطيط العام السابق على الظهور .
إن أخذنا هذه الكثرة بصفتها تكتيكاً حربياً ونظاماً عسكرياً ولم يكن له ارتباط وثيق بهذا التخطيط ... ولكننا إن لاحظنا المقتولين في هذه الحملة وجدناها موجهة ضد اولئك الفاشلين في التمحيص إلى طرف الباطل ، يكون الآن مقتولاً لامحالة. ولذا نسمع من هذه الأخبار أنه عليه السلام يقتل أعداء الله ، ويقتل كل منافق مرتاب ، وانه لا يستتيب أحداً ، وأنه يقتل قوماً يرفضون ثورته ويقولون له : ارجع ، لا حاجة لنا ببني فاطمة ،وكل هؤلاء هم الفاشلون في التمحيص السابق على الظهور .
ولا تنفع هذا الفشل توبته بين يدي المهدي (ع) بل سيقتله المهدي (ع) ولا يستتيبه ، أي لا يطلب منه التوبة ولا يسمعها منه .وقد سبق أن سمعنا عن الإمام المهدي (ع) نفسه أنه قال : فليعمل كل امرىء منكم بما يقرب به من محبتنا، ويتجنب ما يدينه من كراهتنا وسخطنا .فإن أمرنا بغتة فجأة وحين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبه(1).

صفحة (398)
ـــــــــــــــــ
(1)انظر الإحتجاج للطبرسي ج2 ص23 زما بعدها وتاريخ الغيبة الكبرى للمؤلف .


ولعل هذا هو المقصود من قوله تعالى :
"يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً "(1)
كما جاءت به بعض الروايات (2) . وهذا هو المعنى الظاهر من الآية عند مراجعة سياقها حين يقول –عز وجل: " يوم يأتي بعض آيات ربك .لاينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، قل انتظروا إنا منتظرون ."
وسيأتي الكلام عن ذلك في الجزء الخاص بالقرآن الكريم من هذه الموسوعة .
واما الناجحون الممحصون في هذا التخطيط العام ، فهم المؤمنون بالمهدي (ع) المبايعون له ، الآمنون في دولته ، السعداء في ظل عدله .وهم الذين يباشرون القتل تحت قيادته ، وقد سبق أن سمعنا عنهم :أنه يعطي الواحد منهم قوة أربعين رجلاً . لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل .
الموقف الثاني : ارتباط كثرة القتل بالتخطيط العام لما بعد الظهور .
فإذا عرفنا ان هدف هذا التخطيط هو إقامة المجتمع الإيماني الكامل الذي تحكمه دولة الحق ويسوده التشريع العادل الكامل . ومثل هذا المجتمع لا يمكن تطبيقه إلا إذا تظافرت القوى من قبل الدولة والشعب معاً على تنفيذه وإنجازه .فإنه يحتاج – وخاصة عند بدء التطبيق – إلى جهود وتضحيات كثيرة . فما لم يكن الأفراد على مستوى المسؤولية في تطبيق التشريع العادل على كل أقوالهم وأفعالهم ، لا يمكنهم أن ينجوا فيه . ومن ثم قد يصبحوا سبباً في فشل التخطيط أساساً .
ومن المعلوم أن المعطى الفردي وألإجتماعي لهذا التضحيات والتجاوب مع هذه المتغيرات . يتناسب عكسياً مع قلة الإيمان والشعور بالمصلحة الأنانية .فإن الإنسان بمقدار ما تحتويه نفسه ويتضمنه كيانه الفكري والعقائدي من نقاط ضعف .فإنه ينساق إلى تفضيل مصلحته الأنانية على السلوك العادل .ومهما كبرت في الفرد نقاط ضعفه . كلما كان لمصلحته أشوق وبها ألصق ، وعن إطاعة الحكم العادل أبعد .
صفحة (399)
ـــــــــــــــــ
(1) الأنعام : 6/158
(2) انظر : الإحتجاج ج2 ص 317 و غيره .
إذن ، فمثل هذا الفرد لا يستطيع أن يواكب السلوك العادل ورد الفعل الصالح الذي يقتضيه المجتمع العادل ، بمعنى أنه يختار عليه دائماً مصلحته وأنانيته .ومعه ينحصر تطبيق المجتمع العادل على أيدي الأفراد الصالحين العادلين ، الذين مارسوا السلوك الصالح ردحاً من الزمن .وهم الناحجون في التمحيص الموجود في التخطيط السابق . وأما الفرد المنافق والمنحرف الفاشل في التمحيص فلا يمكن أن يكون عضواً في هذا المجتمع .بل ينبغي اجتثته رأساً قبل البدء بالتطبيق العادل .
وحيث قد انتج التخطيط العام السابق انكشاف حال الكثيرين ، في السقوط في مهوى الرذيلة والنفاق . وكونهم على مستوى عصيان ضروريات الدين ، كما سبق أن قلنا ... هذا حال أكثرية المسلمين من مختلف المذاهب. وحينئذ نستطيع أن نتصور عدد الأفراد الذين ينبغي اجتثاثهم والإستغناء عن وجودهم ، لأجل البدء بالتطبيق العادل الكامل .
وسيكون هذا ألإجتثاث أو القتل أول خطوة رئيسية في التطبيق العادل الذي يهدف إليه – فيما يهدف – التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور .
ومن هنا نعرف ربطاً جديداً بين التخطيطين، حيث يكون الأول مساعداً للثاني في انتاجه لهدفه .فإن الأول ، وهو تخطيط عصر الغيبة ، يكشف ما في نفوس الأفراد من زيف ونقاط ضعف عن طريق التمحيص الطويل ، لكي يستغني عنهم وينزه المجتمع عن وجودهم أخذاً بالتخطيط الثاني .
إذن ، فالقتل ليس تكتيكاً عسكرياً محضاً لمجرد السيطرة والإنتصار ، بل هو مقدمة أساسية للتطبيق العادل ، ومن هنا نرى أن المهدي (ع) يقتل الأفراد في غير الحرب أيضاً ، كما وردت به الروايات . كالذي سمعنا عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى ، إذ أمر بضرب عنقه . وغيرها ،كل ذلك تجنباً من العناصر السيئة في المجتمع الصالح .
ولو تكلمنا بلغة العصر الحديث لقلنا : إن تطبيق الحاكم العقائدي لمبدئه وعقيدته على دولته ، يتوقف على استئصاله لكل معارضيه وكل من يحتمل صدور الخلاف منه استئصالاً تاماً....ولا يكفي فيهم الملاينة وتأجيل العقاب بعد الجريمة ، كيف وهو يعلم أن مبدأه هو الحق، وكل مخالف له هو مخالف للحق ، وكل مخالف للحق مجرم ، وكل مجرم لا يمكن أن يعيش في مجتمع الصالحين .
صفحة (400)
ومن هذه النقطة بالذات ، يبدأ سبب عدم قبول توبة التائب ....فإن الشخص المتمرس بالإنحراف والمعتاد على العصيان وعلى عبادة شهواته وتقديم مصالحه ، لا تكون توبته حقيقية أبداً ، وإن شعر هو وقتياً بذلك ،وإن كانت الشريعة تحكم بكونه إنساناً صالحاً في الظاهر .. غير أن المطلوب بعد الظهور ، وجود الإنسان العادل في الواقع ، لا العادل في الظاهر ، والتوبة – وخاصة إذا كانت نتيجة للخوف – لا تغير واقع الإنسان من الناحية النفسية والفكرية ، بل يبقى هو الإنسان المعتاد على تقديم مصالحه على كل شيء ، فينزل قدمه في أول عثرة ، إذن فلا بد من رفض توبته والإستغناء عن وجوده .
ولأجل هذا الهدف بحسب ما ندركه الآن ، جاز للمهدي (ع) قتل المسلمين وإن لم يحاربوا ....بالرغم من أن ذلك لم يكن جائزاً شرعاً قبل الظهور لأي قائد إسلامي آخر ، بما فيهم النبي (ص) وعلى أمير المؤمنين (ع) وإنما قاتل علي (ع) من حاربه من المسلمين خاصة .ولذا سمعنا من الروايات أن سيرة المهدي (ع) تختلف من هذه الجهة عن سيرتهما ، فإنهما سارا بالعفو والملاينة مع الناس المنحرفين والمنافقين .وأما المهدي (ع) فهو مكلف من قبل الله تعالى " في الكتاب الذي عنده " باستئصالهم أجمعين .فهو يقتلهم حتى يرضى الله عز وجل . أي حتى يكون ما أمر به مطبقاً ونافذاً ومنهياً .
ومن هنا نسمع في بعض الروايات التأكيد على ذلك ، كالذي رواه في البحار عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن القائم يقول فيه : لا، يا أبا محمد ، ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب ،إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا ، فاليوم محرم علينا وعليكم .ومن خالفهم هم الفاشلون في التمحيص في أي مذهب كانوا .
وسيكون الإستغراب من كثرة القتل، في بعض الأوساط الضعيفة الإيمان موجوداً " حتى يقول كثير من الناس : ليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد لرحم".
وستكون هذه الكثرة سبباً في بث الرعب في هذه الأوساط ، وغيرها الرعب الذي عرفنا أنه يسير أمامه شهراً، ووراءه شهراً ، وإلى جانبيه شهراً وعرفنا أن هذه الكثرة من أسبابه .
وقد يرد إلى الذهن هذا السؤال :أن مقتضى هذا التسلسل الفكري ،هو أن المهدي (ع) سوف يقتل أكثر المسلمين ولاتبقى إلا البقية الصالحة القليلة التي تبايعه وتنصره .
بل إذا كان المنحرف من المسلمين مستحقاً للقتل فكيف بالكافر والمشرك : إذن فهو لا بد أن يستأصل البشرية كلها سوى هذا النفر القليل .وهذا بالجزم واليقين مخالف للهدف الإلهي والغرض المنشود ، فإن هدف مجعول لأجل مصلحة البشر والرحمة بهم وإسعادهم ، لا لأجل استئصالهم وقطع دابرهم ، فكيف نوفق بين الأمرين .

صفحة (401)


وجواب ذلك : اما موقف الإمام المهدي (ع) تجاه الكفار والمشركين ، فهو ما سيأتي عرضه ، فالسؤال غير وارد بالنسبة إليهم ، لأن تخطيطهم الخاص بهم ، وإنما يختص السؤال بالبلاد الإسلامية خاصة .
ونحن بهذا الصدد يجب أن نلتفت إلى ما ذكرناه من أقسام الإخلاص الثلاثة التي ينتجها التمحيص السابق على الظهور، فإن مجموع الأفراد الناجحين بأي درجة من تلك الدرجات يمكنهم المشاركة في المجتمع العادل و التجاوب معه ، ما لم يصدر من بعضهم سوء في النية أو العمل . كهؤلاء الذين سمعنا أن المهدي (ع) يأمر بقتلهم . وإلا فالناجحون بشكل عام لهم القابلية للتعايش بسلام في دولة الحق والعدل .
ولئن كان الناجحون من القسم الأعلى هم قواد جيش المهدي (ع). وحكام الأرض من قبله . وكان الناجحون من القسم الثاني جيشه المحارب ....فالناجحون من القسم الثالث هم قواعده الشعبية المطبقة للعدل ....ويلحق بهم كل من يعرف منه التوبة النصوح – التي لا رجعة بعدها إلى الذنوب – والإعتدال الحقيقي الكامل ، فيكون مجموع هؤلاء عدداً ضخماً أيضاً يكفي لانطباق الكثرة المبينة في الروايات بكل تأكيد .
وقد يخطر في الذهن سؤال آخر وهو: أن ظاهر هذه الروايات أن كثرة القتل مختصة بالمسلمين ، لا تشمل غيرهم فلماذا كان ذلك ، مع العلم أن الكافر والمشرك أبعد عن الحق ، وأحق بالقتل من المسلم المنحرف ؟!
والجواب على ذلك ، يكون على مستويين :
المستوى الأول : إننا ننكر الدلالة الروايات على هذا الإختصاص .لأن هذه الروايات على قسمين :
القسم الأول : ما كان مطلق الدلالة ليس فيه أي إشعار بالإختصاص بالمجتمع المسلم .بل ظاهره العموم لكل الناس ... كقوله: " القائم يسير بالقتل ...ولا يستتيب أحداً " و" ما هو إلا السيف " " فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل " .ونحوها .

صفحة (402)
القسم الثاني : الأخبار التي وردت فيها تسمية بعض الجماعات .وهم كما يلي :
قريش . البترية ، أهل الاسواد ، العرب ، الفرس ، سبعين قبيلة من قبائل العرب .
أما البترية ، فالمفروض فيهم الإنحراف واستحقاق القتل .وأما الجماعات الأخرى فهي انتسابات غير دينية ، يوجد في كل منها مسلمون بمختلف مذاهبهم وغير مسلمين بمختلف أديانهم ، بنسب مختلفة بطبيعة الحال .
وإيراد أسماء هذه الجماعات في الأخبار لا ينفي شمول القتل لغيرها ، كل ما في الأمر ، أن قانون (كلم الناس على قدر عقولهم) منع القادة الإسلاميين من بيان كل الجماعات المشمولة للقتل ، لعدم تحمل المستوى العقلي والثقافي للناس عند صدور هذه النصوص لإستيعاب ذلك .
المستوى الثاني : أننا لو تنزلنا عن المستوة الأول ، وسلمنا بظهور الروايات بإختصاص كثرة القتل بالمسلمين فهذا ليس أمراً مروعاً ، بل هم أمر يمكن أن يكون مطابقاً مع القواعد الإسلامية العامة والتخطيط الإلهي العام.
فإننا سبق أن أشرنا لغير المسلمين أو البلاد غير الإسلامية تخطيطاً خاصاً بها في أسلوب السيطرة عليها نطقت به الروايات التي سنسمعها ، وهي سيطرة يغلب عليها الجانب السلمي .كما أن للمسلمين أو للبلاد الإسلامية تخطيطها الخاص بها ،وهو كثرة القتل التي نطقت به هذه الروايات .وهذه الكثرة ليست لأجل السيطرة بل لأجل التنقية والتنظيف من العناصر السيئة .
والفرق بين المسلمين وغيرهم يتمثل في عدة خصائص :
الخصيصة الأولى: إن (الحجة) الكاملة بصدق الإسلام وأحقيته، واضحة في أذهان كل المسلمين ،ومعلنة على نطاق واسع جداً بينهم بخلاف غير المسلمين فإن هذا الوضوح لم يتوفر للجميع على حد واحد.
الخصيصة الثانية : إن الأمة الإسلامية هي الحاملة للأطروحة العادلة الكاملة ، والمطبقة الأولى لها في بلادها ذلك التطبيق الذي سيكون الشكل الأمثل لهذا الأطروحة في العالم كله.
الخصيصة الثالثة : إن الأمة الإسلامية ستكون الحاملة لهذه الأطروحة إلى العالم ، والمبشرة ،بها فكرياً وتطبيقياً تجاهه .وبالتالي سيكون لها مركز القيادة في العالم كله .
الخصيصة الرابعة : إن المسلمين يكونون قد مروا بتخطيط كامل للتمحيص وهو التخطيط السابق على الظهور . وانتج هذا التمحيص نتائجه فيهم ، وكان تمحيصهم منصباَ على (الإطروحة) التي تمت الحجة بها عليهم. بخلاف البلاد غير المسلمة ، فإنها مرت بالتمحيص ، ولكن من زوايا أخرى أوجبت نتائج مغايرة ، كانكشاف زيف الأطروحات الأخرى ، ونحو ذلك .
صفحة (403)
وكل هذه الخصائص تستدعي من الأمة الإسلامية أن تكون في اعلى درجات الإيمان وأقوى درجات الإخلاص ، والمثال الأفضل للأطروحة التي تتبناها .فمن لم يكن كذلك من المسلمين ،فإنه سيوجب عاجلاً أم آجلاً ، الإخلال بالقيدة والتطبيق للأطروحة العادلة الكاملة ، في بلده وفي العالم ، الأمر الذي يخل بالهدف الأعلى نفسه ،ومن هنا كان لا بد من الإستغناء عن كل خدماته وأحاسيسه في طريق هذا التطبيق العظيم ، وذلك بنفيه من عالم الحياة ، مقدمة لذلك التطبيق .
ولن يعني هذا (التقديم) أن القيادة العالمية سوف لن تبدأ إلا بعد الإنتهاء من هؤلاء المنحرفين جميعاً .فإن القيادة سيتولاها في وقتها المناسب أؤلئك المخلصون المؤهلون لها ، وسيستغني عن خدمات المنحرفين ريثما يتم الإجهاز عليهم جميعاً .وسيأتي إيضاح ذلك بشكل أوسع عند الحديث عن الروايات التي تنص على استمرار القتل مدة ثمانية اشهر.
الجهة الثالثة : في إيضاح بعض النقاط الواردة في هذا الخبر :
النقطة الأولى: الظاهر الأولي للروايات هو أن الإمام المهدي(ع) يستعمل السيف في قتال المنحرفين. وهو السلاح الذي كان مستعملاً في عصر صدور هذه الأخبار .
ومن الواضح بالضرورة أن المهدي (ع) يستعمل سلاح آخر لعدم إمكان الإنتصار به .إلا عن طريق المعجزة التي برهنا على عدم نفوذها في مثل ذالك ، لإمكان التعويض عنها بالطريق (الطبيعي) باستعمالها السلاح المناسب للعصر .
ومعه يتبرهن ضرورة حمل السيف على المعنى الرمزي الذي يراد به أي سلاح . وهذا ما طبقناه في التاريخ السابق ، وهو ساري المفعول في كل الروايات كما هو واضح . وإنما ذكر السيف بالخصوص انطلاقاً مع المستوى العقلي والثقافي لعصر صدور هذه الأخبار .
النقطة الثانية : ورد التأكيد في أكثر من خبر من الأخبار السابقة :إن الأمور لا تستقيم للمهدي (ع) عفواً ومن تلقاء نفسها ... بل تحتاج إلى جهد وجهاد و" لو استقامت لأحد عفواً لأستقامت لرسول الله (ص) حين أدميت رباعيته وشجّ في وجهه ... فإن النبي(ص) – وهو خير البشر- أولى من المهدي باستقامة الأمور عفواً ، لو كان ديدن الدعوة على إيجاد هذه الإستقامة .ولكنها لم تستقم لخير البشر (ص) إذن فهي لا تستقيم لمن دونه ، لا لقصور في القيادة عندهم ، بل لأن ديدن الدعوة الإلهية ليس على ذلك .
صفحة (404)


والسر في ذلك – حسبما نفهم – أن فكرة (التمحيص) غير خاص بالناس الإعتياديين أو بالدرجات الدانية من الإيمان. بل تمتد هذه الفكرة بمعنى اشرنا إليه في التاريخ السابق(1) لتشمل القواد الرئيسيين بما فيهم الأنبياء والأولياء ، وتكون فكرة التمحيص بالنسبة إليهم لزوم مرورهم بمصاعب وجهود تساوي مستواهم العالي لينالوا بها مستويات أعلى من باب (تكامل ما بعد العصمة) كما ذكرنا هناك . ولو استقامت الأمور للقادة لكان ذلك على خلاف التمحيص بالنسبة إليهم .ومن ثم يحجب التكامل الذي سينالونه بالجهود والمصاعب ، فيكون ظلماً لهم . وهو مستحيل عل الحكمة الإلهية .
مضافاً إل أن ظروف الجهود والمصاعب التي يمر بها هؤلاء القادة ، ستكون محكاً لتمحيص كل الجيل المعاصر من مؤمنين وغيرهم . من حيث النظر إلى ردود أفعالهم تجاه تلك القيادة المحقة ، ومقدار ما يبذلون لها من جهود وتضحيات .
كذلك كانت قيادة النبي(ص) في صدر الإسلام ،وعلى ذلك ستكون قيادة الإمام المهدي (ع) في مستقبل الدهر .
هذا ، وإن استقامة الأمور عفواً تنشأ من أحد سببين :
السبب الأول: السبب الإعجازي ، وقد برهنا على عدم إمكانه، لإمكان التعويض عنه بالطريق الطبيعي بكل وضوح .
السبب الثاني : السبب الطبيعي . بمعنى اقتضاء التخطيط السابق على الظهور لهذه النتيجة ، بأن يدعي كل شخص : بأن هذا التخطيط العام سارعلى شكل منتج في نهايته لإستقامة الأمور عفواً للمهدي (ع) .
إلا أن هذا السبب أيضاً غير محتمل ، فإننا عرفنا كل تفاصيل التخطيط العام السابق فلم نجد فيه ما يقتضي ذلك ، بل وجدنا فيه ما يقتضي العكس ، بمعنى أنه يقتضي وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل والحق ، بكل ما في الغزو من مصاعب وجهود وجهاد .
إذن ، فاستقامة الأمور بقيت بدون منشأ صحيح ، فلا تكون قابلة للإثبات .

صفحة (405)
ـــــــــــــــــ
(1) ص506

مضافاً إلى قابلية نفس هذه الأخبار لنفيها كما هو واضح .
النقطة الثالثة : سمعنا من بعض الأخبار أن المهدي (ع) : لا يهريق دماً ولا يوقظ نائماً .كما سمعنا من بعض الأخبار الأخرى تكذيب ذلك . فبأي من القسمين نأخذ ؟
والذي يبدو : أننا تارة ننظر إلى أسلوب الفتح العالمي وتاسيس الدولة العالمية. وأخرى ننظر إلى المجتمع الناتج بعد تأسيس هذه الدولة ، ذلك المجتمع الذي تطبق فيه الأطروحة العادلة الكاملة .
فإن نظرنا إلى أسلوب الفتح العالمي وجدنا (السيف) مستعملاً فيه لا محالة طبقاً للروايات الكثيرة المتواترة ، التي لا تقوم بإزائها خبر واحد ، مضافاً إلى الحاجة إلى السلاح بإزاء القوى المعادية بعد البرهنة على نفي الأسلوب الإعجازي ، إذن فلا بد من تكذيب هذا الخبر ، إن كان المراد منه ذلك ،وهذا هو مراد الأخبار المكذبة له والنافية لمدلوله .
وإن نظرنا إلى المجتمع العادل الذي يؤسسه المهدي (ع ) " لا يهريق دماً ". لعدم الحاجة إلى إهراقه . وهذا النظر الذي يؤكد أحد الأخبار المكفلة لبيان هذه الحقيقة حين يقول فيه : " يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول ، لا يوقظ نائماً ولا يهرق دماً ً " . وهو يكون واضح في ان عدم إراقة الدم إنما يكون بعد امتلاء الأرض قسطاً وعدلاً ، وليس قبل ذلك . أقول: الأمر الأول المشار إليه هو الإسلام كما جاء به النبي (ص) ، وهو معنى تطبيق (الأطروحة العادلة الكاملة ) ، في دولة المهدي العالمية.
وأما الخبر الآخر الذي يقول " يبايع المهدي (ع) بين الركن والمقام . لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً " واضح في أن المهدي (ع) لا يهريق دماً حتى في عمليات الغزو العالمي .وقد علمنا ان المعنى باطل بالضرورة ، فلا بد من تكذيب هذا الخبر .
النقطة الرابعة : نص عدد من الأخبار على اختلاف سيرة الإمام المهدي (ع) من الناحية العسكرية عن أسلوب النبي (ص) والإمام أمير المؤمنين .
صفحة (406)
وقد أشرنا إلى ذلك ، ونريد الآن إعطاء المبررات التفصيلة له :
وما يمكن استفادته من مجموع الأدلة أمران :
الأمر الأول : إن القاعدة العامة للقادة الإسلاميين عموماً جوازاً على الجريح وملاحقة الفار وقتل الأسير ونحوها من التصرفات ... غير أن القادة الأوائل كفوا عن تطبيق هذا الحكم في عصورهم ، من أجل مصالح وقتية خاصة في تلك العصور ، قال علي (ع) - كما في الخبر - : ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا" . وهذه المصالح لن تتوفر في عصر الإمام المهدي (ع) ومن هنا يكون له أن يأخذ بتطبيق الحكم المشار إليه الشامل بصفته أحد القواد الإسلاميين .
الأمر الثاني : إن القاعدة العامة للقواد الإسلاميين هو عدم جواز قتل الجريح وملاحقة الفار ونحو ذلك . فهم تركوا ذلك في عصرهم الأول لعدم جوازه بالنسبة إليهم .
ولكن سيصبح ذلك جائزاً للمهدي (ع) خلال الفتح العالمي " بذلك أمر في الكتاب الذي معه " . وهو استثناء خاص بهذه الفترة .وسيرتفع الحكم بالجواز بالنسبة إليه بعد الإنتهاء من الفتح العالمي . ويعود الأمر كما كان في عدم جواز هذا الأسلوب العسكري ... فيصبح الإمام المهدي (ع) " لا يهريق دماً ولا يوقظ نائماً ".
والسر في هذا الإختلاف ، على كلا التقديرين، هو اختلاف مستوى المجتمع الإسلامي الأول عن المجتمع المهدوي اختلافاً كبيراً جداً ....ذلك الإختلاف الذي عرفنا الكثير من خصائصه ومميزاته .
وأهم الخصائص التي تمت إلى تطبيق هذا الحكم بصلة ، هوأن الإيمان والكفر في العصر الأول ، كان في الأغلب من :إيمان ما قبل التمحيص .لأن المجتمع لم يكن قد مر بفترة التمحيص الكبرى المخطط له قبل (الظهور) . وسيكون الإيمان والكفر في المجتمع الآتي : إيمان ما بعد التمحيص وكفر ما بعد التمحيص ،بعد أن مر المجتمع بفترة التمحيص الكبرى .
إن مرور المجتمع بهذه الفترة ليس أمراً هيناً أو ضئيلاً . يكفينا أن تصور أن القاتل (المؤمن) والمقتول (الكافر) في العصر الأول . لم يكن التمحيص قد شملهما ، ومن ثم فإدراكهما لأهمية القتال ونتائجه سوف تكون أقل بدرجة كبيرة ، مما إ ذا كانا معاً قد مرا بفترة التمحيص ، فأكتسب الإيمان أهميته في نفس المؤمن واكتسب الكفر أهميته في نفس الكافر أو المنحرف واتسع أفقهما العقلي والثقافي إلى حد كبير .
إن كافر ما قبل التمحيص ، لمدى بساطته وضآلة مستواه ، (لا يستحق) إجراء هذا التكتيك العسكري الصارم عليه . وأما كافر ما بعد التمحيص ، بإعتبار أهميته وعمق مستواه ، فإن أقل ما يستحقه من جزاء هو ذلك. فإنه طالما حارب الحق والعدل خلال عصر التمحيص بهمة ووعي، وبكل غلظة ، فينبغي أن يأخذ عقابه اللازم بهمة ووعي و بكل غلظة ." لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل " .
صفحة (407)





مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 06:45 PM   #22
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

القسم الثالث من هذا الفصل : في تحديد مدة كثرة القتل بثمانية أشهر ونتكلم عن ذلك فيضمن جهتين :

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الواردة لتحديد مدة وضع (السيف) في رقاب المحرفين . بثمانية أشهر.

أخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر يقول :

وساق الحديث إلى أن قال :- ثم يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر بيمينه . فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل ..الحديث .

وأخرج النعماني في الغيبة(2) والمجلسي في البحار(3) عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) :

لا يخرج القائم (ع) حتى تكون تكملة الحلقة . قال : عشرة الآف ،إلى أن قال : يجرد السيف عن عاتقه ثمانية أشهر ، يقتل هرجاً . الحديث .

وأخرج السيوطي في الحاوي(4) عن نعيم بن حماد عن علي ، قال :

إذا بعث السفياني جيشاً فخسف بهم بالبيداء ، إلى أن قال :

ويخرج رجل من قبله (أي المهدي) رجل من أهل بيت بالمشرق ، ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر... الحديث .

وأخرج عنه أيضاً عن علي أيضاً ، قال :

تفرج الفتن برجل منا يسومهم خسفاً . لا يعطيهم إلا السيف ، يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر . حتى يقولوا : والله ما هذا من ولد فاطمة ، ولو كان من ولدنا لرحمنا ....الحديث .



صفحة (408)
ـــــــــــــــــ


(1)المصدر المخطوط. (2) ص165.

(3) ج3 ص193. (4) ص146 ج2 ،وكذلك الخبر الذي بعده .







وقال البرزنجي في (الإشاعة)(1) : في بعض الروايات :

يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر .وفي بعضها ثمانية عشر شهراً ، وفي رواية اثنين وسبعين شهراً، وهي مدة ست سنين .

والمراد بتجريد السيف ووضغه على العاتق : مباشرة الحرب أو القتل . والهرج هو القتل الكثير .يقال: هرج الناس إذا وقعوا في فتنة واختلاط وقتل.

ولا يخفى أن رواية الثمانية عشر شهراً وما بعدها، مما ذكره البرزنجي مرسلة وغير قابلة للإثبات التاريخي ، مضافاً إلى أنها منفية بالأخبار المتعددة الدالة على حصر المدة بثمانية أشهر ،وهذه الأخبار تصلح للإثبات بحسب منهجنا في هذا الكتاب ، لتعاضدها ، ودلالة بعضها على صدق بعض.

الجهة الثانية : الحديث عن هذه الأخبار .

ونتكلم حول ذلك في عدة نقاط .

النقطة الأولى : إن لتبرير القتل الكثير الذي يقع خلال الثمانية أشهر اطروحتين رئيسيتين :

الأطروحة الأولى : إن هذا القتل ، هو الذي يحدث خلال الغزو العالمي والثمانية أشهر هي المدة التي يتم فيها ألإستيلاء على العالم .

غير أن هذه الأطروحة تواجه عدة اعتراضات.

الإعتراض الأول : معارضتها بما دل على اختصاص القتل الكثير بمنطقة الشرق الأوسط ونحوها ، وعدم شموله لكل العالم ، كما سبق أن عرفنا .

الإعتراض الثاني : معارضتها بما دل على أن الفتح العالمي في غير الشرق الأوسط سيكون بدون قتال ، بل تفتح الدول للمهدي (ع) أبوابها سلماً ، كما سيأتي غير بعيد .

الإعتراض الثالث : إن الثمانية أشهر مدة زائدة جداً على الغزو العالمي . سواء كان الفتح حربياً أو سلمياً ... لمدى الضمانات الأكيدة الشديدة التي عرفناها لإنتصار المهدي (ع) ... فالتحديد بهذه المدة سيكون بعيداً جداً إذا كان المراد منه ذلك .


صفحة (409)
ـــــــــــــــــ


(1) ص98



الإعتراض الرابع: ما يفهم من كلام السيد البرزنجي ، من استبعاد الفتح العالمي خلال هذه المدة بل في المدة الأطول منها .

قال في الإشاعة(1) في فصل : تحديد مدة ملك المهدي (ع) بتسع سنين، ولا شك أن مدة التسع سنين فما دونها ، لايمكن أن يساح فيها ربع أو خمس المعمورة سياحة ، فضلاً عن الجهاد وتجهيز العساكر وترتيب الجيوش و بناء المساجد وغير ذلك .أقول : فإذا كان هذا رأيه بالتسع سنوات ، فكيف بالثمانية أشهر .

وواضح أن هذا الكلام منطلق من مفاهيم وأسليب الحرب بشكلها القديم وإما إذا أخذنا وسائط النقل الحديثة والأسلحة المتطورة بنظر الإعتبار كان هذا الإعتراض بلا موضوع في الثمانية أشهر فضلاً عن التسع سنين . وهذا هو الذي يؤكد الإعتراض الثالث الذي ذكرناه .

إذاً ، فهذا الإعتراض غير وارد . لكل الإعتراضات الثلاثة الأولى محتملة الورود ضد الأطروحة الأولى. وبانتفاء هذه الأطروحة نخسر أمراً غير يسير وهو : العلم بمدة الفتح العالمي ، إن هذه المدة ستكون مجهولة لنا . وسنتحدث عن ذلك في خلال الأخبار التي تتحدث عنه بدون قتال .

الأطروحة الثانية : إن هذا القتل الكثير الذي يحدث خلال الثمانية أشهر ، ليس للفتح العالمي ، بل لإجتثاث المنحرفين نحو الباطل من المجتمع .

وهذا هو الذي سبق أن فهمناه ، وتحدثنا عن خصائصه فيما سبق ، وإن الإعتراضات الثلاثة التي اوردناها على الأطروحة تؤكد هذه الأطروحة ، كما هو غير خفي لمن يفكر.

ومعنى ذلك – بكل بساطة -: ان الفتح العالمي سينتهي بمدة أقل من ذلك بزمن غير يسير ، وخاصة إذا كان الفتح سلمياً ، كما سنسمع ، إلا أن المنحرفين سوف يبقى وجودهم ونشاطهم إلى جانب الباطل ، ساري المفعول ... ومن ثم (سيحتاجون) إلى قتل إضافي بعد استتباب الدولة العالمية ،وهذا ما سوف يمارسه المهدي (ع) وأصحابه ، إلى تمام الثمانية أشهر .



صفحة (410)
ـــــــــــــــــ


(1) ص106



النقطة الثانية : أن الخبر الذي رويناه عن السيوطي ، والذي يصرح بأن رجلاً من قبل المهدي (ع) هو الذي يمارس القتل الكثير لا المهدي نفسه .

وهذا المضمون إن فهمناه بمدلوله العام . كان صحيحاً ، فإن الذي يقوم بالقتل هو أصحاب الإمام وليس الإمام نفسه .وإنما نسب إلى الإمام باعتباره منطلقاً عن أمره وتخطيطه .كما نقول: فتح الأمير المدينة .ولا دليل على أن الإمام يقتل بيده شخصاً أصلاً .

وأما إذا فهمنا أن الخبر بمدلوله الخاص بمعنى أن رجلاً معيناً هو الذي يعينه المهدي (ع) نفسه ...فهذا وإن كان محتملاً . باعتبار مهام المهدي العالمية ، فيحتاج إلى تعيين مسؤول عن كل مهمة بعينها . فلعله يعين رجلاً يكون مسؤولاً عن قتل المنحرفين . غير أن هذا المضمون لا يثبت ، لعدم قابلية هذا الخبر وحده للإثبات التاريخي .

النقطة الثالثة : سيكون لكثرة القتل رد فعلها السيء في نفوس المنحرفين بطبيعة الحال " حتى يقولوا :والله ما هذا من ولد فاطمة .ولو كان من ولدها لرحمنا " وقوله : لرحمنا يدل على أن القائل لمثل هذه الإعتراضات هم المنحرفون أنفسهم الذين تكون هذه الحملة مكرسة ضدهم .وهذا أمر متوقع منهم بطبيعة الحال .

وأما الآخرون ، وهم المتصفون بدرجة من درجات الإخلاص ... فقد يقتل من أحدهم أبوه أو ابنه أو أخوه ، أو أكثر من واحد من عشيرته ، باعتبارهم منحرفين مشمولين لهذه الحملة ...ولكن لن يكون لرد الفعل السيء اثر في نفوسهم .

وذلك باعتبار عدة عوامل :

العامل الأول : مرانهم .كمخلصين ناتجين من التخطيط السابق ، على تحمل المصاعب مهما زادت وتعسرت ، ولطالما اعتادوا على تقديم النفس والنفيس والإبن والقريب ، في سبيل الحق ، والتضحية بمصالحهم من أجله ، حتى لو وصل الأمر إلى بذل النفوس . فكيف والهدف قد أصبح أقرب وأوسع وأوضح. إن أمثال التضحيات سوف لن تكون لها قيمة بإزاء الهدف المقدس.

العامل الثاني: المفاهيم الجديدة والمعمقة التي يعلنها الإمام المهدي (ع) في العالم عامة ولدى أصحابه خاصة.

وإن من أوضح هذه المفاهيم هو الإستغناء عن كل العلاقات الخاصة في سبيل (العلاقة العامة) وهي العلاقة مع عبادة الله تعالى وتطبيق احكامه والسير في سبيله ، وازدراء كل من لم يسر في هذا الطريق .


صفحة (411)


قال الله تعالى في قرآنه المجيد:" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ..ومن يتولهم فأؤلئك هم الظالمون .قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ،وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ، أحب إليكممن الله ورسوله وجهاد في سبيله . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره .والله لا يهدي القوم الفاسقين ."(1)

وإذا جاء أمر الله المشار إليه في الآية ، انتفت كل هذه العلائق القبلية والإرتباطات الضيقة .وتبدلت إلى المفاهيم المعمقة والأهداف الواسعة .والمراد من أمر الله المشار إليه – والله أعلم بما ينزل – وجود الدولة العالمية العادلة تحت قيادة الإمام المهدي (ع) في تنفيذ أوامره وتطهير الأرض من أعدائه ... حتى سمعنا تسميتهم بجيش الغضب وعرفنا صفاتهم في الشجاعة والإندفاع والتضحية .

وبهذا الحماس العاطفي والشجاعة النادرة، سيمارسون القتل بأنفسهم، مع إلغاء الخصائص الضيقة، وسيحملون السلاح على عواتقهم ثمانية أشهر كاملة حتى يتم استئصال المنحرفين من العالم ، وسيكون هذا العامل من العوامل الأخرى أفضل ضمان لشعورهم بالسعادة والإطمئنان من عملهم المقدس ،بحيث لا يحتمل وجود أي أثر سيء في نفوسهم.

القسم الرابع : الفتح العالمي السلمي بدون قتال : ونتكلم عنه ضمن جهتين :

الجهة الأولى : في الأخبار الدالة على أن الفتح العالمي سيتم بدون قتال :

أخرج السيوطي(2) في الحاوي عن نعيم بن حماد عن علي قال :

إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً فخسف بهم البيداء .... وتنقل إليه الخزائن ،ويدخل العرب والعجم وأهل الحرب و الروم وغيرهم في طاعته من غير قتال ، حتى يبني المساجد بالقسطنطينية وما دونها ... الحديث .


صفحة (412)
ـــــــــــــــــ


(1) التوبة : 9/23-24

(2) ج2 ص146



وأخرجه ابن طاووس في الملاحم والفتن(1) عن نعيم بن حماد أيضاً – وأخرج النعماني في الغيبة(2) بإسناده عن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال :

إذا قام القائم ... قال : ويبعث جنداً إلى القسطنطينية .فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، قالوا :هؤلاء أصحابه يمشون على الماء ، فكيف هو ؟ فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة ، فيدخلونها ، فيحكمون فيها ما يريدون .

أقول ونقله عنه في البحار(3).

وعن عقد الدرر(4) عن علي بن أبي طالب في قصة المهدي وفتوحاته ... قال :

ثم يأمر بإنشاء مراكب ، فيبني أربعمائة سفينة في ساحل عكا، ويخرج الروم في مائة صليب تحت كل صليب عشرة آلاف ، فيقيمون على طرطوس، فيفتحونها بأسنة الرماح ،ويوافيهم المهدي (ع) فيقتل من الروم حتى يتغير ماء الفرات بالدم ،وينهزم من الروم فيلحقوا بأنطاكية .وينزل المهدي (ع) على قبة العباس .فبعث ملك الروم بطلب الهدنة من المهدي (ع) ويطلب المهدي منه الجزية .فيجيبه إلى ذلك .غير أنه لا يخرج من بلد الروم ، فلا يبقى في بلد الروم أسير إلا خرج .ويقيم المهدي (ع) بأنطاكية سنة (لعلها سنته) تلك .ثم يسير ذلك ومن تبعه من المسلمين ، لا يمرون عل حصن من بلد الروم إلا قالوا عليه :لا إله إلا الله فيتساقط حيطانه ويقتل مقاتليه ،حتى ينزل على القسطنطينية ، فيكبرون عليها تكبيرات ، فينشف خليجها ويسقط سورها فيقتلون فيها ثلاثمائة ألف مقاتلة ، ويستخرج منها ثلاث كنوز...


صفحة (413)
ـــــــــــــــــ


(1) ص53. (2) ص172.

(3) ص194 ج13.

(4) رواها في الزام الناصب ص224 ط ايران.


... ويسير المهدي إلى رومية ، ويكون قد أمر أربعمائة مركب من عكا ، فيفيض ( لعلها : فيقيض) الله تعالى لهم الريح ، فما يكون إلا يومين وليلتين ويحيطوا على بابها ،ويعلقون رجالهم على شجرة على بابها مما يلي غربيها، فإذا رآهم أهل الرومية احذروا (لعلها:أخرجوا) إليهم راهباً كبيراً عندهم علم من كتبهم .فيقولون: انظر ما يريد .فإذا اشرف على المهدي (ع) فيقول : إن صفتك التي هي عندي .وأنت صاحب رومية ، فيسأله الراهب عن أشياء فيجيبه عنها .فيقول :له المهدي :أرجع ، فيقول : لا أرجع أنا اشهد أن لا إله إلا ألله وأن محمداً رسول الله .

فيكبر المسلمون ثلاث تكبيرات ، فتكون كالرمانة على نشر(1) فيدخلونها فيقتلون بها خمسمائة الف مقاتلة ويقتسمون الأموال .

إلى بعض الأخبار الأخرى .

الجهة الثانية : في نقد هذه الأخبار :

تحتوي هذه الأخبارعلى شيء من نقاط الضعف وشيء من نقاط القوة : أما نقاط الضعف :

النقطة الأولى : أنها وحدها غير قابلة للإثبات التاريخي ، لعدم ثبوت صحة إسنادها وقلة اعدادها . فما لم تقم قرائن إضافية لإسناد مضمونها ، ينبغي إسقاط هذه الأخبار عن الإعتبار ،وسيأتي عرض ذلك في نقاط القوة .

النقطة الثانية : أنها معارضة بما دل بظاهره على شمول السيف المهدوي لكل العالم وعدم اختصاصه بالشرق بحسب إطلاق مدلوله .

النقطة الثالثة: إن هذه الأخبار دالة على فتح العالم سلمياً عن طريق المعجزات بالمشي على الماء تارة و بالتكبير والتهليل أخرى ... فتكون هذه الأخبار مخالفة لقانون المعجزات ، باعتبار أن فتح العالم ما يمكن توفره للمهدي (ع ) بدون معجزة ،ولو عن طريق الحرب ، فقيام المعجزة من أجل توفيره يكون بلا موجب .


صفحة (414)
ـــــــــــــــــ

(1) لعلها :نشز، وهو المرتفع ، فيكون المرادالوضوح والسهولة في دخول المدينة.




النقطة الرابعة :إن هذه الأخبار تدل على أن أوضاع المدن في الحصانة الحربية وأساليب القتال ، على الطريقة القديمة ....وهذا باطل بالحس والوجدان بعد أن رأينا المدن المشار إليها في الأخبار وغيرها قد تطورت من هذه الجهات تطوراً لا يقاس بالقديم أصلاً.

النقطة الخامسة :إن بعض هذه الأخبار يدل على أن فتح القسطنطينية يتم من قبل المهدي (ع) بأخذها من الكفار والمسيحيين . وهذا غير صحيح .لأن هذه الخطوة قد اتخذت من قبل السلاطين العثمانيين وقد اصبحت القسطنطينية منذ ذلك الحين بلدة مسلمة ، وسميت بإسلامبول ، وأصبحت عاصمة الدولة العثمانية عدة قرون. وسيفتحها المهدي (ع) فتحاً ثانياً لكنه سيأخذها من يد المسلمين المنحرفين لا من الكفار والمسيحيين .

هذا وسنعرف مدى صحة هذه النقاط بعد قليل .

وأما نقاط القوة ، فكما يلي :

النقطة الولى : إن المضمون العام لهذه الروايات ، وهو فتح العالم سلمياً ، مدعم بعدة قرائن عامة ، يسند قابلية هذه الأخبار للإثبات التاريخي .وذلك من عدة زوايا يدعم بعضها بعضاً .

الزاوية الأولى : ما أشرنا إليه وبرهنا عليه من شعور الرأي العام العالمي بوضوح يومئذ بفشل كل التجارب والأطروحات التي ادعت حل مشاكل العالم .إلى حد أصبح الفرد الإعتيادي (غير المرتبط مصلحياً بهذه التجارب) مستعداً للتنازل عن أي حكم يتبنى شيئاً منها إلى الحكم الجديد الذي يأمل فيه الخير والرفاه .

الزاوية الثانية : ما عرفناه من قابليات الإمام المهدي (ع) نفسه في الإطلاع على نقاط الضعف في الدول والحكام ، الأمر الذي ييسر له أحسن النتائج وأسهلها خلال الفتح العالمي كما سبق أن أوضحنا .

الزاوية الثالثة : إن الدولة التي سيؤسسها المهدي (ع) في منطقة من العالم قبل استيعاب الفتح العالمي ،ستكون نموذجاً حياً للأطروحة العادلة الكاملة ،وسيرى العالم كله ما يشملها من الرفاه والأخوة والعدل. الأمر الذي يجعل أنظار العالم مركزة على هذا النظام الجديد وراغبة فيه بشغف شديد .

الزاوية الرابعة : ما يقوم به المهدي (ع) من مناقشات فكرية وعقائدية ودينية ، الإثبات الفكري الحق ودحض كل ما يخالف من الأساليب والإيدولوجيات وسيكون ذلك على نطاق واضح وواسع ومقنع ، مضافاً إلى ما سنسمعه من أن المسيح عيسى بن مريم عند نزوله سيقوم بمثله هذه الحملة أيضاً .



صفحة (415)


وهذا ما اشير إليه في بعض الحدود في الروايات السابقة ، وإن الراهب الذي ترسله رومية (روما – اوروبا) سوف يؤمن بالمهدي ويشهد بوجود صفاته في الكتب الدينية القديمة الموجودة عنده ، وأن المهدي هو (صاحب رومية) يعني أن مستقبلها سيكون إليه لا محالة .

الزاوية الخامسة : الفتح الإعجازي عند انحصار الأمر فيه ، بحيث يكون مطابقاً لقانون المعجزات .وهذا ما قد تعن الحاجة إليه أحياناً.

ونستطيع أن نتصور رد الفعل العالمي لو حدث ذلك مرة واحدة أن كل الدول الأخرى سوف تنهار معنوياً وتعلم بنهايتها ، طبقاً لقول الشاعر :

مـن حلقـت لحـيـة جـــار لــه فـليسكـب المــاء على لحـيـتـه

لأنها تعلم أن الجيش المهدوي سيغزوها لا محالة، فإن أمكن بالطريق الطبيعي ، فهو... وإلا فسيدخلها بالمعجزة ...وهذا من أقوى أسباب الرعب الذي سمعنا انتشاره بين أعداء المهدي (ع) من الروايات .

فهذه الزوايا الخمسة المتوفرة للإمام المهدي(ع) تيسر الفتح العالمي السلمي بكل وضوح .مضافاً إلى الضمانات الأخرى التي عرفناهالإنتصاره ، والتي تتناسب مع السلم كما تتناسب مع الحرب .

وإذا تمت هذه الزوايا كانت مؤيدة للأخبار الدالة على الفتح السلمي .فيصبح من الممكن القول بأن هذه الأخبار صحيحة من هذه الناحية لا غبارعليها .

النقطة الثانية : إن أكثر نقاط الضعف السابقة غير صحيحة :

فالنقطة الأولى وهي عدم قابليتها للإثبات التاريخي ، ارتفعت بعد دعم الروايات بالزوايا الخمس السابقة .

وأما النقطة الثانية : فلأن الفتح السلمي ، لاينافي شمول (السيف) المهدوي لغير الشرق الأوسط .لأن المتعصبين ضد الحق في أوروبا وغير اوروبا كثرين أيضاً ،بحيث لا يمكن أن عايشوا المجتمع العادل الكامل ، فيجب الإجهاز عليهم مقدمة للتطبيق العادل .وهذا القتل غير الفتح العالمي ، بل يستمر بعد الفتح .غير أن شمول هذا القتل لكل العالم قد ينافي ما دل على اختصاصه بالشرق أو بالبلاد الإسلامية ، وكان التبرير النظري مؤيداً لذلك كما عرفنا . ومن هنا لا يكون ما دل على الشمول قابلاً للإثبات التاريخي .



صفحة (416)


غير أن نقطة الضعف الثانية لن تكون صحيحة ،لأن شمول السيف، على تقدير صحته ، ليس للفتح بل للتنظيف .

وإن كان الإلتزام بشمول القتل لأوروبا وغيرها ، على نطاق أضيق من البلاد الإسلامية ، و بشكل لا ينافي المبرر النظري السابق ، لا محذور فيه ... فيشمل من يقابل المهدي (ع) بالسلاح – كما دلت هذه الروايات – وكل شخص ميؤوس من حسن مشاركته في مجتمع العدل العالمي سلفاً .

وأما نقطة الضعف الثالثة: وهي الفتح عن طريق المعجزات فقد عرفنا إمكان ذلك عند توقف الفتح عليه أحياناً ... لا أقل من مرة واحدة لكي تلقي الرعب في قلوب الدول الأخرى .

وأما النقطة الرابعة: فقد وردت هذه الأخبار على لسان عصرها ،وطبقاً لمستواه الفكري والثقافي طبقاً لقانون ( كلم الناس على قدر عقولهم ) .ولا يعني ذلك، بقاء المدن على الشكل القديم إلى عصر الظهور.

وأما نقطة الضعف الخامسة : فهي صحيحة ، غير انها شاملة لكل الأخبار ، لعدم ورود اسم القسطنطينية إلا في بعضها .فلعله خطأ من الراوي باعتبار نقل الحديث بمعناه لا بلفظه ، أو لأي سبب آخر .

ووجود هذه النقطة في بعض الأخبار لا يعني الإعتراض على أصل الفكرة ، وهي الفتح العالمي السلمي ،كما هو واضح .

وعلى أي حال ،فهذه الفكرة تكشف لنا عن أن التخطيط الذي يتخذه المهدي (ع) في مناطق العالم المختلفة غير التخطيط الذي يتخذه في الشرق الإسلامي ، ويبقى التعرف على التفاصيل مصوناً في ضمير الغيب إلى حين مجيء ذلك الزمان .


صفحة (417)





الفصل الخامس

موقف الاخرين من الإمام المهدي عليه السلام



ماذا سوف يكون موقف الآخرين تجاه المهدي وثورته ودولته ؟!.تنقسم العواطف تجاه الإمام المهدي إلى ثلاثة أقسام رئيسية ، منها إيجابية ومنها سلبية ، كما سنسمع .

فأهم عاطفة إيجابية تجاه المهدي (ع) عواطف أصحابه المخلصين وجيشه المهدي المواليه إلى أعلى درجات الولاء ، كما سبق أن عرضنا ذلك مفصلاً .

وهناك عاطفة إيجابية أخرى تجاهه(ع) ، تشمل كل العالم ، وذلك حين يذوق الناس أجمعون لذة العدل والسعادة والرفاه في المجتمع المهدوي العالمي العادل .

وأما العواطف السلبية فتنشاً من الإنحراف والمنحرفين الذين يواجهون السيف المهدوي بحرارته وقوته .

ونحن بعد أن تحدثنا عن القسم الإيجابي الأول ، بقي علينا ان نتحدث عن القسمين الأخيرين ، نبدؤهما بالعواطف السلبية باعتبار تقدمها زمناً على العواطف الإيجابية الثانية .


العواطف السلبية :

تنقسم العواطف السلبية ضد الإمام المهدي إلى ثلاثة أقسام ، في حدود ما وردنا من المثبتات التاريخية .

القسم الأول : رد الفعل السيء الذي عرفناه غير بعيد من قبل المنحرفين حين يستمر فيهم القتل . ويبدأ عددهم الضخم بالتناقص السريع .


صفحة (419)




إنهم سوف يقولون : إن هذا ليس من ذرية فاطمة ، لو كان من ذريتها لرحمنا .

أو يقولون : إن هذا ليس من آل محمد (ص) .لو كان من آل محمد لرحمنا ، كما نطقت بذلك الأخبار .

وهذا الكلام منهم يتضمن ارجافاً وتشكيكاً بمهدويته .إذ من المعروف المفهوم بوضوح في أذهان المسلمين ، الذي تواترت به الروايات : إن المهدي المنتظر من آل محمد ومن ذرية فاطمة .وإذا لم يكن شخص المهدي (ع) من آل محمد ومن ذرية فاطمة ، إذن ، فليس هو المهدي المنتظر الموعود .

وسينطلقون إلى استنتاج كونه ليس من آل محمد ولا من ذرية فاطمة ،من حدة سيفه وكثرة القتل الذي يحدثه فيهم باعتبار أن كثرة القتل منافية للرحمة ،وآل محمد أولى من يتصف بالرحمة من المسلمين ، فلو كان شخص المهدي (ع) منهم لا تصف بالرحمة.

إلا أن هذا الكلام منهم سيكون هواء في شبك ، في خضم الأحداث العالمية السريعة التتابع التي تعيشها البشرية في تلك الفترة.

ان هؤلاء المرجفين سوف ينتهون في خضم كثرة القتل ،لا يبقى منهم أحد. وسيكونالبرهان الأكبر في دحض هذه الشبهة وإثبات أن هذا القائد هو المهدي المنتظر الموعود نفسه ، مضافاً إلى الدلائل الفكرية والعملية التي يقوم بها خلال نشاطه العام ..سيكون البرهان الأكبر على ذلك استتباب سيطرته على العالم كله .فإننا لا نعني من المهدي الموعود إلا من يحكم العالم كله بالعدل .

وهذه الفكرة عن المهدي الموعود ،كما تصلح دحضاً لمن يدعي المهدوية في التاريخ ،كما ذكرنا ذلك في كل من االتاريخين السابقين(1) .تكون هي البرهان الأهم على صدق من يدعي المهدوية وتتم سيطرته على العالم.

وقد غفل هؤلاء المرجفون عن أن معنى الرحمة واللطف ، ليس هو الرحمة الانية ، والمحافظة على المصالح الوقتية الخاصة للناس ،وإنما معناها الكبير هو تطبيق الشريعة العادلة الكاملة في ربوع المجتمع البشري .



صفحة (420)
ـــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى ص355وتاريخ الغيبة الكبرى ص504




فإن ذلك هو المصلحة العليا للبشر والهدف الأعلى من وجودهم .وإذا نظرنا إلى هذا التطبيق في دائرته الصغيرة التي لا تستغرق كل العالم فهو مقترن دائماً ، بحسب المصلحة التي سار عليها النبي (ص) وغيره من القادة الأوائل ، مع الملاينة والتألف .... وأما إذا نظرناه بشكله الواسع الذي يستغرق العالم كله، فقد عرفنا أنه يتوقف على اجتثاث كل عنصر للفساد وسوء النية والإنحراف .ويكون من مصلحة البشر والرحمة بهم قتل هؤلاء وتنزيه المجتمع البشري عن مفاسدهم ،وإن لم يلتفت البشر أنفسهم إلى ذلك لأول وهلة .

إذن ، فالقتل الذي يمارسه المهدي (ع) هو الرحمة الكاملة واللطف الحقيقي ،لأنه مقدمة لتطبيق العدل، ونشرالسعادة .والمنطق العقلي والقانوني دائماً يجزم بتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .

القسم الثاني : من العواطف السلبية التي يواجهها الإمام المهدي (ع ) .

دلت الروايات على ذلك كما يلي :

أخرج النعماني(1) بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، ـ في حديث ذكر فيه راية القائم (ع) ـ وقال :

فإذا هو قام نشرها ، فلم يبق في المشرق والمغرب أحد إلا لعنها .

وأخرج أيضاً (2) بسنده عن أبان بن تغلب ، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :

إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب ( المشرق والمغرب) قلت له : لم ذلك : قال: مما يلقون من بني هاشم .

إلى بعض الأخبار الأخرى .

صفحة (421)
ـــــــــــــــــ


(1) الغيبة ص165.

(2) المصدر ص159.

(3) المصدر ص160.





والمقصود من (راية الحق) : دعوة المهدي (ع) العامة المتمثلة بالأطروحة العادلة الكاملة ،ونشرها أو رفعها: إعلانها في العالم .كما أن المقصود من لعنها : الغضب عليها والإشمئزاز منها من قبل أهل الشرق والغرب ، وهم أكثر سكان العالم ،ومن المؤكد أن يكون المقصود من بني هاشم و"أهل بيته" شيئاً واحداً ، سواء ذلك على المستوى الصريح أو الرمزي ، على ما سنعرف .

ويمكن تبرير هذا الإنطباع السيء بعدة مبررات :

وتنقسم هذه المبررات إلى قسمين ، ينطلق القسم الأول منها :من الفهم الصريح لبني هاشم وينطلق القسم الثاني منها من الفهم الرمزي له.

القسم الأول : أن نفهم من بني هاشم وأهل بيت المهدي (ع) ، عشيرته الخاصة المعينة المعروفة في التاريخ. فيكون المعنى الذي تعرب عنه الروايات :أن الناس سوف يسيئون الظن بالمهدي (ع) ، ودعوته بصفته فرداً من هذه العشيرة .وذلك للتجارب الفاشلة التي مرت بها هذه العشيرة خلال العصر السابق على الظهور .وذلك: تحت احد المبررات التالية :

المبرر الأول : إن الناس يلاقون من حكم بني هاشم في زمن الغيبة ظلماً وتعسفاً ، فيتخيلون أن المهدي (ع) بصفته فرداً منهم ، سوف يسيرعلى هذا النهج .

وقد مارس بنو هاشم الحكم خلال التاريخ في فترات مختلفة ... كالعباسيين والفاطميين والزيديين والسنوسيين وغيرهم . وقد مارس الأعم الأغلب منهم الحكم الظالم المتعسف المنحرف عن الدين الحق .

الوجه الثاني : إن الناس يلاقون من بني هاشم ، بصفتهم أفراداً في المجتمع المسلم ، انحرافات شخصية حادة، إلى حد تكون مضرة بالناس من مختلف المجتمعات ، فيتألمون منها ويضجون من سوئها .

وحيث أن المهدي (ع) من بني هاشم ، فربما خيل للناس ، وخاصة هو يمارس كثرة القتل انه عازم على السير على تلك السيرة ....ريثما ينكشف عالمياً الفرق الكبير بين الأسلوبين والإيديولوجيتين .



صفحة (422)


الوجه الثالث: إن الناس يلاقون من بني هاشم خلال العصر السابق على الظهور إعراضاً وإهمالاً متزايدين :

فإن الناس يمرون خلال عصر الغيبة ، بمختلف أشكال المظالم والمشاكل فقد يخطر في أذهان عدد منهم أن يرجعوا إلى بني هاشم في حل هذه المشاكل بصفتهم ممن يتوسم فيهم الصلاح والإصلاح ... فلا يجدون منهم إلا إعراضاً وإهمالاً وتهاوناً ، نتيجة لتسامح بني هاشم وتقوقعهم ، وخوفهم ، وخوفهم من الظروف القاسية ، والتدخل في الأمور العامة .

فيطبع ذلك في أذهان الناس انطباعاً سيئاً ، ويخلف هذا الموقف ظنهم بالهاشميين ... مع انهم قد يكونوا مضطرين إلى ترك العمل اضطراراً .

ومن الصحيح أن المهدي (ع) من بني هاشم ، غير أن شيئاً من هذه الوجوه الثلاثة لا ينطبق عليه ... بعد أن جاء ليغير الحكم الظالم إلى الحكم العادل ، والسلوك المنحرف إلى السلوك الصالح ،ولا معنى للخوف والإضطرار إلى ترك المصلحة العامة في دولته .

غير أن هذه المولقف سوف تتخذ في أول ظهور (راية الحق) وستتبدد الأوهام تدريجياً بمقدار اتضاح واتساع الإيديولوجية المهدوية عالمياً .

القسم الثاني : من المبررات ،وهو المنطلق من الفهم الرمزي لبني هاشم وآل البيت المهدي (ع)... حيث يكون تعبيراً عن جانب الدين والمتدينين في العصر السابق على الظهور .

وانطلاقاً من ذلك ، تكون المبررات إلى (لعن) راية الحق من قبل المنحرفين ... عديدة .

المبرر الأول :الإتجاه المادي العام الذي يشجب الحل الديني للمشاكل البشرية .ومن الواضح أن الأطروحة المهدوية (راية الحق) ، مهما اختلفت عن الإتجاهات الدينية السابقة عليها ، فإنها ذات منطلق ديني بطبيعة الحال، من حيث أنها تعترف بوجود الخالق ، وتلتزم بشريعته ، ومعها ستكون مشمولة للشجب المادي .

وسترتفع مبررات هذا المبرر المادي بالمفاهيم والدلائل التي يقيمها الإمام المهدي (ع) نفسه ،مضافاً إلى التطبيق المهدوي للأطروحة العادلة الكاملة التي تمثل أعلى شريعة إلهية وجدت بين البشر ... فيتضح ما تضمنه للبشر من سعادة ورفاه ، والفروق الأساسية الشاسعة بين الإتجاه الديني المهدوي ،والإتجاهات السابقة عليه .



صفحة (423)


المبرر الثاني : سوء الظن بالمتدينين عموماً ، بغض النظر عن الوجود النظر بالدين .

فإن هناك إتجاهاً عاماً في العالم اليوم ، موجوداً في مختلف الأديان والمذاهب يتضمن إساءة الظن بالأساليب والإتجاهات العامة التي يتخذها المتدينون ، وذلك باعتبار التجارب الكثيرة والمريرة التي عاناها الناس ممن ينتمون إلى الدين ،من حيث أن أكثرهم يستغل موقفه الديني في سبيل الربح الشخصي ، بل لو حتى لزم من ذلك الإضرار بالآخرين .لأن أمثال هؤلاء ينتمون إلى الدين اسمياً ولم يتشربوا بتعاليمه واقعياً ، فهم من المنحرفين الفاشلين في التمحيص الذين يمثلون جانب الظلم والجور في الأرض، مهما استطاعوا أن يغطوا قضيتهم بمختلف الأقنعة.

وقد عانى المسيحيون من الوجود الكنسي الممثل لهذا الإتجاه المنحرف ، كما عانى المسلمون بمختلف مذاهبهم كما عانى المسلمون بمختلف مذاهبهم من نماذج اخرى سائرة على هذا الطريق ،ولا يخلو هذا الطريق من السائرين في مختلف الأديان .

ومن هنا نشأت الفكرة عن كل ما يتبنى الإتجاه الديني .وحيث يكون المهدي ذا اتجاه ديني ، فهو مندرج في الشك العام ...غير ان هذا الشك سوف يتبخر بالتدرج ، بمقدار ما يفهمه العالم بالحس والوجدان من نفع النظام المهدوي للعالم وما يكفله له من السعادة والرفاه ،وما يبذله المهدي (ع) في سبيل الصالح العام من تضحيات ونكران ذات ،وما تؤكده الوقائع من الفوارق الشاسعة بين هذا الإتجاه الديني ،والإتجاهات السابقة عليه . المبرر الثالث: تشويه الفكرة المهدوية في العصر السابق على الظهور .

فانها شوهت في الافكار المنحرفة عدة تشويهات حادة ، قد يؤدي بعضها إلى الحقد على المهدي (ع) حتى بعد ظهوره.

والإتجاهات العامة لهذه التشويهات متعددة ، مادية وغير مادية .ولعل في الرجوع إلى هذه الموسوعة ما يساعد على رفع هذه التشويهات ،ولسنا الآن بصدد استعراضها جميعاً ،كل ما في الأمر أن ما يمكن أن يكون سبباً للحقد على المهدي حتى بعد ظهوره ، من هذه التشويهات ، هو ما يلي :

التشويه الأول :ان السيف المهدوي شديد الفعالية قوي النشاط ... يقتل الناس بلا حساب.

التشويه الثاني :أن الحكم المهدوي بصفته عادلاً ، سوف يكون حدياً وجدياً في تطبيق القانون وكبت الحرية الفردية ، إلى أكبر الحدود.



صفحة (424)






التشويه الثالث: أن النظام المهدوي بصفته ذات أيدولوجية معينة ، سوف يمنع عن حرية الإعتقاد والتعبيرعن الرأي ، لغيرالملتزمين بالأيدولوجية المهدوية الرسمية .

التشويه الرابع : أن الفكرة المهدوية بصفتها ذات اتجاه ديني ، فهي تمنع عن الإستفادة من التطور المدني والتكتيكي الحديث ، لأن الإتجاه الديني عموماً يمنع من ذلك .

ونحو ذلك من التشويهات ...

والتشويه الأخيركاذب تماماً، لأن الإتجاه الديني عموماً يحبذ استعمال نتائج التطور المدني ،لا أنه يمنع عنه. وقد كان ولا زال المتدينون عموماً يستعملون هذه النتائج . بدون أن يروا أي تناف بين إتجاههم الديني وهذا الإستعمال ،او أن يعتقدوا أي تحريم ديني لذلك .

وسنسمع في فصل آت ، المثيتات التاريخية الكافية ، لإستعمال المهدي (ع) نفسه لنتائج التطور المدني على أوسع نطاق في دولته ،مما يدل على مباركته لها وعدم ميله إلى المنع عنها .

وأما التشويهات الثلاثة الأولى ، فلها أصولها الصحيحة ،وإنما التشويه كامن في المبالغة منها وإساءة الظن بنتائجها .

ويكفينا الإلتفات إلى أمرين أساسين لدفع جانب التشويه في هذه الأمور الثلاثة :

الأمر الأول: أنه بعد البرهنة على أن النظام المهدوي نظام عادل كامل ، انه يمثل الغرض الأساسي لخلق البشرية عموماً في الحكمة الإلهية ،كما سبق أن برهنا .وسيأتي في الكتاب الآتي من هذه الموسوعة مزيد من البرهان ،والإيضاح لهذه الفكرة ،وأنه لا يمكن أن يتضمن هذا النظام أي ظلم أو حيف فردي أو اجتماعي من أي جهة من الجهات .

إذن ، فكل ما يتضمنه هذا النظام من فقرات ،من مفاهيم وقوانين ونظم هي ـ لا محالة ـ مطابقة للعدل الكامل الذي لا محيص للبشرية عنه وبالتالي لا يمكن للبشرية أن تعيش السعادة والرفاه والكمال تحت أي نظام أخر غيره.

فالمبالغة في تلك الأفكار أو إساءة الظن بنتائجها ، مما لا معنى له ، بعد أن كانت مطابقة للعدل ،وإذا كان في التطرف بتطبيقها شيء من السوء أو الظلم فإنه سيقتصر منها في مجال التطبيق ، على ما هو أوفق بالعدل ، وأقرب إلى المصلحة لا محالة.



صفحة (425)


الأمر الثاني : أنه بينما تسنح الفرصة للمرجفين والمشوهين ، للنشاط في الأيام الأولى من الظهور ، فإن هذه الفرصة لن تسنح لهم مرة أخرى ، بل سيقوم السيف باستئصالهم تمام، وسوف لن يبقى في العالم إلا المؤمنين بصدق المهدي (ع) وعدالة دعوته .

ولا ينبغي أن يتوجه العتب إلى السيف المهدوي بكثرة القتل من حيث كونه مسؤولاً عن تطبيق العدل الذي يتوقف على هذه الكثرة كما عرفنا .بل ينبغي أن يتوجه العتب إلى الأفراد المنحرفين أنفسهم ، في انهم أصبحوا بسوء تصرفهم وممارستهم أشكالاً من الظلم ، بشكل يتنافى وجودهم بكل أقوالهم وأفعالهم مع المجتمع الفاضل والنظام العادل ، فاستحقوا القتل بالسيف المهدوي الصارم.

هذا ، ولاينبغي أن ندخل في البراهين التفصيلية على الأصول الصحيحة لتلك (التشويهات) الثلاثة الأولى ، بعد كل الذي عرفناه فيما سبق من مثبتاتها التاريخية ، وما سوف يأتي في خضم البحث من مزيد القرائن عليها واحدة واحدة .

القسم الثالث: من العواطف والمواقف السلبية التي توجد ضد المهدي (ع) :ما يقوم به بعض الجماعات من مواجهته بالسلاح.

أخرج النعماني في الغيبة(1) عن يعقوب السراج ، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :

ثلاث عشرمدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه :أهل مكة ،وأهل المدينة ،وأهل الشام ،وبنو أمية ،وأهل البصرة ،وأهل دميان (دشت ميشان) ، والأكراد، والأعراب ، وضبة، وغنى ،وباهلة ، وأزد البصرة ،واهل الري.

وفي رواية مطولة أخرجها المجلسي في البحار(2) عن عبد الأعلى الحلبي عن أبي جعفر(ع) ، يقول فيها :

فيخرج إليه من كان بالكوفة من مرجئها وغيرهم من جيش السفياني فيقول لأصحابه :استطردوا لهم .ثم يقول: كروا عليهم .قال أبو جعفر : لا يجوز – والله – الخندق منهم مخبر ... الحديث .



صفحة (426)
ـــــــــــــــــ


(1) ص160

(2) ج13 ص179-180



ومنها ما سبق أن رويناه ،مما أخرجه المفيد في الإرشاد(1) عن أبي جعفر في حديث طويل أنه قال :

إذا قام القائم (ع)، سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر الف نفس يدعون البترية ،عليهم السلاح .فيقولون له : ارجع من حيث جئت ، فلا حاجة لنا في بني فاطمة ، فيضع فيهم السيف ، حتى يأتي على آخرهم

ثم يدخل الكوفة ، فيقتل بها كل منافق مرتاب ،ويهدم قصورها ، ويقتل مقاتليها ، حتى يرضى الله عز وعلا .

وأخرجه الطبرسي في أعلام الورى(2).

وأخرج النعماني(3) بإسناده عن ابي حمزة الثمالي ،قال :

سمعت ابا جعفر (ع) يقول : أن صاحب هذا الأمر لو قد ظهر ، لقي من الناس ما لقي رسول الله (ص) ، وأكثر

ومن ذلك الروايات الواردة في قتال السفياني ، بعد ارتداده وفسخه مبايعة المهدي (ع) ... وقد سمعناها فلا نعيد

وأقصى ماتعطينا هذه الروايات من المضمون العام ، هو أن المهدي (ع) سوف يواجه في العراق وغيره من المناطق الإسلامية ، حروباً مسلحة ومناوشات وقلاقل وهذا أمر راجح ،حتى لو لم نسمع شيئاً من هذه الروايات ،بعد أن نلتفت إلى أن أكثرية الأمة أصبحت فاشلة في التمحيص ، وعلى مستوى عصيان الأحكام الواضحة في الإسلام والمفاهيم القطعية فيه . كل من يواجهه بالحرب ، يكون غافلاً بطبيعة الحال عن ضمانات انتصاره التي ذكرناها ، إلى حد يظن بإمكان سيطرته على المهدي (ع) وجيشه ،أو على الأقل دفعه عن السيطرة على بلاده.


صفحة (427)
ـــــــــــــــــ


(1) ص343. (2) ص431.

(3) الغيبة ص159.





وأما التفاصيل التني تنطق بها هذه الروايات ، فلا يكاد يثبت شيء منها ،لأن كل واحد من الروايات غير ثابتة الصحة ،ولها مضامين غير ثابتة أيضاً ، فلاحاجة إلى الدخول في تفاصيلها .

نعم، الرواية الدالة على ان ثلاثة عشرة فئة تحارب المهدي (ع) تدل – بغض النظر عن التفاصيل – على امرين:

الأمر الأول :إن ما يوجهه المهدي (ع) من الحروب خاصة في منطقة الشرق الإسلامي خاصة .

الأمر الثاني : إن تلك الحروب محدودة بثلاث عشر وقعة ، أو نحوها ، إن لم يكن هذا الرقم للتحديد. وليست من الكثرة التي يتصورها في الفتح العالمي العام .

وكلا هذين الأمرين مما دلت الروايات الأخرى على صحته ، فتكون هذه الرواية مؤكدة لمضمونه ايضاً.

العواطف الإيجابية :

أخرج ابن ماجة(1) عن أبي سعيد الخدري :أن النبي (ص) قال:

يكون في امتي المهدي ... فتنعم فيه امتي نعمة لم ينعمه مثلها قط .

وأخرج ابن حجر(2) عن الروياني والطبراني – في حديث – قال :

يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجو .

وأخرج الحاكم(3) بإسناده عن ابي سعيد الخدري قال : قال النبي (ص): في حديث-:

يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض.... تتمنى الأحياء والأموات مما صنع الله عز وجل بأهل الأرض من خيره ،هذا حديث صحيح الإسناد ،ولم يخرجاه .


صفحة (428)
ـــــــــــــــــ


(1) السنن : ج2 ص1366

(2) ص98

(3) ج4 ص465



وأخرج النعماني(1) عن أم هانىء عن أبي جعفر محمد علي الباقر(ع) – في حديث – قال :

فإن ادركت ذلك الزمان قرت عيناك .

وأخرج بهذا المعنى حديثين آخرين(2) وبمؤاده حديث أخرجه الكليني في الكافي(3) .

وأخرج الشيخ في الغيبة(4) ، قال: قال رسول الله (ص) :

أبشركم بالمهدي ....إلى أن قال : يرضى عنه ساكن السماء و ساكن الأرض .

وفي حديث آخر(5) عن أبي وائل عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال :

ـ في حديث ـ يفرح لخروجه أهل السماء وسكانها ، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

إلى غير ذلك من الرويات.

والمراد بساكن السماء أحد أمرين :

الأمر الأول : سكنة الجو ، وهم الطيور .ومعنى رضاهم بما ينالهم من لذيذ الطعام وهنيء الماء في عصره، باعتبار عموم عدله ورفاهه.

إلا أن هذا المعنى تنافيه رواية واحدة مما سبق ، وهو قوله: يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجو . فإن مقتضى التعاطف هو التغير بين أهل السماء وبين الطير. فلا يمكن أن يكون أحدهما هو الآخر.

الأمر كالملائكة ، وهو سكنة السماء بحسب ظاهر الأدلة الواردة في الإسلام بل وفي غيره من الأديان الكبرى

فهم يفرحون ليوم تطبيق العدل الكامل على الأرض ، ويرضون عن قائده العظيم ... وقد عرفنا موقفهم تجاه المهدي (ع) من التأييد والنصرة ، بشكل واسع النطاق ... فيكون رضاهم عنه أمراً طبيعياً واضحاً ، ومنطلقاً

عن رضاء الله عزوجل .


صفحة (429)
ـــــــــــــــــ

(1) ص75.
(2) نفس الصفحة.

(3) نسخة مخطوطة. (4) ص111.

(5) ص116.



وقد يخطر في البال :إن ظاهر هذه الروايات كون الرضا المذكور فيها ناتجاً من قبل الفرد باعتبار استفادته وانتفاعه من حكم المهدي العادل ، وأما إذا لم يكن الفرد منتفعاً به ، فهو لا يكون مشمولاً لهذه لروايات .ومن الواضح أن الملائكة لا يمكن أن يكونوا مستفيدين بالمباشرة من العدل الأرضي .

وجواب ذلك : أنه من ضيق النظر افتراض أن الفرد لايفرح بشيء إلا إذا استفاد منه فائدة مباشرة . بل قد يفرح الفرد للخير الذي نال اسرته أو أصدقائه او مجتمعه او مجتمعاً يحبه ،وإن لم ينل منه شيئاً أصلاً.

ومعه ، فالملائكة يفرحون بنفوذ إرادة الله وتطبيق هدفه ،على أنه لادليل على عدم انتفاع الملائكة بشكل مباشر في دولة العدل الكامل ، فإن تأييدهم لها ولقائدها واعمالهم في مصلحتها ،كمال لهم لا محالة .

فهذه هي العواطف الإيجابية الخيرة التي ينالها المهدي (ع) ونظامه ،عند تطبيق العدل الكامل ، بعد أن تكون العواطف السلبية قد انتفت تماماً خلال الفتح العالمي.



صفحة (430)




مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 06:53 PM   #23
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل السادس

في مدة بقاء المهدي (ع) في الحكم



تمهيد :

ينفتح السؤال عن مدة حكم المهدي (ع) باعتبارين :

الإعتبارالأول: السؤال عن بقاء شخص الإمام المهدي (ع) في الحكم، بمعنى الإستفهام عن المدة المتخللة بين ظهوره ووفاته، أو بالأصح المدة بين استتباب الدولة العالمية، ووفاته ... بعد اليقين بأنه (ع) سوف يقضي أيام حياته كلها في الحكم.

الإعتبار الثاني : السؤال عن بقاء نظام المهدي (ع) ودولته ، ذلك النطام الذي يبقى بعد وفاته.

ويكون المراد الإستفهام عن أن دولة العدل العالمية هل هي باقية إلى نهاية البشرية ، أو لا .وهل أن يوم القيامة ونهاية البشرية يحدث بعد موت المهدي بقليل ،أو بكثير. وإذا كانت الحياة البشرية باقية مدة طويلة ، فهل تتحول الحياة إلى دولة ظالمة منحرفة ،تحدث بعد دولة الحق .أو تبقى دولة الحق والعدل باقية على يد الحكام العدول الأولياء الصالحين إلى يوم القيامة.

ومرادنا من هذا الفصل التحدث عن الإعتبار الأول ، مؤجلين الجواب عن مدة دولته ونظامه إلى الباب الأخير من هذا التاريخ .

ولا بد في صدد الحديث عن هذا الأمر أن يقع الحديث في عدة جهات:

الجهة الأولى : في مقتضى القواعد العامة والتخطيط الإلهي العام حول ذلك ، عرفنا فيما سبق أكثر من مرة مبرهناً ،بأن الله تعالى استهدف من خلق الخليقة إيجاد العبادة الخالصة في ربوعها ،وتطبيق العدل الكامل فيها.... وخطط لذلك تخطيطاً طويل الأمد لإيجاد شرائط هذا التطبيق، متمثلاً في التخطيط العام السابق على الظهور ،وخطط لإستمرار هذا التطبيق وحفظه من الإنحلال والزوال، متمثلاً بالتخطيط العام لما بعد الظهور ، ذلك التخطيط المنتج في خطه الطويل للمجتمع البشري المعصوم .



صفحة (431)


وقد عرفنا دورالإمام المهدي (ع) بشخصه في هذين التخطيطين ....فإنه يمثل نهاية التخطيط الأول، ونتيجته، وبداية التخطيط الثاني ونقطة انطلاقه .ويكون هو الرائد الأساسي الأول للتطبيق العالمي العادل الكامل.

وهذه الزيادة ،مع غض النظر عن أي شيء آخر ، تستدعي زماناً كافياً لتحصيل الغرض المقصود منها. إذ بدون ذلك يكون المهدي (ع) عاجزاً عن التطبيق العادل لقلة المدة ، فيكون الهدف الإلهي الأعلى منخرماً في نهاية المطاف. وهذا ما يستحيل تحققه .وقد برهنا على عدم قيام المعجزات في مثل هذا الطريق .

إذن فالضرورة قاضية ببقاء المهدي (ع) زماناً كافياً للتطبيق بشكل يكون قابلاً للبقاء والإستمرار بعده .فإذا التفتنا إلى التركات الثقيلة التي يخلفها عصر الغيبة الكبرى إلى زمن الظهور ،إلى حد أصبح المسلمون فيه على مستوى عصيان واضحات الإسلام والإستهزاء بأساس الدين ، فضلاً عن غير المسلمين ،ونظرنا إلى أحوالهم الأخلاقية والإقتصادية والنفسية والقانونية والإجتماعية المتدهورة إلى الحضيض ، عل ما نراه الأن جهاراً في وضح النهار.استطعنا ،عند ذلك ،أن نخمن الجهد العظيم الذي ينبغي أن يبذله المهدي(ع) في هذا العالم لكي يحوله من الجحيم إلى النعيم .

وهذا ما لا يتوفر بمجرد فتح العالم والإستيلاء عليه ، فإن الأراضي يومئذ وإن أصبحت إسلامية وتحت حكم الإسلام من الناحية الفقهية القانونية ،إلا أن تربية تلك المجتمعات أمراً أعقد بكثير من مجرد فتحها ، فإن الفتح إنما يكون مقدمة لتربيتها ، ولم يكن لأجل الأطماع أو مباشرة السلطة.

وإنما المهدي (ع) مسؤول عن ترسيخ العدل الكامل بشكل له قابلية البقاء والإستمرار في المدى البعيد ... وإن يوكل ذلك بعده إلى أيد أمينة مخلصة . ومعه فمدة بقائه بالحياة وبالتالي : بالحكم ، مدة مناسبة لإنتاج ذلك .

وإما إن هذا المقدار من السنين ،كم عدده بالتحديد؟ فهذا لا يمكن أن تسعفنا به القواعد العامة. بل ينبغي الفحص عنه في الأخبار الخاصة المتكفلة لبيان ذلك.



صفحة (432)


وينبغي أن لا نستغرب من أن يكون زمن هذه المدة قليلاً نسبياً ، فإن مهمته (ع) مما لا يمكن أن تقوم بها الأفراد والجماعات في قرن كامل. وحسبنا من هذا ان البشرية لم تقم بهذه المهمة في تاريخها الطويل ، على الإطلاق . ولكنه شخصياً لمدى قابلياته وعلومه والتوفيق الإلهي المحالف له بصفته المنفذ الأساسي للغرض الأعلى من البشرية ، ولمدى قابليات أصحابه الذين هم القواد والفقهاء والحكام،على ما سمعنا من الروايات ...

فيمكن أن تتصور أنه يقوم بتلك المهمة في زمن قصير نسبياً ، هو بالنسبة إلى غيره أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع ، ولكنه منه (ع) ليس ببعيد.

الجهة الثانية: في سرد الأخبار الدالة على مدة ملكه .

وهي أخبار كثيرة، ولكنها متضاربة في المضمون إلى حد كبير ، حتى أوقع كثيراً من المؤلفين في الحيرة والذهول .

وهذه الروايات على نوعين ،منها ما يدل على بقاء المهدي (ع) في الحكم عشر سنوات أو أقل. ومضمونها المشترك هو الأشهر في الروايات ،ومنها ما يدل على بقائه (ع) أكثرمن عشر سنين أو بكثير.

النوع الأول: ما دل من الروايات على بقاء المهدي (ع) في الحكم عشر سنوات فأقل ، وهو موجود في الأغلب، في المصادر العامة ، وبعض المصادر الخاصة .

أخرج أبو داود(1) بسنده إلى أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله (ص) : المهدي مني .إلى أن قال : ويملك سبع سنين .

وفي حديث آخر(2) عن ام سلمة عنه (ص) – يقول فيه - :

فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون . قال أبو داود: وقال بعضهم عن هشام : تسع سنين وقال بعضهم : سبع سنين .

وأخرج الترمذي (3) بسنده عن ابي سعيد الخدري عن النبي (ص) :

إن في امتي المهدي ، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً – زيد الشاك – قلنا : وما ذاك : قال : سنين ... الحديث .قال الترمذي :هذا حديث حسن .وقد روى من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي (ص) .


صفحة (433)
ـــــــــــــــــ


(1) السنن ج2 ص422.

(2) المصدر ج3 ص423.

(3) الجامع الصحيح ج3 ص343



وأخرجا بن ماجة (1) عن أبي سعيد الخدري ،أن النبي (ص) قال :

يكون في أمتي المهدي ،إن قصر فسبع ،وإلا فتسع ... الحديث .وأخرج الحاكم في المستدرك(2) بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) – في حديث – ذكر فيه المهدي ، فقال:

يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع الحديث .

وأخرج في الينابيع(3) عن كتاب (فضل الكوفة) لمحمد بن علي العلوي بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) :

يملك المهدي أمر الناس سبعاً أوعشراً .... الحديث.

وقد وردت الأخبار وأمثالها ، في سائر المصادر العامة التي تتحدث عن المهدي ،كمسند أحمد والحاوي للسيوطي والبيان للكنجي ومطالب السؤال لمحمد بن طلحة الشافعي، والفصول المهمة لأبن صباغ ونور الأبصار للصبان . وغيرها.

وأما من مصادر الإمامية ، فهذا النوع الأول من الأخبار قليل فيها :

أخرج الشيخ في الغيبة(4) بسنده عن عبد الكريم الخثعمي ، قال: قلت لأبي عبدالله (ع) : كم يملك القائم ؟ قال:

سبع سنين ، يكون سبعين سنة من سنيكم هذه.

النوع الثاني : الروايات التي تزيد على العشر سنوات في بيان مدة حكم القائم المهدي (ع) .


صفحة (434)
ـــــــــــــــــ


(1) السنن ج2 ص1367. (2) ج4ص465.

(3) المودة ط النجف. (4) ينابيع ص520.



أخرج القندوزي في الينابيع عن حذيفة بن اليمان ، قال: قال رسول الله (ص) :

المهدي رجل من ولدي ... إلى أن قال : يملك عشرين سنة .

قال: أخرجه الروياني والطبراني وأبو نعيم والديلمي في مسنده .

واخرج أيضاً(1) نقلاً عن كتاب فرائد السمطين عن أبي إمامة الباهلي ، قال:
قال رسول الله (ص) ـ في حديث ـ : المهدي من ولدي ... يملك عشرين سنة .


واخرج السيوطي في الحاوي(2) عن نعيم بن حماد عن أرطاة ، قال: يبقى المهدي أربعين عاماً.

واخرج عنه بقية بن الوليد ، قال: حياة المهدي ثلاثون سنة .

وأخرج عنه أيضاً عن دينار بن دينار ، قال: بقاء المهدي أربعون سنة .

وأخرج عن الزهري ، قال : يعيش المهدي أربع عشر سنة ،ثم يموت موتاً .

وأخرج عنه عن علي قال : يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة .ومن المصادر الإمامية: أخرج الشيخ في الغيبة(3) بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر (ع) – في حديث – قال : قلت: وكم يقوم القائم في عالمه ؟قال : تسع عشرة سنة... الحديث .

وأخرج النعماني (4) بسنده عن يونس بن رباط . قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة .أما إن ذلك إلى مدة قريبة وعاقبة طويلة .

حديثاً آخر بنفس المضمون.


صفحة (435)
ـــــــــــــــــ


(1) ص537. (2) ص155 وكذلك الخبار التي تليه .

(3) ص286. (4) ص153.



وأخرج أيضاً(1) بسنده عن ابن أبي يعفور ،قال :قا أبو عبد الله (ع):

ملك القائم منا تسع عشرة سنة وأشهر . ونحوه حديث آخر .

وأخرج الطبرسي في اعلام الورى(2) عن عبد الكريم الخثعمي ،قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : كم يملك القائم؟ قال: سبع سنين ، يطول له الأيام والليالي، حتى تكون السنة من سنيه مكان عشر سنين من سنيكم هذه. فيكون سني ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه ... الحديث .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(3) بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي بن ابي طالب (ع) قال:

قال رسول الله (ص) : في حديث طويل يتضمن كلاماً عن الله عز وجل يقول في آخره عن المهدي (ع) :

ولأنصرنه بجندي ولأمدنه بملائكتي ، حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ،ثم لأديمن ملكه ،ولا داولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة .

وأخرج الشيخ في الغيبة(4) بسنده عن أبي الجارود ،قال: قال أبو جعفر (ع) : إن القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين ،كما لبث أهل الكهف في كهفهم ، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ... الحديث



صفحة (436)
ـــــــــــــــــ


(1) ص181. (2) ص432.

(3) انظر المصدر المخطوط.

(4) ص283.


الجهة الثاالثة : في تمحيص هذه الأخبار:

توجد حول هذه الأخبار عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: أكثر الأخبار التي نقلناها عن السيوطي في النوع الثاني مروية عن غير المعصومين، كالزهري ودينار بن دينار. فلا تكون قابلة للإثبات التاريخي .

الملاحظة الثانية: إن مادل ّمن الأخبار على ان المدة طويلة بشكل غير محدد ،إنما هو تحديد لمدة دولة المهدي ونظامه ،لا لعمر شخص المهدي (ع) وحيانه كقوله :إلى مدة قريبة وعاقبة طويلة. وكقوله: ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة .ومعه تخرج هذه المضامين عن نطاق ما نحتاجه الآن في الإستدلال .

الملاحظة الثالثة: ما دل من هذا الأخبار على طول المدة بطريق إعجازي ،لايمكن الأخذ به لكونه مخالفاً لقانون المعجزات ، باعتبار أن توطيد العدل لا يتوقف على مثل هذه المعجزة .

وقد نقلنا بهذا المضمون حديثين يدلان على أن المهدي (ع) يعيش سبع سنين تكون كسبعين سنة.

ومعه فلا يمكن العمل بهذه الأخبار . ما لم يكن حمله على معنى رمزي سوف نشير إليه بعد ذلك.

الملاحظة الرابعة: ما كان من الأخبار منفرداً في مضمونه ،ولا دليل على صحته ، ولا قرينة أخرى مؤيدة لمضمونه ... لابد من اعتباره غير قابل للإثبات التاريخي ، في حدود منهجنا من هذ الكتاب.

يندرج في ذلك الخبر القائل بأنه (ع) يبقى في الحكم ثلاثمائة وتسع سنين.

الملاحظة الخامسة : يصفو لنا بعد هذا التمحيص أقسام ثلاثة من الروايات:

القسم الأول: أكثر روايات النوع الأول ، وهي التي تردد احتمال مدة حكم المهدي (ع) بين خمسة أعوام وسبعة وتسعة وعشرة .

القسم الثاني: ما دل من الأخبارعلى بقاء حكم المهدي تسع عشرة سنة ،فإنها روايات ثلاث متعاضدة ، في بعضها : تسع عشرة سنة وأشهر.

القسم الثالث: ما دل من الأخبار على بقائه عشرين سنة ،فإن فيه خبرين روتهما عدد من المصادر العامة كما سمعن.

وإذا أمكن إرجاع التسعة عشر والعشرين إلى مدة تقريبية واحدة ،كما هو الأرجح، كان القسمان الأخيران قسماً واحداً تدل على صحته خمس روايات .



صفحة (437)


ومعه يكون التحديد بين مدتين تقريبيتين ، إحداهما: بين الخمس والعشر .والأخرى بين التسع عشرة والعشرين.

هذا ،ولا يبعد أن تكون المدة التقريبية الأولى أقرب إلى الصحة باعتبارها الأشهر بين الروايات .على أن الأمر ليس ذا اهمية بالغة ، بعد الإطلاع على المفهوم العام الذي عرفناه في الجهة الأولى ،والتي لا تعدو هذه الأخبار أن تكون مصاديق له ومن تطبيقاته .

الجهة الرابعة : أنه بعد التمحيص الذي قلناه ،لاحاجة لنا إلى الأخذ بأقوال الأخرين ،في تمحيص هذه الأخبار، ولكن يحسن بنا في هذا الصدد أن نحمل فكرة عن الإتجاهات الرئيسية حول ذلك. وتتلخص في اتجاهين :

الإتجاه الأول: إتجاه الأخذ بالجانب المشهور من الروايات ، وهو الذي رجحناه .

وقد اختار السيد (الصدر) في كتاب المهدي(1) على ما في ظاهر عبارته ، بعد الذهاب إلى أن السبع سنين هو الأشهر.

وهو الذي ذهبت إليه أيضاً : أبو الحسن الآبري ، حين قال: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (ص) بخروجه ،وأنه من أهل بيته ،وأنه يملك سبع سنين...الخ(2) .

أقول: ولاشك أن الروايات الواردة حول قضية المهدي (ع) متواترة ، بل تفوق التواتر بكثير ... حتى أن أكثر من(حقل) من حقولها يمكن أن يكون متواتراً بحياله ،إلا أن أخبار بقائه في الحكم سبع سنين بالتعيين لاتصل إلى حد التواتر، على أنها معارضة بروايات عديدة تعطي أرقاماً أخرى غير السبع ... كما سمعنا .

وهذا الإتجاه هو الذي اختاره ابن عربي في الفتوحات(3) حيث قال : أعلم أيدنا الله أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً ... إلى أن قال: يعيش خمساً أو سبعاً أو تسع، يقفو أثر رسول الله (ص) لايخطىء ... الخ كلامه.


صفحة (438)
ـــــــــــــــــ


(1) ص 234.

(2) أنظر الصواعق المحرقة لأبن حجر ص99.

(3) ص327 ج3.



الإتجاه الثاني: قول من يذهب إلى قبول كل الروايات ، مع الإلتزام بأنها تعرب عن مراحل متعددة من حياة المهدي وحكمه بعد ظهوره.

وهذا ما ذهب إليه جماعة منهم : السفاريني في لوائح الأنوار البهية ، حيث يقول(1): ويمكن الجمع – على تقدير صحة الكل – بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة ، فيحمل الأكثر باعتبار جميع مدة الملك ، منذ البيعة، والأقل على غاية الظهور ، والأوسط على الأوسط .

أقول: وهذا يعني أن المهدي (ع) يبقى فاشلاً سنوات طويلة .فإننا لو عطفنا رواية الخمس سنوات على رواية الأربعين عاماً ... أنتج أن المهدي يعيش خمساً وثلاثين عاماً من الفشل. وأما لو أخذنا برواية الثلاثمائة والتسع سنين ،كانت مدة الفشل أكبر أن تقاس بمدة الحكم والسيطرة ،وهذا لامعنى له تماماً في المهدي الموعود المطبق للغرض إلا على من خلق البشرية .

ونقله في الإشاعة(2) عن ابن حجر في القول المختصر. وذكر تأييد ذلك بعدة أمور نذكر منها ثلاثة :

الأمرالأول: أن اللائق بكرم الله تعالى ان يكون مدة العدل ، قدر ما ينسون فيه الظلم والفتن ،والسبع والتسع أقل من ذلك.

الأمر الثاني : أنه (ع) يفتح الدنيا كلها ، كما فتحها ذو القرنين وسليمان ،ويدخل جميع الآفاق ،كمافي بعض الروايات ،ويبني المساجد في سائر البلدان ،ويجلي بيت المقدس ،ولا شك أن مدة التسع فما دونها ،لايمكن أن يساح فيها ربع أو خمس المعمورة فضلاً عن الجهاد وتجهيز العساكر وترتيب الجيوش وبناء المساجد وغيرها.

الأمر الثالث: أنه ورد أن الأعمار تطول في زمنه ،كما في سيرته ،وطولها فيه مستلزم لطوله .وإلا لا يكون طولها في زمنه.


صفحة (439)
ـــــــــــــــــ


(1) ج2 ص72

(2) ص105 وما بعدها .



ويحسن بنا أن نناقش هذه الأمور الثلاثة مختصراً .

أما الأمر الأول : فهو صحيح والتفات لطيف ، غير انه لا يعود إلى شخص المهدي (ع) بل إلى بقاء نظامه ودولته .وسيأتي في الباب التالي أن مجرد نسيان الأمة للظلم والجور غير كاف في الإيمان بطول مدة الدولة المهدوية ، وإن كان في نفسه أمراً صحيحاً ، بل هناك فكرة نظرية سنعرضها بعد ذلك تقتضي الإلتزام بطولة مدة هذه الدولة أكثر من ذلك بكثير.

وأما الأمر الثاني: فقد عرفنا فيما سبق أنه منطقي جداً بالنسبة إلى تصورات الحرب بالأسلوب القديم ، وليس منطقياً أصلاً من خلال تصورات الحرب الحديثة ،وضمانات انتصار المهدي (ع).

وينبغي أن نلتفت إلى أن المهدي سيفتح الدنيا أكثر مما فتحها ذو القرنين وسليمان .فإن ملك ذي القرنين يمثل(شريطاً) على الأرض يبدأ باليونان وينتهي بجنوب شرق آسيا .وأما ملك سليمان فهو لا يعدو فلسطين نفسها، فإنه وحد بين دولتي اليهود: إسرائيل ويهودا ،وحكمهما بشريعة إلهية صحيحة ، ولم يخرج ملكه عن هذا النطاق .وأما المهدي (ع) فقد تم البرهان على أنه يحكم الدنيا كلها ، وتدخل البشرية كلها تحت سيطرته.

وأما الأمرالثالث: فهو أيضاً راجع إلى زمن نظامه ودولته لا إلى زمن حياته الشخصية ،فإن طول الأعمار ناتج عن الراحة والإطمئنان النفسي الناتج عن جو العدل العالمي والأخوة البشرية الكاملة. وقد عرفنا وسنعرف أن النظام العادل غير منحصر في زمن المهدي (ع) بل سيبقى بعده إلى نهاية البشرية .

إذن ، فهذه الأمور لا تصلح دليل على طول عمر المهدي (ع) بشخصه بعد أن عرفنا ان مهمته الشخصية تاسيس المجتمع البشري القابل للبقاء والتكامل إلى البشرية ، وهذا ما يحدث ، ضمن امكانياته ، في زمن قصير، يمكن أن يكون خمس أو سبع أو تسع سنين .


صفحة (440)




الباب الثالث

التطبيق الإسلامي المهدوي

أو

الدولة المهدوية العالمية

ويتضمن هذا الباب عدة فصول:




الفصل الأول

مجيء المهدي (ع) بأمر جديد وكتاب جديد



وهو ما نطقت به روايات عديدة ،ومما يمثل الجزء الأساسي من الأيدولوجية العامة لدولة المهدي عليه السلام. ومن هنا ينبغي أن يقع الحديث عن ذلك ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الدالة على ذلك:

وهي مما اختصت به المصادر الإمامية فيما نعلم .

أخرج النعماني(1) بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنه قال: لا بد لنا ... إلى أن قال : لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد ...الحديث.

وأخرج أيضاً (2) بسنده إلى أبي حمزة الثمالى ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام ، يقول:

لو قد خرج قائم آل محمد بن (ع) ... إلى أن قال: يقوم بأمر جديد وسنة جديدة ،وقضاء جديد على العرب شديد.

وأخرج أيضاً(3) عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) ، قال: يقوم القائم في وتر من السنين ...إلى أن قال: فوالله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد (شديد) وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء .



صفحة (443)
ـــــــــــــــــ


(1) الغيبة ص 102.

(2) المصدر ص122 وما بعدها.

(3) المصدر ص139.



وأخرج المجلسي في البحار(1) عن النعماني بسنده عن كامل عن أبي جعفر (ع) أنه قال:

إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله ، وأن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء.

وأخرج (2) أيضاً عنه بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع) أنه قال:

الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء . فقلت : اشرح لي هذا الأمر أصلحك الله .فقال : يستأنف الداعي الداعي منا دعاءً جديداً ، كما دعا رسول الله (ص) إلى غير ذلك من الأخبار .

وهذه الأخبار بحسب اعدادها كافية للإثبات التاريخي .وهي تعطي عدة عناوين : الأمر الجديد والسنة الجديدة والقضاء والسلطان الجديد والدعاء الجديد .وليس فيها أنه يدعو إلى دين جديد .كماهو المشهور على بعض الألسنة.

الجهة الثانية: في محاولة إيجاد فهم عام لهذه الأخبار ، بشكل يكون مرتبطاً بالتخطيط العام .

إننا إذا لاحظنا الأحكام الإسلامية في عصر الغيبة، وهو عصر يبعد عن مصدر التشريع الإسلامي ، وأخذنا بنظر الإعتبار من حيث وجودها النظري والتطبيقي ، نجد فيها أربعة موارد من النقص والقصور.

المورد الأول: الأحكام الإسلامية التي لم تعلن للناس أصل، بل بقيت معرفتها خاصة بالله ورسوله والقادة الإسلاميين.

فإن الأحكام التي اوصلها الله تعالى إلى البشر بواسطة الرسول (ص) ، وعرفها قادة الإسلام ... منها: ما أعلن بين الناس لكي يكون مدار عملهم وفقههم لفترة معينة .

ومنها: أحكام بقيت مستورة عن الناس ومؤجل إعلانها إلى زمن ظهور المهدي وتطبيق العدل الكامل .


صفحة (444)
ـــــــــــــــــ


(1) ج13 ص194

(2) المصدروالصفحة .



وأوضح دليل على هذا الإنقسام :أننا نجد بالوجدان أن عدداً مهماً من الأحكام لم يكن في الإمكان أن يصدر في صدر الإسلام وزمن القادة الإسلاميين الأوائل لعدم معرفة المجتمع بموضوعها بالمرة، وعدم مناسبتها مع المستوى الفكري والثقافي له .... كحكم ركوب الطائرة واستعمال القنابل وحكم زرع القلب وغير ذلك.

ومعه ، فالضرورة مقتضية لتأجيل بيان هذه الأحكام وإعلانها إلى ما بعد معرفة المجتمع بموضوعاتها ،وهذا لا يكون مع البعد عن مصدر التشريع بطبيعة الحال ،وإنما تعلن عند اتصال البشرية مرة ثانية بهذا المصدر متمثلاً بالإمام المهدي (ع).

المورد الثاني: الأحكام التالفة على مر الزمن ،والسنة المندرسة خلال الأجيال ، مما يتضمن أحكام الإسلام ومفاهيمه أو يدل عليها .

فإن ما تلف من الكتب التي تحمل الثقافات الإسلامية على اختلافها ، بما فيها أعداد كبيرة من السنة الشريفة والفقه الإسلامي، نتيجة للحروب الكبرى في تاريخ الواقعة ضد المنطقة الإسلامية ،كالحروب الصليبية وغزوات التتار والمغول وغير ذلك ... عدد ضخم من الكتب يعد بمئات الآلآف ، مما أوجب انقطاع الأمة الإسلامية عن عدد مهم من تاريخها وتراثها الإسلامي ،واحتجاب عدد من الأحكام الإسلامية عنها .

المورد الثالث: أن الفقهاء حين وجدوا أنفسهم محجوبين عن الأحكام الإسلامية الواقعية في كثير من الأمور المستجدة ،والوقائع الطارئة على مر الزمن ... اضطروا إلى التمسك بقواعد إسلامية عامة معينة تشمل بعمومها مثل هذه الوقائع .... وهي قواعد إسلامية صحيحة تنقذ الفرد عند جهله بالحكم وتعين له الوظيفة الشرعية إلا أن نتيجتها في كل واقعة ليست هي الحكم الإسلامي الواقعي أوالأصلي في تلك الواقعة ،وإنما هو ما يسمى بالحكم الظاهري ،وهو يعني ما قلناه من تحديد الوظيفة الشرعية للمكلف عند جهله بالحكم الواقعي الأصلي.

وهذا النوع من الأحكام الظاهرية أصبح بعد الإنقطاع عن عصر التشريع وإلى الآن مستوعباً لأكثر مسائل الفقه أم كلها تقريباً ما عدا الأحكام الواضحة الثبوت في الإسلام.

والفتاوى التي يعطيها الفقهاء في مؤلفاتهم .وإن لم تكشف عن هذا المعنى بصراحة ،وإنما نراهم يعطون الفتوى عادة بشكل قطعي ،مشابه لإعطائهم الفتوى بالحكم الواقعي الأصلي ،إلا أن مرادهم بقطعية الحكم: قطعية الحكم الظاهري .أي : أن هذه الفتوى هي غاية تكليف المكلفين في عصر الإحتجاب عن عصر التشريع. وهي الفتوى التي تضمن إطاعة الله تعالى وتفريغ ذمة المكلف باليقين . وهذا أمر صحيح إلا أنه لا يعني بحال أن تكون تلك الفتوى هي الحكم الإسلامي الواقعي.

صفحة (445)


وهذا واضح لكل فقيه إسلامي، على مختلف المذاهب الإسلامية ، ولا مجال في هذا التاريخ إلى الإفاضة في ذلك أكثرمن هذا المقدار.

المورد الرابع : الأحكام غير المطبقة في المجتمع المسلم ، بالرغم من وضوحها وثبوتها إسلامياً .سواء في ذلك الأحكام الشخصية العائدة إلى الأفراد أو العامة العائدة إلى تكوين المجتمع والدولة الإسلامية .حيث قلنا أن الفشل في التمحيص الإلهي يوجب خروج أكثر الأفراد عن أحكام الإسلام الواضحة وضروريات الدين .

الجهة الثالثة:أنه بالرغم من وجود هذه الجهات من النقص والقصور في الأحكام الإسلامية خلال عصر الإنفصال عن عصر التشريع .

فإننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1) وأشرنا في اول هذا التاريخ ،أن مرور زمن الغيبة الطويل، يكون مساعداً على رفع المستوى الفكري للأمة الإسلامية من نواحي عديدة ، مما يجعلها على مستوى فهم الأحكام الجديدة والعمق الجديد لعصر ما بعد الظهور . وهذا مستوى ضروري للأمة بل للبشرية كلها لكي تكون قابلة للتربية إلى المستوى اللائق بها المستهدف للإمام المهدي عليه السلام .

وقد ذكرنا أن المستوى الفكري للأمة خلال عصر الغيبة يتعمق من عدة جهات:

الجهة الأولى: تعمق المفاهيم والتصورات الإسلامية عن الكون والحياة ، في ذهن المسلمين عامة ،والمفكرين الإسلاميين خاصة.

الجهة الثانية: تعمق الفهم القانوني والفقهي عند المسلمين ، باعتبار ما تستجد من وقائع من ناحية ،ومن طرق الإستدلال من ناحية أخرى.

والفقه، وإن كان قائماً في الأعم الأغلب عل مستوى الحكم الظاهري كما قلنا .ولا يعني عمقه انكشاف الواقع للفقيه ... إلا أن طريقة استنساخ الحكم وفهمه ، تكون أعمق وأشمل لا محالة .

الجهة الثالثة : الإطلاع على آراء وفلسفات الآخرين ، من مختلف التيارات الفكرية ، مع التعمق التدريجي في نقدها ومناقشتها .



صفحة (446)
ـــــــــــــــــ


(1)انظر ص287 وص 391 منه.


الجهة الرابعة : التعود بعمق على حمل الهموم العامة والإطلاع على اخبار الناس والتجاوب مع أحداث العالم ، هذا التعود الذي لو اصبح موجهاً توجيهاً إسلامياً لكان اهتماماً بأمور المسلمين وحملاً لهموم الأمة الإسلامية وبالتالي البشرية ... كما هو اللازم على كل مسلم.

الجهة الخامسة : تعمق الفكر الكوني من الناحية العلمية ،كالطب والفيزياء والكيمياء والفلك وغير ذلك.

وكل هذه الجهات يكون طول المدة وكثرة البحث والتدقيق فيها موجباً لتطورها وتكاملها .حتى ما إذا وصلت الأمة إلى مستوى معين فيها ،كانت الأمة يومئذ قابلة لفهم العمق الحقيقي للمستوى الفكري الذي يقوم عليه نظام الإمام المهدي (ع) بعد الظهور.

الجهة الرابعة من هذا الفصل: ان المجتمع المسلم بشكل عام حين يصل الى المستوى اللائق المطلوب في تخطيط العام ، يكون في امكان الامام المهدي(ع) - بكل سهولة – إكمال تلك النواقص التي أشرنا إليها ، وسيكون له تجاه كل نقص موقف معين ، في حدود فهمنا في الوقت الحاضر:

الموقف الأول: موقفه من الأحكام غير المبلغة:

وهو واضح كل الوضوح ، فإن الأمة بعد بلوغها المستوى لفهم الأحكام الدقيقة المفصلة ....بعد أن كان الإمام المهدي (ع) هو الوريث الوحيد من البشر أجمعين لتلك الأحكام غير المعلنة ، يرويها – بحسب الفهم الإمامي - عن آبائه عن رسول الله (ص) عن الله جل جلاله ..إذن يكون الوقت قد أزف لإعلان تلك الأحكام لتشارك في البناء العالمي العادل الكامل ضمن التخطيط العام الجديد لما بعد الظهور .

هذا بحسب الفهم الإمامي للفكرة المهدوية. وأما بحسب الفهم الآخر لها لدى المسلمين الأخرين ، وهو أن المهدي شخص يولد في زمانه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ... فمثل هذا الشخص يكون حاله حال سائر الناس في اختفاء الأحكام غير المبلغة عنه . وليست له أية وسيلة للعلم بها بشكل طبيعي ، لا بنحو الرواية ولا بغيرها.

كل ما نستطيع أن نتصوره له ، هو أنه يمثل القمة العليا في الفهم الإسلامي المعاصر له ، ذلك الفهم الذي علمنا أنه يحتوي – على عمقه وسعته – كل تلك النقائص التي سمعناها . فكيف يستطيع أن يملأ هذه الفجوات ؟!..



صفحة (447)



وأما القول : بأن علم المهدي بهذه الأحكام يكون بطريق إعجازي ، كالإلهام ونحوه ،كما ذكر ابن عربي في الفتوحات(1) فهو غير صحيح لأمرين:

الأمر الأول: إن هذا يتضمن معنى النبوة ، فإننا نعني بالنبوة نقل لأحكام من الله تعالى بلا واسطة بشر،وهذا المعنى يكون ثابتاً للمهدي. مع العلم لأنه لم يدع أحد أنه نبي ،ولا يجوز ذلك في شرعة الإسلام .

الأمر الثاني: إن هذه المعجزة منافية مع قانون المعجزات لعدم انحصار إقامة العدل بها ، لوضوح إمكان إبدالها بالفهم الإمامي للمهدي ليكون نقل الأحكام عن طريق الرواية بشكل (طبيعي).

وأما ما أثبتناه في التاريخ السابق(2) من وجود الإلهام ، فهو لامحالة وخاص بالأساليب القيادية التي تمت إلى الوقائع الخاصة ونحوها بصلة ، لا إلى الأحكام الأصلية في الدين .

فإذا كان ما أثبتناه للإمام في التاريخ السابق(3) من وجود الإلهام ، فهو لا محالة ، خاص بالأساليب القيادية التي تمت في الوقائع الخاصة ونحوها بصلة ، لا إلى الأحكام الأصلية في الدين .

فإذا كان من المقدر ان يكون الحكم المعين الجديد المعلن في دولة العدل العالمية المهدوية حكماً أصلياً وثابت، شأنه شأن وجوب الصلاة أو حرمة السرقة ، فمثل هذا الحكم لا يمكن أن يتلقاه المهدي (ع) مباشرة من الله عز وجل بالإلهام، وإلا ثبتت له مرتبة النبوة والرسالة ، المنفية عنه بالضرورة ،وإنما يكون ذلك بالرواية فقط. ويكون الإلهام مساعداً له فيما دون ذلك من الأشياء من خصائص القيادة العالمية.

الموقف الثاني: موقف المهدي (ع) من الأحكام التالفة.

وهو أيضاً واضح جداً ،فإن المفروض أن هذه الأحكام كانت معلنة في صدر الإسلام ، فهي لا تحتاج في فهمها الى العمق الجديد في التفكير، وإنما كان فقط ، تحتاج المحافظة عليها وعدم إتلافها ،إلى مستوى معين من القدرة الدفاعية والشعور المسؤولية لدى المسلمين ، الأمر الذي كان مفقوداً خلال أجيال المسلمين التي فقدت هذه الأحكام .

والمهدي (ع) – بالفهم الإسلامي ـ يكون عارفاً بهذه الأحكام عن طريقين :

الطريق الأول : الرواية عن آبائه عن رسول الله (ص)عن الله عز وجل.

الطريق الثاني : معاصرة هذه الأحكام قبل تلفها ، حين كانت معلنة ومعروفة.


صفحة (448)
ـــــــــــــــــ


(1) انظر الفتوحات المكية .ج3 ص327 وما بعدها .

(2) تاريخ الغيبة الكبرى ص505.



وقد جاءت أجيال جديدة بعد تلف تلك الأحكام غير مسبوقة بمضمونها ولا عارفة بحقيقتها ... ولكن المهدي (ع) وحده هو الذي كان معاصراً لتلك الأحكام ،وبقي حياً إلى حين ظهوره ،فهو معهود بمضمون تلك الأحكام بالمباشرة ، فيمكنه إعلانها من جديد بعد الظهور .

الموقف الثالث : موقفه من الأحكام الظاهرية.

وهو موقف واضح أيضا . بعد الذي عرفناه من أن الأحكام الظاهرية ، تعني تعيين تكليف الإنسان من الناحية الإسلامية ووظيفته في الحياة عند الجهل بالحكم الواقعي، ذلك الجهل الناشىء من البعد عن عنصر التشريع .

واما إذا كان الفرد مطلعاً على الحكم الإسلامي الواقعي ، فيحرم عليه العمل بالحكم الظاهري .والمهدي يعلن الأحكام الواقعية الإسلامية بأنفسها "يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ،ما لو كان رسول الله (ص) لحكم به " على ما قال ابن عربي في الفتوحات.

وأما عند الإمامية ، فالمهدي (ع) هم إمامهم الثاني عشر، والأئمة المعصومون الإثنا عشرعليهم السلام ككل، بمن فيهم المهدي نفسه ،هم مصادر التشريع، يمثل قولهم وفعلهم القسم الأكبر من السنة في الإسلام، فيكون الحكم الذي يعلنه المهدي (ع) حكماً واقعياً بطبيعة الحال.

نعم ، يبقى العمل بالأحكام الظاهرية موجوداً في الموارد الجزئية التي قد يشك فيها المكلف أو يجهلها من وقائع حياته ،ومعه فالحكم الظاهري سوف يرتفع في التشريع الأصلي ويبقى في بعض التطبيقات الجزئية .

الموقف الرابع :موقفه من النقص الرابع ،وهو عدم وصول بعض الأحكام الإسلامية إلى مستوى التطبيق في عصر ما قبل الظهور.

يقوم المهدي (ع) بنفسه بتطبيق الأحكام العامة ، فيؤسس الدولة العالمية العادلة الكاملة ،ويقوم برئاستها وإدارة شؤونا وتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة ،بمستواها العميق الجديد ، فيها .

وأما الأحكام الخاصة التي تمت إلى الأفراد بصلة ، فيقتل كل عصاتها ،ولا يبقى إلا ذاك الإنسان الذي يكون على استعداد لإطاعة الحكم العادل وتقديمه على كل مصالحه الشخصية الضيقة .



صفحة (449)


فهذه أربعة مواقف للإمام المهدي يتم فيها تغطية كل النواقص التي كان يعانيها الإسلام والمسلمون خلال العصر السابق على الظهور .

الجهة الخامسة: أنه بعد أن اتضح كل ما قلناه، نعرف بكل جلاء ، ما هو المراد مما ورد من ان الإمام المهدي يأتي بأمر جديد وسلطان جديد .

ويحسن بنا أن نتكلم عن كل فقرة من هذه الفقرات ، في نقطة:

النقطة الأولى: يراد بالسلطان الجديد ، الأسلوب الجديد في إدارة الدولة وشؤون المجتمع ...ذلك الأسلوب الذي كان مشروعاً في الإسلام .ولكن البشرية لم تجد تطبيقه الصحيح لا في الخلافة الأموية ولا العباسية ولا ما بعدهما من دول ومجتمعات ، لأنها تختلف عن الأسلوب الإسلامي الصحيح اختلافاً جوهرياً في وسائلها و غاياتها.

فالمهدي (ع) يقوم بتطبيق هذا الأسلوب تطبيقاً كاملاً ،مع التطويرات الجديدة التي يرى إجراءها عليه خلال سلطانه الجديد .

النقطة الثانية : يراد بالأمر الجديد ، أحد معاني محتملة :

الأول: الأمر بمعنى الطلب ، الذي يجمع على (أوامر) ، أي التشريع والحكم .

فيكون المراد الإشارة إلى ما سيعلنه الإمام المهدي من أحكام جديدة في دولته ، لم تكن معروفة قبل ظهوره .

الثاني : الأمر بمعنى العقيدة أو الإتجاه الفكري ،وقد ورد بهذا المعنى في عدد من الروايات .

ويكون المراد الإشارة إلى المستوى الفكري والعقائدي العميق الجديد الذي يعلنه المهدي (ع) في دولته.

الثالث: الأمر بمعنى الإمارة أو الإمامة أو الخلافة ،ما شئت فعبر... وقد ورد بهذا المعنى في عدد من الروايات أيضاً.

ويكون المراد منه ما يشبه فكرة السلطان الجديد .غير أن السلطان بحسب معناه العرفي شامل للقوانين العامة،على حين أن الإمارة وصف لشخص الأمير ومن المعلوم ان إمارة المهدي شكل جديد من الإمارة غير ما سبق ، حتى في حياة النبي(ص) لوجود عدة فروق بين دولة النبي(ص) ودولة المهدي (ع) .

فإن النبي (ص) سار مع المنحرفين والمنافقين بالملاينة ، والمهدي (ع) يسير معهم بالقتل .



صفحة (450)


والنبي(ص) أجّل إعلان بعض الأحكام الواقعية، والإمام المهدي (ع) سيعرض الأحكام كلها والنبي(ص) مارس الحكم على رقعة محدودة من الأرض في حين ان الإمام المهدي يحكم كل المعمورة ، إلى غير ذلك من الفروق التي حملنا عنها فكرة كافية.

ويكفينا في التجديد بالإمارة ،أن تكون دولة المهدي (ع) عالمية ، في حين لم تكن الدولة لأي إنسان آخر في التاريخ عالمية.

النقطة الثالثة : يراد بالدعاء الجديد أحد أمرين:

الأول: الدعاء إلى شيء جديد ،وهو المفاهيم والأحكام التي يدعو إليها المهدي (ع) بعد ظهوره .

الثاني:أن يكون الدعاء بنفسه جديداً ، كما هو ظاهر في التعبير فعلاً ... وكما هو مقتضى التشبيه بدعاء رسول الله (ص)، كما سمعنا من بعض الروايات . فإنه دعاء جديد لم يعهد مثله قبله ، والمراد بالدعاء الإرشاد والدعوة إلى الحق والعدل .وهو مشابه للنبي (ص) من حيث إخلاصه في أسلوبه وحريته في بيانه وعدالته في مضمونه .ورجوعهما معاً إلى مركز فكري واحد.

النقطة الرابعة : ما يحتمل أن يراد من (الكتاب الجديد) بحسب التصور الأولي . عدة أمور:

الأمر الأول: أن يراد به قرآن جديد ياتي على المهدي (ع) ، في مقابل القرآن الكريم ، معجزة الإسلام الخالدة.
وهذا باطل بالقطع واليقين ، للضرورة القاضية بأن الدين الذي يلتزمه الإمام المهدي (ع) هو دين الإسلام ،وأنه يسيرعلى كتاب الله وسنة رسوله ،ولم يشك أحد من المسلمين على اختلاف مذاهبهم .وقد تواترت بذلك الروايات ،واقتضاه التخطيط الإلهي العام ، كماسبق أن ذكرنا وبرهنا .


وإذا أتى بقرآن جديد ، فمعناه نسخة للقرآن الكريم ،وخروجه على الإسلام .

وهذا بخلاف هذه الأدلة القطعية الضرورية .وعلى أي حال ،فمن القطعي أنه لا يأتي مستقلاً ولا بآية جديدة واحدة ، فضلاً عن كتاب كامل .

الأمر الثاني : أن يراد من ذلك : أن المهدي يعيد القرآن إلى شكله الذي كان عليه في زمن رسول الله (ص). وهو شكل غير معهود للمجتمع المسلم قبل الظهور ، ومن هنا كان موصوفاً بكونه كتاباً جديداً .

صفحة (451)



وتكون اشكال التغيير المحتملة في القرآنالكريم عديدة ، فإن صحت أو صح بعضها كان هذا الأمر الثاني صحيحاً ،وإن بطلت كلها كان هذا الأمر باطلاً.

الشكل الأول: أن يبرز القرآن الكريم مع زيادات في الآيات ، لم تكن معروفة قبل الظهور.

وهذا الشكل من الإفتراض مبني على تصحيح ما ورد في بعض الروايات أن القرآن كان يحتوي على بعض الآيات في زمن رسول الله (ص) وقد حذفت بعد وفاته .فإنه لو صح ذلك ،كان صدق هذا الإفتراض ضرورياً لأن أولى من يعيد الآيات إلى وضعها الطبيعي ، وإعلانها ثانية بين الناس ، هو الإمام المهدي نفسه .

غير ان الأخبار الدالة على وجود الحذف في القرآن الكريم ، غير قابلة للإثبات ،كما ثبت محله . ومعه يكون هذا الشكل من الإفتراض غير ذي موضوع.

الشكل الثاني: أن يبرز القرآن الكريم مع تقديم وتأخير في آياته مماثل لأسلوب النزول .فإنه من المؤكد ان القرآن الكريم بالشكل الذي نقرؤه ليس على ترتيب النزول .

غير أننا سنقول في الشكل الثالث أن التغيير عن ترتيب النزول كان بأمر من رسول الله (ص) نفسه ، فيكون تغييره عن ذلك الترتيب مشروعاً ، لاحاجة إلى تغيير، بل إن فيه خروجاً عن أمر النبي (ص) نفسه ، فلا يقوم به المهدي (ع).

الشكل الثالث : أن يبرز القرآن الكريم مع تغيير أياته وسوره ، بشكل يصبح مماثلاً لما كان عليه الترتيب في زمن رسول الله (ص) بإشراف وأمر منه (ص) ،فقد أصبح القرآن الكريم متغيراً عن ترتيب النزول ،ولكن ذلك بأمر الرسول(ص) ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

وهذا الشكل يتوقف على ان يثبت أن ترتيب القرآن الكريم قد تغير بعد رسول الله (ص) ، لكي يعيده المهدي(ع) إلى شكله الأول وهذا لم يثبت دليل كاف .بل من المؤكد ان القرآن الكريم بشكله الموجود،هو الشكل الذي كان مرتباً بأمر رسول الله (ص).

إذاً ، فلم يثبت أي شكل من هذه الأشكال الثلاثة ، ومعه فالأمر الثاني ككل لا يكون صحيحاً .



صفحة (452)


غير أن هناك خبراً يدل على صحة هذا الأمر الثاني ، وهو ما رواه المفيد في الإرشاد(1) مرسلاً عن جابرعن أبي جعفر عليه السلام ،أنه قال: إذا قام قائم آل محمد (ص) ضرب فساطيط ،ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل ، فأصعب ما يكون على ما حفظه اليوم ، لأنه يخالف فيه التأليف.

والظاهر الأولي لتعبيره ، هو الشكل الأول يعني إعادة القرآن الكريم إلى ترتيب النزول "على ما أنزل الله عز وجل". غير أن الأدلة على بطلان ذلك الشكل والأشكال الأخرى أقوى من أن نعود إليها بمثل هذا الخبر المرسل ، على أنه يمكن فهمه على شكل آخر سنشير إليه غير بعيد.

الأمر الثالث : أن يراد بالكتاب الجديد ،أن المهدي (ع) يبرز للملأ تفسيراً جديداً للقرآن الكريم عميقاً موسعاً ، أو أنه عليه السلام يعطي قواعد عامة جديدة تؤسس أسلوباً جديداً من التفسير والفهم للقرآن الكريم .

وهذا أمر صحيح لا محيص عنه ، فإنه يمثل حقلاً مهماً من العمق والشمول الذي يتصف به الوعي البشري في عهد الدولة العالمية العادلة ، ويكون جانب الجدة فيه هو ان الفهم الجديد أعمق من كل الأفهام السابقة ، والناسخ بحقائقه كل الإختلاف والتضارب الموجود في فهم القرآن الكريم وتفسيره.

ولعل هذا هو المراد من الخبر السابق من حيث أنه يراد من " القرآن على ما أنزل الله عز وجل "، المقاصد والمعاني الواقعية للقرآن الكريم ، تلك المقاصد التي لم تكن واضحة بالشكل الكافي في العصر السابق على الظهور. ويراد من مخالفيه التأليف ،مخالفة الفهم التقليدي الإعتيادي الذي كان واضحاً في الأذهان في العصر السابق.

الأمر الرابع : أن يراد بالكتاب الجديد التشريع الجديد .وإنما عبر عنه بالكتاب ،باعتبار أنه مشابه للكتاب – أعني القرآن الكريم ـ في احتوائه على التشريع. أو باعتبار أن الكتاب الكريم يحتوي على الأسس الأصلية ،ويكون التشريع الجديد مستمداً منه.

وهذا الأمر محتمل، في ما يقصد بالكتاب الجديد ، غير انه لايعادل وضوح الأمر الثالث الذي عرفناه .


صفحة (453)
ـــــــــــــــــ


(1) ص344.



النقطة الخامسة: يراد بالسنة الجديدة أمر واحد صحيح لا مناص عنه ،وهو كلام الإمام المهدي (ع) وفعله وتقريره ، بعد أن ثبت في محله أن السنة هي كلام المعصوم وفعله وتقريره ، والإمام المهدي (ع) معصوم على ما يرى ابن عربي في الفتوحات(1) وغيره .

وهو مما أجمعت عليه الإمامية وقام عليها مذهبها ومعه ، فيكون كلام الإمام المهدي (ع) وفعله وتقريره سنة ،تكون (حجة) على المكلفين وبين الله عز وجل .وواجبه الإتباع والإطاعة عليهم ، لأجل تربيتهم وتطبيقهم للعدل الكامل في العلاقة مع الله والدولة والمجتمع ، وإنما وصفت هذه السنة بالجديدة .بإعتبار ان مضمونها سيختلف عن السنة المنقولة في المصادر السابقة في الإسلام ، باعتبارها ستحمل الأحكام الجديدة والمفاهيم الجديدة ومستوى الوعي العميق الجديد الذي سيعلنه الإمام المهدي )(ع) ويربي البشرية كلها عليه.

وسوف تكون سنته هي السنة الريئسية التي تكون مدار استنتاج الأحكام وغيرها بعد المهدي (ع) ....بل هي المنطلق الأساسي الذي تقوم عليه التربية المستمرة بعده(ع) .مضافاً إلى الفهم الجديد للقرآن والسنة الأولى الواردة عن قادة الإسلام الأوائل ، في الحدود الممضاة صحتها من قبل المهدي عليه السلام .

النقطة السادسة : يراد بالقضاء الجديد أحد الأمور:

الأمر الأول : التخطيط الجديد للبشرية الذي يسار عليه في عصر الظهور ،والذي سميناه بتخطيط ما بعد الظهور.

وإنما عبر عنه بالقضاء باعتبار ان التخطيط الإلهي شكل من أشكال القضاء الإلهي .

يكون الوجه في نسبته إلى المهدي (ع) باعتبار كونه موقوتاً بما بعد ظهوره . وباعتبار كونه مشاركاً فيها مشاركة فعالة واسعة ،كما سبق أن عرفنا .

الأمر الثاني : أن يراد بالقضاء الجديد : التشريع الجديد الذي يعلنه الإمام المهدي (ع) بعد ظهوره .فإن التشريع من معاني القضاء لغة ، يقال: قضى بكذا ، إذا أمر به وشرعه .

الأمر الثالث : أن يراد به كثرة القتل التي عرفنا أن المهدي (ع) يقوم بها تجاه المنحرفين. فالقضاء هنا بمعنى حكمه بوجوب قتلهم أو بمعنى القضاء عليهم واستئصالهم .ومن هناسمعنا الروايات : أنه" قضاء جديد على العرب شديد "



صفحة (454)
ـــــــــــــــــ


(1)ج3ص328 وما بعدها






الأمر الرابع : ان يراد بالقضاء الجديد ،ما أشيرإليه في بعض الروايات من أن المهدي (ع) سيتخذ أسلوباً جديداً في القضاء وفصل الخصومات بين الناس وأنه يحكم بحكم داود لايسأل البينة "وسيأتي التعرض إلى ذلك مع نقده في فصل آخر من هذا الباب.

وكل هذه الأمور الأربعة محتملة في معنى القضاء ، غيرأن الأمر الثالث مدعم بقرينة تدل عليه هي كونه "على العرب شديد " بخلاف الأمور الأخرى .

الجهة السادسة : أننا لم نجد في الأخبار أن المهدي (ع) يأتي بدين جديد، كما هو المشهور على الألسن ،وربما كان هذا تحويراً شعبياً لأحد هذه العناوين الستة التي سمعناها من الروايات ،والتي يصعب استيعابها على الفرد الإعتيادي.

ولو كان ذلك وارداً في الروايات ، لما كان المراد منه أنه يأتي بشريعة جديدة تقابل الإسلام وغيره من الأديان ، وذلك: للقطع بكون المهدي (ع) ليس بنبي ،وأنه لا نبي بعد نبي الإسلام ،وان المهدي إنما يطبق قانون الإسلام وشريعته ، كما سبق أن عرفنا ودلت عليه الروايات المتواترة ، فلو كان المراد منه ذلك لوجب طرح الرواية بإزاء الأدلة القطعية النافية لمضمونها .

لكن الأنسب أن يراد بالدين الجديد ، لو كان مروياً التشريع الجديد الذي ياتي به المهدي (ع) ، باعتبار انه يدان لله تعالى بإطاعته وتطبيقه .

الجهة السابعة : سمعنا من عدة من هذه الروايات : ان المهدي (ع) يستأنف أمراً جديداً ودعاءً جديداً ،كما أستأنفه رسول الله (ص) .أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً . فطوبى للغرباء.

أم أن النبي (ص) استأنف أمراً جديدا ودعاءً جديداً ، فهو واضح ، بعد الذي كان عليه المجتمع قبل الإسلام وفي السني الأولى من النبوة ،من الظلم والضياع، وقد أخرجته النبوة الجديدة من الظلمات إلى النور ودلته على العدل الكامل.

وقد بدأ الإسلام غريب، فقد كان المؤمنون في السني الأولى للنبوة غرباء في مجتمع يعج بالظلم والضياع. وبقيت هذه الغربة حتى اتسعت دعوة الإسلام وارتفعت غربته .

سيعود الإسلام غريباً حتى يعود المجتمع نتيجة للتمحيص العام إلى الظلم والضياع مرة ثانية، "فطوبى للغرباء " المؤمنين الذين يمثلون الحق والعدل على مدى التاريخ .


صفحة (455)


وستبقى هذه الغربة إلى حين شروق شمس الهداية والعدل ، عند الظهور، وسيقيمه الغرباء بأنفسهم ويدعموه بسواعدهم.

وسيستأنف المهدي (ع) عندئذ أمراً جديداً ودعاءً جديداً ،كان قد تخلى عنه المجتمع منذ عهد بعيد نتيجة لإنحرافه وفسقه.

غير أن هذه الجدة ليست مئة بالمئة ، بل هي مبتنية على ما قبلها ومنطلقة منه كما لم تكن دعوة النبي (ص) جديدة ومئة بالمئة ،بل كانت في أصولها وأسسها العامة ،مشتركة مع دعوات الأنبياء السابقين .غير أن دعوة المهدي (ع) أكثر التصاقاً بتعاليم الإسلام من ارتباط دعوة النبي (ص) بتعاليم الأنبياء السابقين .

صفحة (456)




مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 07:01 PM   #24
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل الثاني

موقف الإمام المهدي (ع)

من القضايا السياسية والإجتماعية السابقة على الظهور

تمهيد :
يكاد يكون الحديث تحت هذا العنوان مستأنفاً ، بعد كل الذي عرفناه من الموقف المهدوي الحدي الصارم تجاه الأنظمة والقوانين السابقة على الظهور وإنه يلغيها إلغاء تاماً ويبدلها إلى ما يراه هو مطابقاً للعدل الكامل . ورأينا موقفه الحدي الصارم إزاء المنحرفين .وأنه سيستأصلهم مقدمة لتأسيس مجتمع العدل الجديد في العالم .
وليس مرادنا الآن تكرار ذلك ، وإنما المراد المرور على شيء من التفاصيل ، بمقدار الإمكان ، عسى يمكننا استشفاف بعض الإتجاهات التي سيتخذها المهدي في دولته ، بدلاً عما يلغيه من الإتجاهات وما يشطبه من القوانين والمفاهيم.
وبالطبع، سنكون في حاجة إلى الإطلاع التفصيلي إلى حد معقول، على ما نعنيه من (القضايا السياسية والإجتماعية) السابقة على الظهور، لكي نحدد موقف المهدي (ع) منها . والصعوبة الأساسية التي تحول دون هذا الإطلاع التفصيلي: هي الجهل بموعد الظهور ... الأمر الذي يقتضي الجهل بالأنظمة والقضايا التي تكون سابقة على الظهور مباشرة ، كما هو معلوم .


ولا يمكن تذليل هذه المشكلة إلا بإعطاء افتراض معين ، قد لا يكون صحيحاً في نفسه ،ولكن البحث على أساسه سيلقى الكثير من الضوء على مواقف الإمام المهدي تجاه الأنظمة السابقة على الظهور ، فيما لو تم في عصر متأخر ، وهذا الإفتراض هو أن نزعم :

أن المهدي (ع) سيظهر في هذا القرن أو ما يقاربه ، بحيث لا يكون قد طرأ على القوانين والمفاهيم العامة المعاصرة في عالم المعاصرة في عالم اليوم تغيير مهم.



صفحة (457)


وهذا أمر محتمل ، طبقاً لقاعدة الإنتظار الفوري التي تقتضي توقع ظهور المهدي (ع) في اية لحظة ،كما برهنا في التاريخ السابق(1) .غير ان هذا الإفتراض يفتقر إلى الإثبات التاريخي ، وهو مما لا سبيل إليه ، بعد نفي التوقيت الذي عرفناه .

وبهذا الإفتراض ، ستكون الأنظمة السابقة على الظهور هي الأنظمة المعاصرة اليوم .

بهذا نذلل قسماً مهماً من المشكلة .ولعل الحديث حولها يعطينا الأسس العامة التي يمكننا من خلالها ان نتعرف ولو إجمالاً عن موقف الإمام (ع) من أي نظام سابق على ظهوره .

ولا ينبغي أن نغفل في هذا الصدد عن أن غاية القصد هو الإطلاع على آراء المهدي (ع) واتجاهاته ، بمقدار ما يهدينا إليه منهجنا في البحث المتكون بشكل رئيسي من القواعد العامة الصحيحة والأخبار الخاصة بالمهدي (ع)، أما الإطلاع على العمق الحقيقي للوعي والمستوى الفكري في مجتمع ما بعد الظهور ، فقد برهنا في مقدمة هذا التاريخ على استحالة إطلاع الباحث السابق على الظهور، عليه ، إلا إذا كان معاصراً له ، مهما أوتي من عبقرية ودقة تفكير.

وينبغي لنا هنا أن نفتح الحديث في عدة جهات، لكي نتعرف على بعض ملامح مواقف الإمام المهدي (ع) تجاه الأمور الدولية أولاً ، والإدارية ثانياً ، والإقتصادية ثالثاً ، والإجتماعية رابعاً .

الجهة الأولى : في إلقاء الضوء على موقف الإمام المهدي (ع) من القضايا الدولية الراهنة بشكل عام .

تتضمن القضايا الدولية أموراً كثيرة تعتبر قانونية وملزمة بالنسبة إلى المجتمع الدولي توخياً لمصالح معينة تعود إلى الدول أنفسها.

فهناك الإتفاقيات والمعاهدات والأحلاف، ونحوها، مما تعقده الدول فيما بينها بشكل ثنائي أو أكثر لتنظيم العلاقات فيما بينها ، اقتصادياً أو ثقافياً أو عسكرياً أو غير ذلك.

وهناك التمثيل الدبلوماسي بين الدول، بشكله المعروف الذي يتضمن إلزام السفير بالتقريب بين الدولتين ،وإيجاد العلاقات الحسنة فيما بينهما جهد الإمكان .وإذا لم يكن هناك سفير ،كان مكانه قائم بالأعمال ،أو تتكفل دولة صديقة مصالح دولة ثانية بالنسبة إلى الرعايا الموجودين في دولة ثالثة ،إذا فقد التمثيل الدبلوماسي بينهما .


صفحة (458)
ـــــــــــــــــ


(1) انظر ص 362 وص 362 وص 427



ويتبع هذا النظام الدبلوماسي ، نظام الإستقبال و التوزيع والزيارة بين الدبلوماسيين والملوك والرؤساء من مختلف الدول .

وإذا حصل هناك بين دولتين أو أكثر،ما لا يمكن حله بشكل منفرد ، فهناك منظمات دولية كفيلة بالحل .فإن كانت المشكلة قضائية بطيعتها ،كانت محكمة العدل الدولية كفيلة بتذليلها ،وإن كانت المشكلة سياسية كانت هيئة الأمم المتحدة كفيلة بالسيطرة عليها.

كما أن هيئة الأمم المتحدة كفيلة بحل المشكلات الإقتصادية والإجتماعية والصحية التي قد تحدث في الدول عن طرق لجانها الفرعية كاليونسكو ومنظمة الصحة العالمية وغيرها .

ولا ينبغي أن نغفل ، في هذا الصدد ، القانون الدولي الذي يحدد العلاقات بين الدول ،باعتبار سلامة الحدود والرعايا والإحترام المتبادل ،وتحديد الجريمة، ومكان العقاب ومقداره .... فيما إذا ارتكب شخص من دولة جريمة في دولة أخرى .مضافاً إلى الصيانة الدبلوماسية للممثلين الدبلوماسيين واحترام حق اللجوء السياسي، وتحديد مقادير المياه الإقليمية التابعة للدولة ، إلى غير ذلك من القضايا التي تفتق عنها الذهن البشري الحديث.

ولكن هل أفادت كل هذه التنظيمات في حل مشاكل البشرية .كلا ،فإن كل هذه التنظيمات لم تقم على إخلاقية معينة ،وإنما قامت على أساس المصلحة الخاصة محضاً.

فكان من الطبيعي أن نجد أي دولة حين لا يكون في مصلحتها اختيار أي تنظيم من هذه التنظيمات والسير عليه ، كان ذلك سهلاً بالنسبة إليها، بل واضحاً في موقفها ،وليس هناك أي ضمان حقيقي يلزم الدولة بتطبيق التشريعات الدولية.
ومن هنا وجدت الحروب باستمرار ، ووجد الإستعمار بشكليه القديم والحديث،وحصل الغزو الفكري والعقائدي للشعوب الضعيفة العزلاء .ولذلك أيضاً وجدت الأحلاف الإعتدائية ووجد التهاتر بين الدول والمقاطعة والعداوات.


ومن هنا لم يكن لهيئة الأمم المتحدة أي ضمان في تطبيق قراراتها .ولم يكن لها أي أية فائدة حقيقية في منازعات الدول وإلغاء الحروب.


صفحة (459)






كما لم يكن لمحكمة العدل الدولية. ضمان في تطبيق أحكامها أيضاً...إلا في ما تراضت عليه الدولتان المترافعتان.

فهذا مرور خاطف بنقاط القوة ونقاط الضعف في الوضع الدولي الحديث .فما هو موقف الإمام المهدي (ع) ودولته من كل ذلك؟!.

ولا ينبغي ان نتحدث في هذا الصدد عن انعكاس هذا الوضع الدولي على دولته ....بمعنى أن نبحث عن رأي دولته في هذا الوضع فيما لو كانت عضواً مشاركاً فيه .

فنتساءل عن مدى ما تقبله منه وما ترفضه .وهل ستكون ـ مثلاً ـ عضواً في هيئة الأمم المتحدة أو لا .وهل ستتبادل السفراء مع الدول الأخرى .

كل ذلك ينبغي ان لانتساءل عنه بحال . وذلك أنه سوف لن يمضي وقت طويل بعد الظهور حتى تقوم الثورة المهدوية بتغيير النظام الدولي تغييراً أساسياً ،تبحث معه كل نقاط ضعفه وتلغي كل جذوره.

وذلك انطلاقاً من أساسين : نظري وعملي.

أما الأساس النظري فباعتبار قيام هذا النظام الدولي على الإنحراف والفساد أخلاقياً وعقائدياً .أما أنحرافه الأخلاقي ، فأهم نقطة هو ما أشرنا إليه ،من قيامه على أساس المصلحة الخاصة والأنانية المحضة ،تلك التي لا يكون لها وجود في دولة المهدي ، بل سيتبدل الحال إلى ملاحظة المصالح العامة الواقعية ، وتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة لله عزوجل .الأمر الذي ينتج تغييراً أساسياً في سير التاريخ البشري .

وأما انحرافه العقائدي، أعني النظام الدولي المعاصر، فأهم نقطة فيه:هي قيامه على المادية في فهم الكون والعلمانية في فهم المجتمع ... وإعطاء زمام قيادة الإنسان بيد الإنسان نفسه وهذا ما سيشطب عليه المهدي (ع) بالقلم العريض، ويقيم العدل الكامل، في البشرية على ركائز مؤمنة بالعطاء الإلهي والقدرة والحكمة الإلهيين اللانهائين. كيف وهو النتيجة الطبيعية للتخطيط الإلهي العام المستهدف للعبادة الخالصة والعدل الكامل.

وأما الأساس العملي ، فهو أنه (ع) لا يعترف بتجزئة البشرية إلى حدود ودول ...بل دولته عالمية واحدة برئاسة واحدة وقيادة واحدة . يتوصل المهدي إلى انجازها عن طريق الفتح العالمي .ومعه تكون كل الأنظمة والقوانين الدولية غير ذات موضوع .لأنها إنما تنظم العلاقات بين الدول المتعددة ،ولا توجد يومئذ دول متعددة .


صفحة (460)




وهذا الوضع العالمي الواحد ، سيفتح باب الخيرات ،ويزيل أكداس الأطماع والأنانيات التي تقود الدول في عالم اليوم ،ولن يكون للحروب أي موضوع ،وسيكون هذا الفتح مفتاح السعادة والرخاء والسلام والعدل بين البشر أجمعين .

الجهة الثانية: في إلقاء الضوء على موقف الإمام المهدي (ع) من النظام الإداري الداخلي المتبع في الدول المعاصرة .

ولا بد أن القارىء يحمل فكرة كافية عن النظام الإداري ....ولكننا سنستعرض النقاط المهمة فيه.

فالدول هيئة ذات كيان معنوي قانوني تتكون من منطقة مسكونة ذات حدود معينة وهيئة حاكمة.

ويتولى المسؤولية العليا في الدولة ملك أو دكتاتور أو رئيس جمهورية ،مع رئيس للوزراء في غير النظام الرئاسي ،وعدد من الوزراء يتكفل كل منهم الإشراف على جانب من جوانب المجتمع المهمة ،كالخارجية والدفاع والمالية والإقتصاد والثقافة أو التربية ... وغير ذلك مما تحتاجه الدولة في إدارة شؤونها ،مما قد يزيد وينقص باختلاف الدول.

ويوجد في جملة من الدول مجلس للبرلمان ، يتكفل السلطة التشريعية في البلاد . والأساس النظري الذي يقوم عليه هو تمثيل أعضاء المجلس لفئات الشعب المختلفة .لكي تكون موافقتهم على القوانين موافقة للشعب نفسه، حتى يكون القانون النافذ على الشعب كأنه صادر من الشعب نفسه.

ويوجد في الدول أحزاب ، بعضها سري وبعضها علني .وبعضها يمارس الحكم فعلاً إما بمفرده أو مع غيره من الأحزاب.

وترى اكثر الدول لنفسها حق منع الأحزاب ،والإذن لها بالنشاط ، طبقاً لما ترى الدولة لنفسها من المصالح .ويمثل كل حزب أيدولوجية معينة ونظرة خاصة إلى الكون والحياة .ومن هنا يقع التناحر النظري والإجتماعي والمصلحي بين الأحزاب بشكل خفي حيناً وسافر أحياناً.

وإذا مارس الحزب الحكم في الدولة وحده ،كان ذلك ما يسمى بنظام الحزب الواحد . ويطبق الحزب الحاكم على المجتمع نظرته الخاصة إلى الكون والحياة .ويرى الحزب الحاكم ـ عادة – حرية الرأي والنشاط السياسي والإجتماعي لنفسه ،ومنع أي رأي ونشاط حزبي أو فردي آخر.


صفحة (461)




والوزارات في الدولة ، تدار من قبل مديريات عامة أو مؤسسات ، يتكفل كل منها الإشراف على جانب من جوانب المجتمع ، حسب الحاجة .

وتتكفل الدولة عادة الإشراف على المؤسسات والمرافق العامة التي يصعب على الأفراد الإشراف عليها ،كالجيش والشرطة والسجون والكمارك والبرق والبريد والتعدين وتوزيع الماء والكهرباء وبعض البنوك .وتزيد الدول الإشتراكية على ذلك الإشراف على كل التجارات والشركات والبنوك، وعمليات الإستيراد والتصدير والصناعات الكبيرة ...وغير ذلك .

فما هو رأي الإمام المهدي (ع) في كل ذلك، وكيف سيكون شكل دولته العالمية ؟!.

يمكن أن نلخص ما يمكن إثباته تاريخياً وإسلامياً من ذلك ، في عدة نقاط :

النقطة الأولى: إن الرئاسة العليا في الدولة لن تكون ملكية ولا رئاسية ولا دكتاتورية ....بل ستكون إمامية، لأن الحاكم الأعلى سيكون هو الإمام المنصوب من قبل الله عز وجل . سيمارس هذا المنصب الإمام المهدي (ع) بنفسه ما دام موجوداً ،ويمارسها خلفاؤه من الأولياء الصالحين بعد وفاته، بالطريقة التي سنشير إليها في القسم الثالث من هذا التاريخ.

هذا بالنسبة إلى الرئاسة المركزية في الدولة العالمية .ولكن المهدي لن يباشر بنفسه الإشراف على كل القضايا الجزئية في العالم ،بل سيتكفل القبض على المقاليد العليا للحكم، بالمقدار الذي يرى هو المصلحة فيه. ويوكل قيادة المناطق المختلفة في العالم إلى أصحابه المخلصين الممحصين " حكام الله في أرضه " على ما سنعرف تفصيله في الفصل الآتي.

النقطة الثانية : إن دولة الإمام المهدي ستخلو بطبيعة كيانها العقائدي من البرلمان بصفته السلطة التشريعية. فإن هذه السلطة ،في ايدولوجية هذه الدولة ، لست للشعب ولا لممثليه ، بل لله عزوجل وحده لا شريك له، طبقاً لتشريعه العادل الكامل.

نعم ، يكون للإمام أن يحكم ويتصرف في حدود التشريع الأصلي ، كما انه سوف يبلغ فقرات جديدة من التشريع الأصلي لم تكن معروفة قبل ذلك .كما يمكن إيكال البت بعدد من الوقائع الفرعية إلى مجلس يشبه البرلمان أو مجالس تسبه المجالس البلدية ..إلا أن وجودها الفعلي في الدولة المهدوية يفتقر إلى الإثبات التاريخي .


صفحة (462)



النقطة الثالثة: ليس هناك ما يلقي الضوء على نوعية العلاقات بين المناطق المحكومة لأصحاب الإمام المهدي (ع).

إلا أن هذا مما لا ينبغي التساؤل عنه، بعدالعلم بأن حكمها المركزيواحد، وإيدولوجيتها العامة واحدة ،وقانونها العام الأصلي واحد ،ومعه لا يبقى لحاكم المنطقة إلا التطبيقات التي لا تجعل للدولةسيادة كاملة أو شخصية قانونية مستقلة عن الحكم المركزي .شأنها فيذلك ـ إن صح التمثيل ـ شأن الولاية الواحدة في الولايات المتحدة الأمريكية ،أو الجمهورية الواحدة من جمهوريات الإتحاد السوفيتي .مع فارق في الإيديولوجية والتشريع مع كلتا الدولتين.

النقطة الرابعة: لاشك أن الشكل الإداري للحكم ،سواء على مستوى المركز أو المناطق ... سيمارس على الشكل المعهود للناس في زمانه ، أعني الشكل المعهود لهم قبل الظهور مباشرة ،من دون إدخال تغييرات غريبة على الأذهان فيه .وإن شملته إصلاحات كبيرة بطبيعة الحال.

ومعه فنستطيع القول : أنه لو تم الإفتراض الذي سرنا عليه ،وهو افتراض ظهور المهدي (ع) في هذا القرن... فسيكون الشكل الإداري لدولته ،هو الشكل الإداري العام المعهود في الدولة المعاصرة ،وهو إدارتها عن طريق الوزراء أولاً والمدراء العامين ثانياً والمؤسسات الإجتماعية ثالثاً .بل قد يستفاد من بعض الأخبار وجود رئيس للوزراء وقائد أعلى للجيش في دولته.

لكن ، لاينبغي أن نشير إلى الإختلافات بين الأشكال الإدارية المعاصرة .لأن الدولة المهدوية سوف لن تتبع شكلاً معيناً من هذه الأشكال ،بعد الذي عرفناه من أنها تدخل عناصر التطوير على الشكل العام بالنحو المطابق للمصلحة العادلة في عصر الدولة المهدوية .

النقطة الخامسة : في شأن الأحزاب في دولة المهدي (ع) .

يمكن أن نقسم الأحزاب من زاويتين:

الزاوية الأولى : الإنقسام الأولي للأحزاب ... بحيث يحق لأي إنسان أن يتخذ ما يشاء من الرأي والعقيدة ،وأن يدافع عما يشاء من الاراء . وبهذا تنقسم الأحزاب – مثلاً – إلى يمينية ويسارية وغير ذلك.

الزاوية الثانية : الإنقسام في داخل معتقد معين ،كالإنقسام في داخل المعسكر الشيوعي أو في داخل المعسكر الرأسمالي .باعتبار الإختلاف على التفاصيل مع الإتفاق على عدد من الأصول الموضوعية .



صفحة (463)


والإنقسام الأول: لاشك أنه محظور في دولة المهدي (ع) ، قد يستحق الفرد عليه القتل فيما إذا تضمن اتجاهه مخالفة صريحة للأطروحة العادلة الكاملة . وقد رأينا أن مصير كل منحرف في دولة المهدي (ع) هو القتل.

وأما الإنقسام الثاني : ونريد به الإنقسام في الإعتقاد بصحة الأطروحة العادلة الكاملة ،وعدم وجود مخالفة صريحة لما تتبناه الدولة المهدوية وتركز عليه .فهل تكون الإنقسامات الحزبية مجازة في داخل هذا المضمون المشترك أو لا ؟!.

لا يوجد في هذا الصدد أي دليل صالح للإثبات أو النفي .نعم ، لادليل من القواعد العامة المعروفة على منع مثل هذه الإنقسامات ...كيف وإن التربة للبشرية مبتنية عادة على التنافس ووجدان الحقيقة منطلق في الأغلب من النقاش والجدل الحر.

ولئن كان التخطيط العام لعصر ما قبل الظهور ، قد أبرز بوضوح فشل الزاوية الأولى من الإنقسام الحزبي وكونه شراً على البشرية ... فإن الزاوية الثانية لم تنزل إلى عالم التجربة بعد، ولم يظهر صلاحيتها من زيفها في مقام التطبيق .فإن رأت الدولة المهدوية المصلحة في إجازة هذا الإنقسام الثاني ، لا يكون في ذلك مخالفة للقواعد العامة المعروفة.
نعم ، سيذوب هذا الإنقسام تدريجياً نتيجة لتربة المركزة التي تمارسها الدولة المهدوية للبشرية .إذ سيصل البشر إلى مرحلة تكون مدركة للمصالح والمفاسد في التفاصيل كما هي مدركة لها في الخطوط العريضة والقواعد العامة .ومعه يكون الإنقسام غير ذي موضوع .إلا أن هذا لن يحدث في حياة الإمام المهدي نفسه على اي حال.


النقطة السادسة : في سيطرة الدولة المهدوية على المرافق العامة للمجتمع.

لا شك في سيطرة الدولة على المرافق التي يتعذرعلى الأفراد السيطرة عليها كالجيش والقضاء والسجون والبرق والبريد ونحوها. كما لا شك في سيطرتها على ما ترى المصلحة في السيطرة عليه ، لعل منها بعض الشركات والبنوك . وكذلك ماتنشؤه الدولة نفسها من معامل وما تقوم به من تجارات.

ولا دليل على ان الدولة المهدوية ستمنع القطاع الخاص من المعامل والبنوك والتجارات. غير أنه من الواضح ـ على ما سنبرهن عليه في الكتاب الآتي – ان المؤسسات التي توجدها الدولة وترعاها وتنشر الرفاه والخير في المجتمع على أساسها ، ستجعل القطاع الخاص يذوب ذوباناً تلقائياً ،وتقل أهميته تدريجياً إلى أن تنعدم ،وسيستغني الأفراد بفيض الدولة المباشر. ولعل فيما يأتي في الفصل التالي ما يلقي حزمة من الضوء على ذلك .



صفحة (464)



هذا وينبغي الإلماح إلى الجيش والشرطة والسجون ستذوب أهميتها تدريجياً أيضاً ،نتيجة للتربية المركزة المستمرة التي تقوم بها الدولة المهدوية للبشرية ، بحيث تصل بها إلى مستوى عال من الفهم والإخلاص.

ولعل الجيش هو أسرعها ذوبان، لأن المفروض كونه سنداً للدفاع الخارجي ، ضد اعتداء الدول الأخرى .ومع وجود الدولة العالمية ،لاتوجد دول أخرى على الإطلاق ... فتنتفي الحاجة إلى الجيش من هذه الناحية .

وأما الشرطة والسجون، فستذوب تدريجاً بذوبان الجريمة الذي هو النتيجة الطبيعية لوصول البشرية في تربيتها إلى درجة عالية من الكمال .غير أن هذا المستوى لن يحدث – عادة – في حياة الإمام المهدي .وإن كان لن يحدث أيضاً إلا طبقاً للأسس التربوية العامة التي هو يضعها ،من أجل إيصال البشرية للكمال.

الجهة الثالثة: في إلقاء الضوء على موقف الإمام المهدي (ع) من القضايا والمشاكل الإجتماعية السائدة قبل الظهور.

وإذا أردنا أن نشخص هذه المشاكل من وجهة النظر الإسلامية التي تم التمحيص على اساسها في التخطيط العام السابق على الظهور ...نجدها تندرج في خط سلوكي مشترك شامل لكل العالم البشري – بشكل عام ـ، وهو الإنحدار الخلقي الفضيع الذي وصله الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ولغاتهم وألوانهم وثقافاتهم.

وقد نشأت من هذا الإنحدار الخلقي آلاف المشاكل في كل مجتمع من مجتمعات البشرية على الإطلاق ، على مختلف الأصعدة ...ابتداء من الغش والتغابن في المعاملات والتسامح في حقوق الآخرين وأموالهم ،وانتهاء بابتناء القيمة الأساسية للعلاقات على الأساس المالي إلى جانب التعامل بالربا ،وصيرورته ضرورة من ضرورات الحياة ... وتبذل النساء وشرب الخمور وإعلان الفجور والسير في الزواج والطلاق والميراث على الخط المدني ،وتأسيس المدارس والمسابح والمسارح والسينميات المختلطة والداعرة . وأنت تسمع الأغاني المثيرة وترى الأفلام المسفة في كل راديو وتلفزيون .ونشر الصور والأفكار الداعرة المثيرة جنسياً والتي تحث على الجريمة في كثير من الأحيان . نشرها في الأعم الغلب من صحف ومجلات ومسلسلات العالم بمختلف لغاتها ومذاهبها ومقاصدها .


صفحة (465)



وقد أصبح السير خلال هذا الخط أمراً طبيعياً للفرد ، بل لا تستقيم حياته – في رايه – إلا به ،وأصبح صوت الفضيلة وشجب هذا الإنحدار والنداء بالمحافظة على السلوك المتزن وأمراً غرباً موحشاً ملفتاً للنظر .فقد "اصبح المنكر معروفاً والمعروف منكر" وعاد "الإسلام غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء".

وموقف الإمام المهدي عليه السلام في كل ذلك واضح كل الوضوح ،وهو الشطب على الإنحدار جملة وتفصيلاً، وإبداله إلى جو الفضيلة والعدل والكمال.

والمهم في المقام هو أن نلقي بعض الضوء على البديل الرئيسي لهذا الوضع المنحدر، بحيث يستتب معه النظام ويسود العدل الكامل .مع المحافظة – بطبيعة الحال – على العمق الحقيقي للفكر والوعي في مجتمع ما بعد الظهور في طي الكتمان رهيناً بحصول وقته.

إن ما ندركه الآن من ذلك وهو كما يلي:

إن الإمام المهدي عليه السلام في دولته العادلة العالمية ، سوف لن يلغي الإذاعة والتلفزيون ولا المسرح ولا السينما ولا المصايف ولا المسابح ولا المدارس ولا المستشفيات ولا البنوك ولا الصحف ولا المجلات ولا المسلسلات.

فإن أساس الفكرة من وجود كل هذه الأمور أنه موجودة لخير البشرية وتسهيل الحاجات الإجتماعية والفردية، فمن الطبيعي أن تأخذ دولة العدل بزمام المبادرة لإتخاذ هذه الأمور وسيلة نحو التكامل وزرع الأخلاق والفضيلة والتكافل والتراحم بين البشر، وبالتالي وسيلة لتربية البشرية بشكل عام ،والوصول بها إلى كمالها الأعلى المنشود.

فالإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما والصحف ، ستكون وسائل النشرالأفكار الهادية العادلة ،وللترفيه البريء .والمصايف والمسابح ستكون موجودة بدون الإنحدار اللاأخلاقي ، بل مع الإرتفاع بها إلى مستوى العدل والمصلحة الحقيقية .فإن الترفيه غير مقتصرعلى الإنحدار الحيواني ومباشرة الرذيلة كما هومعلوم .فإن في صور الطبيعة الكونية من العجائب والطرائف ما يعجب النفس ويسر الخاطر ويبهج الفؤاد ،الشيء الكثير ،ولا يكون الإقتصار على الترفيه المنحدر ،إلا نتيجة لسوء السلوك وقصور التصور ،وبالتالي لنتيجة الفشل في التمحيص العام.


صفحة (466)


وأما المدارس على اختلاف مستوياتها وأنواعها ... فستكون طرقاً لتربية الفرد وتثقيفه وتكامله ،بالشكل الحق الذي يربط الكون بخالقه العظيم ايجاداً وتشريعاً ، ربطاً وثيقاً ،والسير بالبشرية في هذا الطريق ... وتهمل كل الجهات التي تحمل الفرد على الإنحراف واللاأخلاقية والعنصرية وعبادة المادة . وجمل القول: أن مناهج المدارس بشكل عام ستحافظ على شكلها المنهجي الأكاديمي .ولكنها لن تحافظ على شكلها العقائدي الجديد العادل المطلوب لتربية البشرية في خطها الطويل.

وسيكون سفور النساء ، بمعنى انكشافهن لأعين الرجال بشكل لا أخلاقي ولا إسلامي ،ممنوعاً بطبيعة الحال ومعاقباً عليه ، فضلاً عن الإنحدار نحو الرذيلة بأي شكل من أشكالها .
ولكن ذلك لن يمنع بأي حال من دراسة المرأة لأعلى العلوم وتلقيها لأدق المعارف وحصولها على أحسن وأوسع النتائج ،ولا يمنع حفاظها من قيامها بأي شكل من أشكال التجارة والعمل ،ولا يمنع اتصالها بالمجتمع وإزجائها لحاجتها المشروعة ،مع الرجال والنساء معاً ،وستنظم الدولة العلاقة الإجتماعية بين الجنسين بقانون.


وسيكون التحاقد الطبقي منعدماً في المجتمع المهدوي ،باعتبار ما سنعرف من توفير الدولة فرص العمل للجميع بسخاء وترتيب ، وما سيناله كل فرد من أرباح وما يتقاضاه من الدولة من هبات ،ما يغنيه عن التفكير في الحقد الطبقي أساساً .فضلاً عن التثقيف الإيديولوجي ضد هذا المفهوم الذي يتضمن الإنشقاق الإجتماعي المروع.

وسيكون التحاقد العنصري بين ذوي اللغات المختلفة ، غير موجود أيضاً بل سيكون الجميع أخوة في العقيدة والهدف ، أخوة في الإيمان والعمل ، لا تفاضل بينهم إلا بحسب ما يناله كل فرد من كمال حقيقي .

وسنرى لكل الذي قلنا هنا نتائجه المهمة الموسعة ،في بعض فصول هذا الباب ،وسنسمع العديد من النصوص المثبتة له ، بعد ان تكلمنا الآن في حدود القواعد الإسلامية المعروفة فقط.

صفحة (467)


الفصل الثالث

ضمانات التطبيق السريع العميق

للعدل الكامل في العالم




تمهيد :

تحدثنا في فصل سابق عن ضمانات انتصار المهدي (ع) ، في سيطرته على العالم ، ضد قوى الشروالظلم الموجودة قبل ظهوره.

والآن نتحدث عن الضمانات التي يملكها الإمام المهدي في التطبيق السريع والأكيد والعميق للأطروحة العادلة الكاملة ، في عالم كان يضج بالظلم والآلام والمشاكل.

وهي ضمانات موجودة في شخصه وأصحابه والظروف العالمية ، لايمكن أن تتوفر لأي شخص آخر.

وهي ضمانات تشترك في بعض تفاصيلها مع الضمانات السابقة ،أعني أن شيئاً واحداً كما يكون ضماناً للإنتصار ، فإنه ضمان للتطبيق أيضاً ،وإن اختص التطبيق بضمانات خاصة به على أي حال.

وأغلب هذه الضمانات تنتج مستويين للتطبيق :

المستوى الأول: الشروع في التطبيق لأول مرة، في العالم الذي كان يعج بالآلام ويضج من المظالم والمشاكل.

المستوى الثاني : الإستمرار بالتطبيق والسير به نحو التعمق والتكامل ، في الخط التربوي المستمر للبشرية جمعاء .وسيكون لهذا المستوى ضمانات خاصة به.

ونحن حين نتحدث عن هذه الضمانات ، إنما نتحدث – كما فعلنا دائماً – ضمن الإمكانيات المتوفرة ،والمستوى الفكري في عصرما قبل الظهور .


صفحة (
469)


وسنفتح الحديث عن هذه الضمانات على كلا المستويين كل على حدة .

المستوى الأول : ضمانات التطبيق العادل لأول مرة في التاريخ البشري بعد انتهاء الفتح الإسلامي .

وهي بنفسها الضمانات لو أريد البدء بالتطبيق على نطاق محدود قبل انتهاء الفتح العالمي .فإنكل منطقة يتم فتحها يبدأ المهدي (ع) بتطبيق العدل فيها ، حتى ما إذا استوعب الفتح العالم كله ، كان التطبيق عالمياً كاملاً. وعلى أي حال فالضمانات هي الضمانات.

وهذه الضمانات على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الضمانات الموضوعية للدولة المهدوية ...أعني المتوفرة له في الواقع على صعيد المجتمعوالحياة.

الضمان الأول: وجود الأطروحة العادلة الكاملة المعدة للتطبيق في العالم ،ضمن التخطيط العام السابق على الظهور ، متمثلة بالإسلام ، كما سبق أن برهنا.

ومن المعلوم أن القانون إذا لم يكن معداً سلفاً أو كان غيرعادل كامل كان ذلك أكبرعقبة في طريق التطبيق، وبالتالي في جني الثمار الإجتماعية الخيرة المطلوبة .ومن هنا كان وجود هذا القانون ضماناً أكيداً في النجاح. والدولة المهدوية تملك هذا القانون ،حسب ما يعرفه المهدي نفسه.

إنه الأطروحة العادلة الكاملة ،متمثلة بالإسلام ، بكل (فقراته) التي عرفناها:

الفقرة الأولى : الأحكام الحقيقية التي كانت معلنة قبل الظهور.

الفقرة الثانية : الأفكار والمفاهيم الناتجة عن تطور الفكر الإسلامي.

الفقرة الثالثة : الأحكام والمفاهيم التي كانت تالفة يومئذ ،والآن يتم تجديدها وإعلانها.

الفقرة الرابعة: الأحكام والمفاهيم المؤجلة التي لم تعلن قبل ذلك، وكان إعلانها منوطاً بتحقق الدولة العالمية، فيكون الوقت عند تحققها قد آن لإعلانها.

الفقرة الخامسة: الأنظمة التفصياية التي يسنها القائد المهدي (ع) نفسه في حدود الأحكام الثابتة في الشريعة وعلى ضوئها ، من أجل ضبط الوقائع المختلفة ،وهي لا تقصر في وجوب إطاعتها عن تلك الأحكام.



صفحة (470)


الفقرة السادسة : القواعد العامةالتي يضعها المهدي (ع) للحكام الذين يوزعهم على الأرض .تلك القواعد التي تمكنهم من ممارسة الحكم والقضاء العادلين في مناطق العالم .

الفقرة السابعة : القواعد العامة التي يضعها المهدي (ع) لخاصته من أجل استمرار تربية البشرية وتكاملها في المدى البعيد.

وبهذه الفقرات تستطيع الأطروحة العادلة الكاملة أن تأخذ طريقها إلى التطبيق ، وتربية البشرية بالتدريج.

الضمان الثاني: نقصان البشرية نقصاناً كبيراً .كما سبق أن سمعنا من الأخبار ،وفهمنا أنه إنما يكون مع وجوب حرب عالمية مدمرة قبل الظهور.

وقد كان هذا أحد الضمانات المهمة لإنتصار الإمام المهدي (ع) وسيطرته على العالم .وسيكون هو ـ على تقدير وجوده – ضماناً أكيداً لسهولة التطبيق وشموله .إذ من المعلوم أن التطبيق العام على البشر حال كونهم قليلين أسهل بكثير منه حال كونهم كثيرين.

وخاصة إذا كان النقصان بالنسب الكبيرة التي سمعنا.

وهذا الضمان هنا ، كما كان هناك ، نافع على تقدير وجوده ،وغير مضرعلى تقديرعدمه .بمعنى أن البشر لو بقوا على كثرتهم ،ولم تحدث حرب عالمية أو أي سبب لنقصان ...فكل ما يحصل هو ترتب نتائج هذا الضمان بشكلها المباشر، ولا يعني بأي حال انخرام الهدف المهدوي أو تعذر الإنتصار أو التطبيق ...بعد أن كان للضمانات الأخرى دورها الكامل في إنجاز ذلك.

الضمان الثالث : زوال الناس المنحرفين الفاشلين في التمحيص ،وغير القابيلن للتربية في التخطيط العام الجديد.

ذلك النقصان الذي يباشره المهدي وأصحابه بسيوفهم وأسلحتهم طبقاً للأسلوب الذي عرفناه وتوخياً للنتيجة التي ذكرناها.

الضمان الرابع: الهيبة والرهبة التي يكتسبها الحكم المهدوي في قلوب الناس، الأمر الذي يجعل عصيان قانونه والخروج على تعاليمه – ولو في الخفاء ـ أمراً متعذراً.

يحدث ذلك نتيجة لعدة عوامل مهمة ، نذكرعدداً منها :

العامل الأول: الأساس العقائدي والأخلاقي الذي ترسخه الدولة المهدوية في نفوس الناس ...من الإخلاص للقانون واحترام العدل والإيمان بصدق أهدافه .مع وضوح أن الإخلال بقوانين تلك الدولة إخلال بالعدل وأهدافه.

صفحة (471)



العامل الثاني : الإشراف المترتب المضبوط على أفعال الناس ،نتيجة لممارسة كل المخلصين – وهو في تزايد مستمر – هذا الواجب المقدس ،وتصحيح ما قد يقع فيه الأفراد من أخطاء وهفوات.

العامل الثالث : ما يقوم به المهدي (ع ) شخصياً بعض خاصته – بتعليمه – من أفعال وأقوال وطريقة في قيادة الدولة وتدبير امور المجتمع ،مما يعجزعن مثله الآخرون ،وقد عجزت الدول السابقة كلها. نتيجة للخصائص العليا التي اتصف بها المهدي (ع) وخاصته، مما عرفناه ، وسنشير إليه غير بعيد.

العامل الرابع : كثرة القتل الذي يقوم به المهدي (ع)، وأصحابه للمنحرفين لمدة ثمانية أشهر ، يقتل مرجاً ولا يستتيب أحداً .الأمر الذي يحدث الأثر النفسي الكبير. ولمدة طويلة كافية للتربية ، في التهيب والخشوع والتصاعر تجاه الحكم المهدوي.

الأمر الذي يجعل عصيان قانون الدولة متعذراً ، ويفسح مجالاً عريضاً للدولة لإجراء قانونها وأنظمتها في كل المجالات.

العامل الخامس: أن هناك بعض التصرفات صعبة التفسير ومجهولة السبب يقوم بها المهدي (ع) لأجل مصالح واقعية يعرفها ، ويمكن أن نجد منها بعض النماذج :

فمن ذلك : ما أخرجه النعماني(1) عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : بينما الرجل على رأس القائم يأمر وينهى ،إذ أمر بضرب عنقه ، فلا يبقى بين الخافقين إلا خافه.

وما أخرجه المجلسي في البحار(2) عن السيد علي بن عبد الحميد في كتاب (الغيبة) بإسناده رفعه إلى جابر عن أبي جعفر (ع) – في خبر عن القائم يقول فيه -:

إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي . حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله ... الحديث .

وأمثال هذه التصرفات ، وهي واقعية الصحة ، مجهولة لدى الناس ، تجعل الفرد ،كل فرد . يعيد النظر لجدية بالغة في قيامه بأي انحراف أو عصيان .


صفحة (472)
ـــــــــــــــــ


(1) ص126. (2) ص200 ج13.



فبهذه العوامل ونحوها ،تكتسب الدولة المهدوية هيبتها في صدور الناس على كل المستويات ، الأمر الذي يجعل عصيان قانونها صعباً جداً ،ومن ثم يكون أخذها بزمام المبادرة للتربية والتطبيق العادل سهلاً ميسراً.

الضمان الخامس: ما عرفناه مفصلاً من إنتاج التخطيط الإلهي السابق على الظهور نتيجة مهمة ، وهي يأس الرأي العام العالمي من المبادىء والأطروحات المعلنة التي ادعت حل مشاكل البشرية قبل الظهور .والشوق إلى حل عادل شامل يخرج البشرية من وهدتها العميقة .

وهذا الجو الفكري والنفسي ، يهيء للدعوة المهدوية والدولة المهدوية أفضل الفرص للتطبيق العادل الشامل. كما سبق أن علافنا مفصلاً ،فلا حاجة إلى التكرار.

القسم الثاني : الضمانات المنبثقة من شخص الإمام المهدي (ع) ، باعتبار ما يملك من خصائص وصفات.

الخصيصة الأولى : العصمة التي تمثل درجة عالية جد، وضرورية التأثير ... من الإخلاص والإيمان وتقديم مصالح الهدف الأعلى الإلهي على كل مصلحة .وبالتالي فهي تقتضي فعل كل ما هو مشروع ومطلوب في الشرع الإلهي ، وترك كل ما هو غير مشروع منه .ونعني بما هو مشروع وغير مشروع معناه الدقيق الشامل لمسؤوليات القيادة ، وليس لمسؤوليات الفرد الإعتيادي فقط.

وقد عرفنا أن هذه الصفة مما قامت عليه الضرورة في المذهب الإمامي ،ووافق عليه جملة من الباحثين العامة كإبن عربي في الفتوحات ، ومن تابعه بعض من تأخر عنه.

الخصيصة الثانية :أنه متى ما أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى إياه، كما نطقت بذلك الروايات ،وقد سبق أن بحثناه في تاريخ الغيبة الكبرى(1).

وقلنا أن هذه الخصيصة تعتبر من أعظم شرائط القيادة العالمية التي تكون بدونها متعذرة تماماً ،فإن الله تعالى حيث أوكل إلى المهدي (ع) هذه القيادة العامة ،وعلمنا أنه يجب في اللطف الإلهي ان يعطي الله عز وجل كل فرد منصوب لمهمة القدرة على تنفيذ تلك المهمة، أو أن يختار الفرد القادر لو أمكن .وبالتالي لابد من التساوق بين قابليات الفرد ومهامه ، لايختلف في ذلك الأنبياء عن الأولياء.


صفحة (473)
ـــــــــــــــــ


(1) ص515 وما بعدها .



وحيث تتوقف القيادة العالمية على خبرة واسعة جداً يتعذر الحصول عليها بأي تنظيم بشري أو أي جهاز الكتروني، وخاصة إذا كان المطلوب هو تطبيق العدل المطلق وضمان استمراره .إذن فيتعين صدق تلك الروايات وصحة مضمونها ،ووجود هذه الصفة للمهدي (ع) ،وهي أنه متى ما أراد أن يعلم أعلمه الله تعالى .

ومما يدعم ذلك بالنسبة إلى شخص المهدي (ع) ما أخرجه في البحار(1) عن السيد علي بن عبد الحميد في كتابه(الغيبة) بإسناده رفعه إلى أبي الجارو قال : قلت لأبي جعفر:

جعلت فداك، أخبرني عن صاحب هذا الأمر، قال: يمسي أخوف الناس ويصبح من آمن الناس .يوحي إليه جعفر. قال: يا أبا الجارود أنه ليس وحي نبوة .ولكنه يوحي إليه كوحيه إلى مريم بنت عمران ،وإلى أم موسى وإلى النحل . يا ابا الجارود ، إن قائم آل محمد لأكرم عند الله من مريم بنت عمران وأم موسى و النحل.

ويتم فهم هذه الرواية ضمن عدة نقاط:

النقطة الأولى : إن الوحي غير خاص بالأنبياء بل قد يشمل غيرهم أيضاً .وقد نص القرآن على عدة موارد من ذلك:

المورد الأول : إن مريم بنت عمران (ع) تلقت الوحي عن طريق الملائكة ،قال الله تعالى :

"وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ...إلى أن يقول :إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين"(2)

بل ظاهر إحدى الآيات أنها تلقت الوحي من الله تعالى مباشرة .

"قالت : رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر.: كذلك الله يخلق ما يشاء "(3)


صفحة (474)
ـــــــــــــــــ


(1) ص200 ج13.

(2) آل عمران : 3/ 42و45.

(3) آلعمران : 3/ 47.


فإنها خاطبت الله مباشرة فورد الجواب مباشراً أيضاً ، بحسب ظاهر العبارة .

المورد الثاني : إن أم موسى تلقت الوحي أيضاً .قال الله تعالى : "إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى "(1).

وقال عز وجل : " أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ..."(2)

المورد الثالث : الحواريون : وهو خاصة أصحاب النبي عيسى (ع) .

قال الله تعالى : "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي .قالوا آمنا ،واشهد بأنا مسلمون "(3)

ولم يكن الحواريون أنبياء أو رسلاً في حياة المسيح (ع) ، باعتراف المسيحيين أنفسهم .

المورد الرابع: النحل: فإنها تلقت الوحي بالتعليم بما يخص مصالحها وما يقيم لها حياتها .قال الله تعالى :

"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات ، فاسلكي سبل ربك ذللاً"(4).
وقد نصت الرواية على ثلاثة موارد من هذه الأربعة :


النقطة الثانية : إن نوع الوحي يختلف في هذه الموارد الأربعة .فهو في النحل ليس أكثر من الأسلوب الفطري لحياة النحلة نفسها ...كل ما في الأمر أنه بالنسبة إلى خالق الكون ، ليس اسلوباً (أعمى) بل هو مدبر بحكمة واتقان.

وأما أم موسى ، فلا نستطيع أن نقول أكثر من أنها قد (خطر) في بالها وقد فكرت بأن تضع ابنها في صندوق وتلقيه في النيل .فهي لم تشعر أنها فكرة ذاتية لها ليست (مستوردة) من أعلى . غير أن القرآن الكريم يخبرنا أنها إنما فكرت بذلك نتيجة للتسديد الإلهي.



صفحة (475)
ـــــــــــــــــ


(1) طه : 20/ 38. (2) القصص : 28/7.

(3) 5/ 111. (4) 16/69.



وأما بالنسبة إلى مريم والحواريين ، فظاهر القرآن الكريم ، ثبوت الوحي (لفظاً ومعنى) بالنسبة إليهم .مع احتمال أن يراد به (الإلهام) أيضاً ، وهو إلقاء المعنى في الذهن من دون لفظ ..فإنه من معاني الوحي لغة أيضاً.

وعلى أي حال ، فتشبيه الإمام المهدي (ع) بهؤلاء ، في الرواية لا يستدعي أكثر من ثبوت أقل المراتب له (ع) ،بمعنى أنه لا تثبت الزيادة إلا بدليل آخر.

النقطة الثالثة : لا شك أن المهدي (ع) من أعاظم الأولياء ، يكفينا أنه اختاره الله لتنفيذ غرضه الكبير من خلق البشر، وإنجاز العدل الكامل على وجه الأرض أفضل بكثير من مريم والحواريين وأم موسى فضلاً عن النحل .

النقطة الرابعة: إن كل صفة (كمالية) ثبت وجودها في الأقل شأناً، فهي ثابتة لا محالة في نظائره (باعتبارالمساواة) وفي الأفضل (باعتبارالأولوية) خذ مثلاً أن (الكاسب) إذا استطاع أن يشتري داراً ، فأحر (بالتاجر) أن يشتري مثلها أو أفضل منها ،أو إذا استطاع المتخرج من إحدى الكليات تأليف كتاب نافع ، فالحامل لشهادة الدكتوراه أولى بالقدرة على ذلك .

النقطة الخامسة : أنه يثبت من ذلك : أن أي مرتبة ثبتت في إحدى هذه الموارد ففي الإمكان ثبوتها للمهدي (ع) بالأولوية .نعم ،(وقوع) ذلك لا يدل عليه التشبيه – كما قلنا – إلا بأقل مراتبه ...ولكنه ليس هو المرتبة الضئيلة الثابتة للنحل على أي حال.

النقطة السادسة : إننا جعلنا هذه الرواية مؤيدة لقاعدة الإلهام بالنسبة إلى المهدي ، ولكنها لا تصلح وحدها دليلاً.

أولاً: إنها لا تدل إلا على وقوع أقل مراتب (الوحي) للمهدي (ع) .وهو – على كل حال – أقل من قاعدة الإلهام: إذا أراد الإمام أن يعلم أعلمه الله تعالى ذلك .

ثانياً : إنها مرفوعة ، بمعنى أنها مجهولة الراوي ، فلا تصلح للإثبات التاريخي .

ولكنها على أي حال تحتوي على نقطة قوة هي باختصاصها المهدي ، بخلاف الروايات الأخرى فإنها عامة لكل إمام معصوم . فتثبت الخصيصة الثانية للمهدي بالعموم ، لابالتنصيص .وإن كان العموم كافياً على كل حال.



صفحة (476)


الخصيصة الثالثة : تكامل القيادة في شخصه (ع) بدرجات أعلى من (مجرد) العصمة ....وإطلاعه على قوانين المجتمع والتاريخ البشري، بشكل لا يمكن لأحد غيره الإطلاع عليها .
كما سبق أن ثبتنا ذلك في التاريخ السابق(1)،وفي هذا التاريخ .


والقائد المعصوم عموماً ، قابل للقيادة العالمية ، إلا أن المهدي ببقائه الطويل ومعاصرته لمئات الأجيال البشرية ، طبقاً للفهم الإمامي ، تتكامل فيه صفة القيادة ،ويكون في إمكانه الوصول إلى الأهداف المنوطة به والموكولة إليه ، بشكل أسرع وأسها وأعمق .

القسم الثالث: الضمانات المنبثقة من صفات أصحابه عليه وعليهم السلام .

ونشير هنا إلى ما سبق أن عرفناه مفصلاً من شجاعتهم ولإخلاصهم للعقيدة والهدف ولإمامهم القائد (ع)، فإن كل ذلك يشكل نقطة قوة وضمانات لإنتصار المهدي (ع) ...

ونود هنا أن نشير إلى أمر آخر ، سبق أن أشرنا إليه ،وهو علمهم وفقاهتهم وحسن تدبيرهم لأمور المجتمع... وقد سمعنا وصفهم في الروايات بأنهم ، النجباء والفقهاء ، وهم الحكام وهم القضاة (2).

وسيأتي في الفصل الآتي التعرض إلى طريقة حصولهم على مثل هذا العلم الواسع المدبر للعالم، وأما هنا، فأود أن أبين وجه الحاجة إلى مثل هذا العدد الكبير من الفقهاء والحكام ، بحيث لو كانوا يمثلون بعض هذا العدد أو بعض هذه الثقافة ، لما أمكن نجاح الدولة المهدوية العالمية ، ومن هنا كان اتصافهم بهذه الصفات وهذا العدد من أهم ضمانات نجاح التطبيق العالمي.

ومن هنا – أيضاً ـ اقتضى التخطيط السابق على الظهور إيجادهم لإنجاح هذه التجربة ، لمشاركتهم – أولاً – بصفتهم قادة عسكريين في الفتح العالمي ومشاركتهم – ثانياً- بصفتهم رؤساء وحكاماً لمناطق العالم وأقاليمه في الدولة العالمية .



صفحة (477)
ـــــــــــــــــ


(1) انظر ص514 وما بعدها ،وانظر ص517 أيضاً.

(2) انظر الملاحم والفتن ص171.



ويحتاج بيان هذا المقصود إلى تقديم عدة مقدمات :

المقدمة الأولى : أنه ثبت في الفقه الإسلامي ، أن رئيس الدولة لا بد أن يكون جامعاً لشرائط خاصة وحاصلاً على مؤهلات معينة ، لكي يكون أهلاً لتولي هذا المنصب الكبير،وكذلك لابد أن يكون القاضي جامعاً لشرائط معينة لكي يكون نافذ الحكم في نظر الإسلام ، وقابلاً لحل مشاكل المرافعات بين الناس.

وأهم هذه الشرائط المشتركة بين الحاكم والقاضي معاً : العدالة والفقاهة .ويراد بالعدالة درجة كبيرة من الإخلاص والإستعداد للتضحية ، تكف صاحبها عن العصيان وعن التمرد عن تعاليم الله ،ويراد بالفقاهة الإطلاع عل احكام الشرع الإسلامي إطلاعاً واسعاً ،يسمى بالإجتهاد في لغة الفقه لما قبل الظهور.

المقدمة الثانية : إن القدرة الفردية ،مهما كانت كبيرة وعميقة ،فهي قاصرة عن أن تباشر الحكم في العالم كله بمفردها بحيث يكون لها مباشرة البت في كل الوقائع الجزئية من شؤون الأفراد والمجتمع .لأنها تعد بالملايين في الساعة الواحدة ،فضلاً عن اليوم الواحد، فالأكثر منه :وقد سبق أن قربنا ذلك .

نعم، يمكن للمعجزة أن تذلل ذلك ، فتعطي للفرد طاقة غير محدودة ،إلا أن مثل هذه المعجزة لا يمكن افتراضها في حق الإمام المهدي لكونها مخالفة لقانون المعجزات ،وذلك :لأجل وجود البديل الواضح لها ،وهو مباشرة الحكم العالمي عن طرق الأفراد الكثيرين المتمثلين بأصحابه الممحصين ،وإذا كان للمعجزة بديل طبيعي لم يكن لها مجال للتحقق والوقوع.

المقدمة الثالثة : إن المناطق التي يحتوي عليها العالم المسكون كثيرة يكفينا من ذلك أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الآن يزيد عددهم على المئة بأكثر من عشرة .وهناك مناطق او دول غير مشاركة في هذه الهيئة العالمية ، ككل المستعمرات وأغلب جزر المحيطات والمناطق القطبية.

هذا مضافاً إلى أن بعض الدول شاسعة المساحة جداً ، كالصين والإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها .فلو حصلت المصلحة في تقسيم هذه الدول إلى عدة أقاليم في الدولة العالمية ، حصلنا على عدد متزايد من الدول مع ضمها إلى ما سبق . بحيث يمكن أن تصل أقاليم الدولة العالمية إلى مئتين.

المقدمة الرابعة : أنه ليست الحاجة مقتصرة في كل منطقة على خصوص شخص الرئيس الذي يحكمها ، بل تحتاج المنطقة أو الأقليم إلى جهاز إداري وقضائي كامل يكون كل الأشخاص الرئيسيين فيه متصفين بالأهلية التي عرفناها ...بما فيهم الرئيس والوزراء والمدراء العامين والقضاة ،وكل من كان بمنزلتهم وأهميتهم في الدولة.



صفحة (478)


يتضح من هذه المقدمات وجه الحاجة إلى هذا العدد : الثلاثمائة والثلاثة عشر من القادة والفقهاء والحكام والقضاة .إن لم نقل أنه رقم يقل عن الحاجة بقليل أو بكثير فإننا لو سرنا على حسابنا السابق ، فاعتبرنا لكل إقليم من الأقاليم المائتين عشرة أشخاص مؤهلين بالدرجة العالية ،كانت الحاجة مقتضية لوجود ألفي شخص من هذا القبيل.

غير أننا ينبغي أن نلفت إلى ان الصفات العليا لا ينبغي أن نتوخاها في كل إقليم إلا لشخصين هما الرئيس الأعلى والقاضي الأعلى ،وأما الباقون فيمكن اتصفاهم بنفس الصفات بدرجة أقل ،فإذا لم تبلغ أقليم الدولة العالمية إلى مئتين بل اقتصرت على مئة وخمسين مثلاً .فتكون الحاجة مقتضية لوجود ثلاثمائة من ذوي المؤهلات العالية ، لا أكثر.

ويبقى من هؤلاء الخاصة ثلاثة عشر، ربما يتولون مهام الحكم المركزي في العالم إلى جنب الإمام المهدي نفسه .وقد نصت الروايات التي سنسمعها في الفصل لقادم على وجود اثني عشر نقيباً من هؤلاء مع الإمام نفسه .والعدد الذي استنتجناه تقريبي على كل حال.

هذا ، وستتم تغطية الحاجة في أشخاص الوزراء والمدراء وباقي القضاة وغيرهم، من الأفراد المتصفين الدرجة الثانية من درجات الإخلاص التي عرفناها .فإنها مساوقة مع وجود العدالة والفقاهة ببعض مراتبها أبضاً ، بالمقدار الذي يؤهل المتصفين بها إلى تولي هذه المناصب.

وعلى أي حال، فإذا استطعنا أن نعتبر كل صفة من صفات الإمام المهدي ضماناً مستقلاً للتطبيق العادل الذي نتحدث عنه ...لوضوح أنه لو تخلف أي واحد منها كان موجباً لفشل التجربة العالمية أو تضررها على أقل قدير ، فاعتبرنا عددهم ضماناً مستقلاً ،وعدالتهم المتمثلة بإخلاصهم للعقيدة والقائد ضماناً ثانياً ،وفقاهتهم ضماناً ثالثاً .وأضفناها إلى الضمانات السابقة زادت الضمانات المتوفرة للمهدي للبدء بالتطبيق العادل على عشرة.

ولسنا بحاجة – بعد هذا – إلى القول : بأن مجموع هذه الضمانات لا يمكن أن يتوفر لغير الإمام المهدي ،مهما كانت حركته قوية أو دولته واسعة ، أو قانونه عميقاً ،وسواء كان أساسه مصلحياً أو عقائدياً على مر التاريخ.



صفحة (479)


المستوى الثاني : في ضمانات دوام التطبيق واستراره ، بعد إنجازه واستتبابه لأول مرة ....سواء في حياة الإمام المهدي او بعده .

وهي – أيضاً ـ عدة ضمانات ، ندركها الآن بوضوح:

الضمان الأول: إتضاح صحة التجربة المهدوية العالمية أمام الناس أجمعين، أو أمام الرأي العام العالمي بالتعبير المعاصر... ومدى السعادة والرفاه الذي يعيشه المجتمع نتيجة لهذه التجربة وهذا التطبيق.

وهذا الوضوح يجعل الناس تلقائياً مؤيدين لبقاء واستمرار نظام المهدي أطول مدة ممكنة ،ومدافعين عن ذلك بما يملكون من رأي وسلاح.

وينبغي هنا أن نلفت إلى أنه عند اتضاح صحة التجربة المهدوية ، تخرج (الأطروحة العادلة الكاملة) التي يطبقها عن كونها مجرد أطروحة .فإن الأطروحة ما تكون محتملة الصحة ...وسيكون ذاك التطبيق العالمي الكامل لها مثبتاً لجدارتها وصحتها وحسن نتائجها بالحس والعيان .

الضمان الثاني: اتضاح مدى الإنسجام الذي حصل بين أفراد المجتمع ، والأخوة التي سادتهم ،والطمأنينة والسلام المسيطرة على ربوعهم ... ربوع البشرية كلها.

وهذا الوضوح له نفس الأثر النفسي السابق بطبيعة الحال .وسنعرف تفاصيلها في فصل آت من هذا الباب يتعلق بإنجازات المهدي في دولته على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي .

الضمان الثالث : تربية أجيال الأمة ... والأمة يومئذ تمثل البشرية كلها ....تربية صالحة ،وتكميل إيمانها وإخلاصها ، عن طريق التربية المركزة المستمرة ، تكميلاً يجعلها لا ترضى عن إطاعة حكم الله وتنفيذ عدله الكامل ، بديلا.

ومعناه – على وجه التعيين – أنه ستتمسك بحرارة نظامها المهدوي الجديد بصفته ممثلاً لعدل الله وشريعته .

الضمان الرابع : تربية جماعة من خاصة الناس وعظمائهم إيماناً وإخلاصاً وثقافة ، تربيتهم عن طريق التثقيف العميق والمستمر والنجاح في التمحيصات القوية المختلفة ، التي سوف نشير إلى بعضها ...تربيتهم لكي يكونوا أولياء صالحين لتولي مهام الرئاسة العالمية بعد المهدي ......أو تولي رئاسة المناطق المختلفة بعد رؤسائها المختلفين ، فيما إذا ماتوا أو انعزلوا أو نقلوا.



صفحة (480)


وواضح أن إيجاد هذا الضمان ضروري لإستمرار نظام الحكم المهدوي ، وإلا فسيكون نظامه منوطاً بشخصه، ولا يكون قابلاً للبقاء بعده ... إذا لم يكن هناك من يباشر السير فيه إلى نتائجه المطلوبة .

والفرق – بطبيعة الحال – موجود بين نتائج حكم المهدي ونتائج حكم خلفائه، للفرق الشاسع بينه وبينهم ،من حيث درجة تكامل القيادة لديه ولديهم .وهذا ما سنتعرض له في الباب الأخير من هذا التاريخ إلا أن أصل النظام يبقى موجوداً ومستمراً بإعتبار الدفع الثوري الفكري والإجتماعي والتشريعي الذي يوجده المهدي بين البشر، ذلك الدفع الذي تقوم الدولة بعد المهدي بانتهاجه ، وتربية البشر تربية مركزة على أساسه.

فهذه هي الضمانات المهمة التي ندركها لإستمرار التطبيق العالمي ...مع أخذ بعض الضمانات التي ذكرناها لإبتداء التطبيق بنظر الإعتبار هنا أيضاً فإنها تكون مؤثرة في كلا الحقلين ، كما لايخفى على القارىء اللبيب .

صفحة (481)




مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 07:21 PM   #25
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل الرابع
قيادات أصحابه ومقدار قابلياتها

تمهيد :
سبق أن عرفنا بكل تفصيل عدد اصحاب الإمام المهدي من المخلصين الممحصين ،ودرجة إيمانهم وإخلاصهم لعقيدتهم وقائدهم...ومقدار شجاعتهم وإقدامهم على التضحيات الجلى في سبيل الله تعالى... ومقدار مشاركتهم وتأثيرهم في الفتح العالمي العادل.
وعرفنا أيضاً، أن عدد اصحابه غير منحصر بهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر، بعد أن دلت الرويات أن نواة جيشه الأولى التي تجتمع في مكة في اول الظهور ، لا تقل عن عشرة آلاف إنسان ، فضلاً عمن يصل إليه بعد ذلك.
ودلت القواعد العامة على ان التخطيط الإلهي لعصر ما قبل الظهور ينتج ثلاثة مستويات من الإخلاص ،كلهم سيكونون من أصحابه – بشكل وآخر – ويكون المخلصون من القسمين الأولين قابلين لتولي أهم الأعمال في دولة الإمام المهدي.
هذا، وينبغي أن ننظر إليهم الآن، بصفتهم أناساً يباشرون الأعمال الهامة والحكم تحت إشراف الإمام، وتنظيمه لهم في العالم.
وينفتح الحديث حول ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى : في إيراد ما دار حول ذلك من الأخبار:
أخرج القندوزي في الينابيع(1) عن أبي بصير ، قال ، جعفر الصادق رضي الله عنه:
ما كان قول لوط (ع) لقومه : "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " إلا تمنياً لقوة القائم المهدي وشدة أصحابه .وهم الركن الشديد . فإن الرجل منهم يعطى قوة أربعين رجلاً ، وإن قلب الرجل منهم أشد من زبر الحديد .لو مروا على الجبال لتدكدكت .لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عزوجل.

صفحة (483)
ـــــــــــــــــ
(1) ص509 ط النجف
واخرج في البحار(1) الحديث الذي سبق أن رويناه ، بالإسناد إلى الفضيل بن يسار عن أبي عبدالله (ع) ،وفيه يقول:
يتمسحون بسرج الإمام (ع) يطلبون بذلك البركة. ويحفون به يقونه بأنفسهم في الحروب ويكفونه ما يريد ، فيهم رجال لا ينامون الليل لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل .يبيتون على اطرافهم ويصبحون على خيولهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار . هم أطوع له من الأمة لسيدها. وهم من خشية الله مشفقون .
وأخرج أيضاً (2) عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال:
كاني بأصحاب القائم وقد أحاطوا ما بين الخافقين .ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم.
وأخرج أيضاً (3) عن عبد الأعلى الحلبي عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل يقول فيه :
فيبعث "يعني المهدي" الثلاثمائة والبضعة رجلاً إلى الآفاق كلها . فيمسح بين اكتافهم وعلى صدورهم فلا يتعايون في قضاء ولا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله. وهو قوله تعالى " وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون "(4) ... الحديث

صفحة (484)
ـــــــــــــــــ
(1) ج13 ص180. (2) المصدر ص185.
(3) المصدر ص188- 189. (4) آل عمران : 3/83.
وأخرج النعماني(1) بإسناه عن هارون العجلي ، قال: قال أبو عبد الله (ع) :
أن صاحب هذا الأمر محفوظ له أصحابه لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه .وهم الذين قال الله عزوجل : فإن يكفر بها هؤلاء ، فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين"(2) وهم الذين قال الله فيهم" فسوف يأتي االله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " (3).
واخرج أيضاً عن عبد الله بن حماد الأنصاري عن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال:
إذا قام القائم بعث في اقاليم الأرض (في الأقاليم بأسرها) في كل إقليم رجلاً يقول : عهدك في كفك ،فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولاتعرف القضاء فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ... الحديث.
وما أخرجه ابن طاوس في الملاحم والفتن(4) في حديث طويل عن أبي بصير عن جعفر بن محمد – يقول فيه : فقال أبو بصير : جعلت فداك ليس على ظهرها مؤمن غير هؤلاء (يعني الثلاثمائة والثلاثة عشر) ؟ قال:بلى ،ولكن هذه العدة التي يخرج فيها القائم (ع)، وهم النجباء والفقهاء وهم الحكام والقضاة الذين يمسح بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم (عليكم) حكم.
وما أخرجه في الإرشاد (5) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال:
يخرج مع القائم (ع) من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً خمسة عشر من قوم موسى (ع) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسلمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر ، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً .

صفحة (485)
ـــــــــــــــــ
(1) الغيبة للنعماني :ص 170. (2) الأنعام : 6/89.
(3) المائدة : 5/ 57. (4) الغيبة ص172.
(5) ص171. (6) ص344.وانظر أيضاً أعلام الورى للطبرسي ص423.

وأخرج المجلسي في البحار(1) عن المفصل بن عمر عن الإمام الصادق (ع) في حديث عن أصحاب المهدي (ع) قول فيه : وهم أصحاب الألوية ،وهم حكام الله في أرضه ..... الحديث .
وقد ورد في (خطبة البيان) التي عرفناها فيما سبق وأطلعنا على نقاط ضعفها ، ماينفع بهذا الصدد ، فلا ينبغي إهماله بأي حال.
حيث ورد في النسخة الثانية من هذه الخطبة(2) ما يلي:
ثم يولي (يعني) المهدي (ع) مكة جابر بن الأصلح ويقبله العوام بالأبطح ، فيرجع من العيلم ويقتل المشركين في الحرم .ثم يولي رماع بن مصعب ،ويقصد المسير نحو يثرب، فيعقد لزعماء جيوشه ورايته ويقلد أصفياء أصحابه مقاليد ولايته ،ويولي شبابه وافر والحسين بن ثميلة وغيلان بن أحمد وسلامة بن زيد أعمال الحجاز وأرض نجد ،وهم من المدينة.
ويولي حبيب بن تغلب وعمارة بن قاسم وخليل بن أحمد وعبد الله بن مضر. وجابر بن فلاح أقاليم اليمن والأكامل وهم من أعراب العراق.
ويولي محمد بن عاصم وجعفر بن مطلوب ،وحمزة بن صفوان وراشد بن عقيل ومسعود بن منصور وأحمد بن حسان ، أعمال البحرين وسواحلها وعمان جزاريها .وهم من جزاير هز.
ويولي راشد بن رشيد وحزيمة بن عوام وهلال بن همام وعبد الواحد بن يحيى والفضل بن رضوان وصلاح بن جعفر والحين بن مالك . الحبشة وجزاير الكراديس .وهم من مشارق العراق .
ويولي أحمد بن سعيد وطاهر بن يحيى واسماعيل بن جعفر ويعقوب بن مشرك وغيلان بن الحسين وموسى بن حارث حبشه وأقاليم المراقش .وهم من الكوفة.
ويولي إبراهيم بن أعطى والحسين بن علاب وأحمد بن موسى وموسى بن رميح ويميز بن صالم ويحيى بن غانم وسليمان بن قيس ، مصادر الجذلان وأعمالالدفولة ،وهم من أرض قوشان.
صفحة (486)
ـــــــــــــــــ
(1) ص185
(2) الزام النصيب ص207 وما بعدها
ويولى طالب بن العالي وعبد العزيز بن سلهب بن مرة ،وهشام بن خولان وعمر بن شهاب وجيار بن أعين وصبيح بن مسلم ، أقاليم الأدنى وجزاير الكتايب ،وهم من نواحي شيراز.
ويولى أحمد بن سعدان ويوسف بن مغانم وعلي بن مفضل وزيد بن نضر والجراد بن أبي العلا وكريم بن ليث وحامد بن منصور ، أقاليم الحمير وجزاير الرسلات ،وهم من بلاد فارس.
ويولى العمار بن الحارث ومحمد بن عطاف وجمعة بن سعد وهلال بن داودية وعمر بن الأسعد جزاير مليبار وأعمال العماير ،وهم من قرى العراق الأعلى.
ويولي الحسن بن هشام والحسين بن غامر وعلي بن رضوان وسماحة بن بهيج ، الشام والأردنا ،وهم من مشارق لبنان.
ويولي الجيش بن أحمد ومحمد صالح وعزيز بن يحيى والفضل بن اسماعيل الشام الأقصى والسواحل من قرى الشام الأوسط.
ويولي محمد بن أبي الفضل وتميم بن حمزة والمرتضى بن عماد بن طاهر وأحمد بن شعبان ، بأقاليم مصر وجزاير النوبة .وهم من أرض مصر .
ويولي الحسن بن فاخر وفاضل بن حامد ومنصور بن خليل وحمزة بن هريم وعطا الله بن حياة وواهب بن حيار ووهب بن نصر وجعفر بن وثاب ومحمد بن عيسى ،وتفور،وسايط النوبة وأعمال الكرود ،وهم من بلد حلوان.
ويولي أحمد بن سلام وعيسى بن جميل وإبراهيم بن سلمان وعلي بن يوسف ،اعمال نواحي جابلقا وسواحلها ،وأعمال مفاوز .وهم من الأزد.
صفحة (487)
ويولي ثابت بن حبيب وموسى بن نعمان وعباس بن محفوظ ومحمد بن حسان والحسين بن شعبان ، جزاير الأندلس وافريقيا . وهم من نواحي الموصل.
ويولي أبو يحيى بن حامد وبنهان بن عبيد وعلي بن محمود وسلمان بن علي بن ترخان ،نواحي المراكش وثغور المصاعد ومروجة النخيل .وهم من ارض خراسان.
ويولي داود بن المخبر ويعيش بن أحمد وأبا طالب بن اسماعيل وابراهيم بن سهل ، ديار بكر ومشارق الروم. وهم من نصيبين وفارقين .
ويولي حمام بن جرير وشعبان بن قيس وسهل بن نافع وحمزة بن معفر ، أقاليم الروم وسواحلها . وهم من فارس.
ويولي علقمة بن ابراهيم وعمران بن شبيب والفتح بن معلا وسند بن المبارك وقايد بن الوفا ومصفون بن عبد الله بن مفارق ،قسطنطينية وسواحل القفجاق، وهم من أصفهان.
ويولي الأخوين محمد وأحمد بني ميمون العراق الأيمن .وهما من المكين . ويولي عروة بن مطلوب وابراهيم بن معروف العراق الأيسر ، وهما من أهواز.
ويولي سعد بن نضار ونزار بن سلمان ومعد بن كامل ، بلاد فارس وسواحل هرمز وهم من همدان.
ويولي عيسى بن عطاف والحسين بن فضال عراق الري والجبال .وهم من قم.
ويولي نصير بن أحمد وعباس بن تنفيل وطايع بن مسعود أعمال الموصل ومصادر الأرمن .وهم من قرى فرهان.
ويولي الأمجد بن عبد الله وأسامة بن ابي تراب ومحمد بن حامد وسفيان بن عمران والضحاك بن عبد الجبار والمنيع بن المكرم ، بلاد خراسان وأعمال النهرين . وهم من مازندران.
ويولي المفيد بن أرقم وعون بن الضحاك ويحيى بن يرجم واسماعيل بن ظلوم وعبد الرحمن بن محمد وكثار بن موسى ، جبال الكرخ وأقاليم العلان والروس ، وهم من بخارى.
صفحة (488)

ويولي عبد الله بن حاتم وبركة بن الأصيل وأبو جعفر بن الزرارة ، وهارون بن سلطان وسامر بن معلا، المالق ونواحي جين والصحارى. وهم من مرو.
ويولي رهبان بن صالح وعمارة بن حازم وعطاف بن صفوان والبطال بن حمدون وعبد الرزاق بن غيشام وحامد بن عبادة ويوسف بن داود والعباس بن ابي الحسن ، اقاليم الديلم والقماقم ثغور الشقاقش والغيلان. وهم من سمرقند.
ويولي مطاع بن حابس ومحمودبن قدامة وعلي بن قينن وضيف بن اسماعيل والفصيح بن غيث بن النفيس وماجد بن حبيب والفضل بن ظهر وغياث بن كامل وعلي بن زيد ، مداين الخطا وجبال الزوابق واعمال الشجارات ،وهم من قم.
ويولي يعقوب بن حمزة ومحمد بن مسلم وثابت بن عبد العزيز والحسين بن موهوب واحمد بن جعفر وابا اسحق بن نضيع ، مغاليق الضوب وقرى القواريق .وهم من نيشابور.
ويولي الحسن بن عباس ومريد بن قحطان ومعلى بن ابراهيم وسلامة بن داود ومفرج بن مسلم ومعد بن كامل، بلاد الكلب ونواحي الظلمات .وهم من القرى.
ويولي فضيل بن أحمد وفارس بن أبي الخير وأسد بن مراحات وباقي ابن رشيد و رضى بن فهد . وعباس بن الحسين والقاسم بن أبي المحسن والحسين بن عتيق ، السدود وحيالها ،وهم من نواحي خوارزم .
ويولي فضلان بن عقيل وعبد الله بن غياث وبشار بن حبيب وسعد الله بن واثق وفصيح بن أبي عفيف والمرقد بن مرزوق وسالم بن أبي الفتح وعيسى بن المثنى .أقاليم الضحضح ومناخر القيعان . وهم من قلعة النهر.
صفحة (489)
ويولي الزاهد بن يونس وعصام بن أبي الفتح وعبد الكريم بن هلال ومؤيد بن قاسم وموسى بن معصوم والمبارك بن سعيد وعزوان بن شفيع وعلامة بن جواد ، أقاليم الغربين وأعمال القراعر ، وهم من الجبل.
ويولي محمد بن قوام وجعفر بن عبد الحميد وعلي بن ثابت وعطا الله ابن احمد ، وعبد الله بن هاشم وإبراهيم بن شريف وناصر بن سليمان ويحيى بن داود وعلي بن الحسين ، أقاليم المعابد وجبال الملابس .وهم من قرى العجم.
ويختار الأكابر من السادات الأعمال العارفين لإقامة الدعائم، منهم اثني عشر رجلاً.وهم : محمد بن أبي الفضل وعلي بن أبي غابر والحسين ابن على وداود بن المرتضى واسماعيل بن حنيفة ويوسف بن حمزة وعقيل بن حمزة وعقيل بن علي وزيد بن علي وجابر بن المصاعد ،ويوليهم جابرسا وأقاليم المشرق ويأمرهم بإقامة الحدود ومراعات العهود.
ثم يختار رجالاً كراماً أحراراً اتقياء أبراراً ،وهم معصوم بن علي وطالب بن محمد وادريس بن عبيد وابراهيم بن مسلم وحمزة بن تمام وعلي بن الحسين ونزار بن حسن والأشرف بن قاسم ومنصور بن تقي وعبد الكريم بن فاضل واسحاق بن المؤيد وثواب بن أحمد .ويوليهم جابرقا وبلاد المغرب ،ويأمرهم بما أمر به أصحابهم.
ثم يختار اثني عشر رجلاً ،وهم طاهر بن أبي الفرج وسعد بن الكامل ولوي بن حرث ومحمد بن ماجد ورضي بن اسماعيل وظهير بن ابي الفجر وأحمد بن الفضيل والركن بن الحسين ، ويوليهم الشمال وأعمال الروم. ويأمرهم بما أمر به من تقدمهم من الصديقين .
ثم يختار اثني عشر رجلاً نقياً من العيوب، وهم: اسماعيل بن ابراهيم ومحمد بن ابي القاسم ويوسف بن يعقوب وفيروز بن موسى والحسين بن محمد وعلي بن ابي طالب وعقيل بن منصور وعبد القادر بن حبيب وسعد الله بن سعيد وسليمان بن مرزوق وعبد الرحمن بن عبد المنذر ومحمد بن عبد الكريم .ويوليهم جهة الجنوب وأقاليمها ويأمرهم بما أمر به من يقدمهم (تقدمهم) .
صفحة (490)
ثم بعد ذلك يقيم الرايات ويظهر المعجزات ، ويسير نحو الكوفة ... الحديث .
وينبغي أن نتحدث عن هذه الأخبار في الجهات التالية :
الجهة الثانية : بعض نقاط الضعف في خطبة البيان ، غير النقاط العامة التي عرفناها والتي تسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي .
النقطة ألاولى : إن مقتضى الفهم العام للروايات الأخرى ، هي ان الخاصة الثلاثمائة والثلاثة عشر، ثم سيقومون بالقيادة العسكرية الرئيسية منذ فتح العالم، وسيكونون هم أنفسهم الحكام الذين يوزعهم الإمام المهدي على مناطق العالم ،وأوضح ما دل على ذلك من الروايات قوله: "وهم الحكام والقضاة والفقهاء ". مضافاً إلى أنهم الصفوة الذين هم في أعلى درجات الإخلاص من الجيل المعاصر يومئذ من البشر أجمعين ،فلن يجد المهدي ـ عادة ـ غيرهم لتولي الحكم في العالم تحت إشرافه وقيادته.
وأما خطبة البيان ، فيمكن فهم خلاف ذلك منها .حيث دلتنا النسخة الأولى منها على أسماء الخاصة بصفتهم يجتمعون للإمام في أول ظهوره ويبايعونه وينصرونه.
ودلتنا النسخة الثانية من الخطبة على أسماء الحكام الذين يوزعهم لمهدي في أقاليم الأرض .وهو مانقلناه قبل قليل .وقد نقلنا الأسماء الواردة في النسخة الأولى عند الحديث عن بيعة المهدي .
وبعد ضم النسختين إلى بعضهم، نستنتج بوضوح أن الخاصة الذين يبايعونه ليسوا هم الخاصة الذين يمارسون الحكم تحت قيادته .مع العلم أنه ليس هناك أي اشتراك بين الأسماء في النسختين ، كما هو واضح لمن يراجعهما ،وهذا على خلاف النتيجة التي ثبتت عندنا فيما سبق.
وقد يخطر في الذهن :أننا لا نستطيع ضم النسختين إلى بعضهما بعد العلم أن كليهما لم يصدرا من الإمام علي بن ابي طالب أمير المؤمنين عليه السلام .وإنما تعددت النسخ في طريق الرواية فقط.
وجواب ذلك: إن دلالة خطبة البيان على أن الحكام هم غير الخاصة الذين يبايعونه لأول مرة ،كما يمكن أن نفهمه عند ضم النسختين ، بعد العلم أن قيمة الإثبات التاريخي لأي منهما مساوية للأخرى ... يمكن أن نفهمه أيضاً بضم النسخة الثانية التي ذكرناها في هذا الفصل إلى الروايات الأخرى التي سمعناها هناك والتي لم نسمعها أيضاً ، مما ورد فيه تعداد أسماء الخاصة الذين يبايعون المهدي لأول مرة .فإن أياً من تلك الروايات غيرمطابقة مع هذه النسخة الثانية .فتدل هذه النسخة بعد ضمها إلى أي من تلك الروايات على أن هؤلاء الحكام الذين ذكرتهم هم غيراؤلئك الخاصة ، وهي خلاف النتيجة التي عرفناها.
صفحة (491)


النقطة الثانية : إن هذه النسخة من خطبة البيان دالة بوضوح ، على أن الإمام المهدي يعين هؤلاء الحكام قبل وصوله إلى الكوفة لأول مرة .وهذا معناه أنه يعينهم قبل سيطرته على عل العراق فضلاً عن باقي العالم. وقد سمعنا فيما سبق أنه إنما سبق أنه إنما يبث الجيوش بعد وصوله إلى الكوفة .
وهذا المضمون لا يبدو صحيحاً ، لورود اعتراضين عليه:
الإعتراض الأول: أن تعيين الحكام يومئذ لا يعني إرسالهم إلى المناطق التي جعلوا فيها ، لوضوح أن السيطرة لن تتم على أي شيء من هذه المناطق إلى حد الآن .فلا بد أن يفترض أنه تعيين (نظري) لأجل إنجازه بعد الوصول إلى تلك المناطق .وهذا بعيد ، باعتبار كونه تعييناً قبل وقت الحاجة .وإنما يحتاج إلى التعيين في كل منطقة بعد السيطرة على المنطقة بطبيعة الحال .ما لم تكن هناك مصالح إضافية في نظر الإمام لهذا التعيين (النظري) ... والله العالم.
الإعتراض الثاني: معارضة رواية خطبة البيان ، بما دل من الروايات على ان تعيين الحكام يتم في الكوفة نفسها ... كالرواية التي نقلنا قسماً منها عن المجلسي في البحار.
فإنه يذكر دخول المهدي إلى العرق أولاً ،ومنازلته للسفياني واستتباب الأمر هناك ... ثم يذكر تحديه للروم – وهو صورة من صور الفتح العالمي – ويقول: ثم يرجع إلى الكوفة ، فيبعث الثلاثمائة عشر والبضعة رجلاً إلى الآفاق كلها .. الحديث .
وهذه الرواية تفيدنا أيضاً من زاوية أن الحكام الذين يرسلهم المهدي هم اؤلئك الخاصة الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً ،وليسوا أشخاصاً آخرين ،كما دلت عليه خطبة البيان .
النقطة الثالثة : إن رواية خطبة البيان تحتوي على خطأين في الترقيم .
الخطأ الأول: أنه يقول : ويختار الأكابر من السادات الأعمال العارفين لإقامة الدعائم ،منهم اثني عشر رجلاً ... ويعد عشرة فقط .وهم المسؤولون عن أقاليم المشرق من العالم .
الخطأ الثاني : أنه يقول : ثم يختار اثني عشر رجلاً ، ثم يعد ثمانية فقط !! وهم المسؤولون عن جانب الشمال من العالم .
صفحة (492)
وهذا خطأ واقع لا مناص منه ،إلا أنه خطأ في الرواية والنقل ، حيث اسقط الرواة الأشخاص الآخرين سهواً. وأما الخطبة في الواقع فهي – على تقدير صحتها- ليست ناقصة بطبيعة الحال.
النقطة الرابعة : إن تقسيم المناطق على الحكام قابل للمناقشة على عدة جهات:
الجهة الأولى : التكرار في المناطق خلال الرواية اما بنفس اللفظ أو بلفظ آخر .
فالحبشة تكررت مرتين بهذا اللفظ ، ومرتين بلفظ النوبة.
مع العلم ان الحبشة والنوبة اسمان لبلاد واحدة في افريقيا ، وتكررت (الروم) مرتين .وتكرر (المغرب) مرتين، تارة بلفظ (جابلقا) وأخرى بلفظ (جابرقا) وهي أكبر مدن المغرب(1) أو جهة المغرب في بعض اللغات.
الجهة الثانية : أنه بينما نريد أن التعيين يتم في مناطق العراق وإيران وشبه الجزيرة بكثرة ...نرى إلى جانب ذلك أن مناطق شاسعة ليس لها إلا القليل من الأشخاص كإفريقيا ،وجهات الجنوب كأستراليا وأمريكا الجنوبية.
الجهة الثالثة: أن عدداً من المناطق المذكورة في الرواية غير معروفة على الإطلاق وغير موجودة في المصادر والأطلس.
نعم ، يمكن في بعضها فهم المناطق من زاوية اللغة القديمة المعاصرة لزمن صدور النص .فقوله(أقاليم الأدنى) يراد بها الأقاليم الشرقية القريبة من الشرق الأوسط كأفغانستان وباكستان والجمهوريات الأسيوية الجنوبية من الأتحاد السوفيتي.
ويراد بوسايط النوبة ، مايصطلح عليه باللغة الحديثة بوسط افريقيا.ويراد ببلاد الروم ، أوروبا على العموم. ويراد بديار بكر ومشارق الروم ، آسيا الصغرى وشرق اوروبا ،وهي التي تحت الحكم الشيوعي في العصرالحاضر .والجين بالجيم الفارسية هو الضين باللغة الحديثة .ويراد بنواحي الظلمات امريكا بأقسامها الشمالية والوسطى والجنوبية باعتبارها واقعة وراء بحر الظلمات وهو المحيط الأطلسي باللغة الحديثة .
هذا ، ولكن يبقى بعد ذلك عدد من المناطق غير المعروفة ، كما لا يخفى .

صفحة (493)
ـــــــــــــــــ
(1) قال في مراصد الإطلاع : هي مدينة بأقصى المغرب :ج1 ص304
الجهة الثالث من هذا الفصل:
في تقديم فهم عام لهذه الروايات ، قبل الوصول إلى التفاصيل الآتية :
تقسيم خطبة البيان العالم إلى تقسمين:
التقسيم الأول: وهو الأشمل والأوسع ،وهو تقسيم العالم كله إلى أربع مناطق:
شمال وجنوب وشرق وغرب .... يعين لكل منطقة (لجنة) مكونة من اثني عشر رجلاً من الأتقياء الأبرار الصالحين .
وأما تطبيق هذه المناطق على العالم ، فلا تنطق به الرواية ،ومن الصعب تطبيقه إلى حد ما ... غير أن افضل ما نفهمه بهذا الصدد هو أم هذا التطبيق موكول إلى نظر القائد المهدي طبقاً لما يرى من المصلحة.
التقسيم الثاني : تقسيم العالم إلى مناطق اصغر من ذلك .وقد يكون الحكام المعنين فيها أقل من درجات الإيمان من اؤلئك ...بدليل على أن الرواية دلت على مدح اؤلئك دون هؤلاء.
كما أن مقتضى هذين التقسيمين هو أن يكون الحاكم للمنطقة (الصغيرة) تابع في مسؤولياته إلى الحاكم للمنطقة (الكبيرة).
وهذ ا التقسيم الثاني هو المشار إليه في الروايات الأخرى ، مع شيء من الإختلاف ، فإن خطبة البيان تنص على تعيين (لجنة) في كل إقليم .بخلاف الروايات الأخرى فإنها تنص على أنه (إذا قام القائم بعث في اقليم الأرض ، في كل إقليم رجل" . على انه من الممكن صدق كلا الروايتين ، فإن الحاكم الرئيسي أكثر من ذلك بطبيعة الحال.
وبذلك يصبح أصحاب الإمام المهدي القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين .ليس من شيء إلا هو مطيع لهم . "ولا تبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة ،أن لا إله إلاألله وحده لا شريك له .وان محمداً رسول الله " وطبقت فيها ألأطروحة العادلة الكاملة .
وسيتم تعيين حاكم مكة المكرمة بمجرد الخروج منه الأول ،وإذا كان المهدي سيسيطر على البلاد هناك قبل دخوله العراق ، فسيتم تعيين الجماعة التي تحكم نجد والحجاز ،وأما باقي الحكام فسيتم تعيين الجماعة التي تحكم نجد والحجاز .وأما باقي الحكام سيتم تعيينهم بالكوفة ،كما رجحنا تبعاً لوجود الحاجة إلى التعيين .ومعه فمن الممكن القول سيكون تدريجياً ، تبعاً لسيطرة المهدي(ع) بالتدريج على العالم .
صفحة (494)
وقد رجحنا فيما سبق أن تقسيم العالم سيكون إلى مئة وخمسون إقليماً عل أقل تقدير، وستكون الحاجة ملحة عندئذ إلى استعمال الثلاثمئة والثلاثة عشر كلهم في الحكم مع إضافات أخرى من ذوي الإخلاص الأدنى من ذلك .ومن المعلوم ان المنطقة كانت أصغر كان مباشرة الحكم وتطبيق العدل فيها أسهل .
وليس ما يخالف ذلك في الروايات إلا خطبة البيان، فإنها قسمت العالم – بالتقسيم الثاني – إلى خمسة وثلاثين إقليماً ، بعضها شاسع جداً حتى أنها اعتبرت إفريقيا كلها جزءاً من إقليم ، مضافاً إلى جزاير الأندلس.
يتراوح عدد أفراد (اللجنة) الحاكمة لكل إقليم – في الخطبة – بين خمسة إلى ثمانية ويكون مجموعهم مئة وسبعة وتسعين ...فإذا أضفنا إليهم الثمانية والأربعين الحاكمين طبقاً للتقسيم الأول كان المجموع مئتين وخمسة وأربعين الحاكمين طبقاً للتقسيم الأول كان المجموع مئتين وخمسة وأربعين .وهو ينقص عن عدد الخاصة بثمانية وستين فرداً ، فلماذا حصل هذا الفرق؟! .
وقد يخطر في الذهن : أننا عرفنا أن هؤلاء هم غير اولئك الخاصة ، فمن الطبيعي أن يختلف رقم هؤلاء عن اولئك.
وجوابه : أننا عرفنا أيضاً أن هذا التفريق هو إحدى نقاط الضعف في خطبة البيان .
إذ ليس من المنطقي أن يعرض القائد المهدي (ع) عن تعيين اؤلئك الخاصة في أعلى مناصب الدولة العالمية، ويعين أشخاصاً آخرين أدنى منهم .إذ أدنى ما يلزم من ذلك:
الإخلال بالعدل االكامل المطلوب منه ،مضافاً إلى دلالة الروايات على ذلك ، كما سمعنا.
إذن فلو بقينا نحن والنسخة الثانية لخطبة البيان، لأستننفدنا منها ، أن هؤلاء الذين ذكرتهم ، هم بعض اؤلئك الخاصة .ومعه يكون السؤال عن مصير البقية الذين لم تذكرهم الخطبة ، متوجهاً.!..
وعلى أي حال ، فإذا تم توزيع الحكام على كل أقاليم الأرض ، كانت الدولة العالمية المهدوية قد استتبت لأول مرة .
أقول : والإقليم في العرف قسم من الأرض يختص باسم يتميز به عن غيره ، فمصر إقليم والشام إقليم واليمن إقليم ، معرّب ،وقيل عربي ، مأخوذ من قلامة الظفر ، لأنه قطعة من الأرض ،وقال الجواليقي: ليس بعربي محض جمعه : أقاليم(1) . هذا بحسب اللغة ،وأما في الدولة العالمية فالمراد بالإقليم كل منطقة محددة، ذات حكم داخلي مستقل عن غيره ، سواء كانت بمقدار الإقليم بالمعنى اللغوي أو أكثر .

صفحة (495)
ـــــــــــــــــ
(1) انظرأقرب الموارد ج2 ص1035

الجهة الرابعة : في إثارة بعض الأسئلة حول مجموع هذه الروايات ، مما قد يلقي بعض الضوء على عدد من التفاصيل.
السؤال الأول : ان المخلصين عموماً ، والخاصة منهم على الخصوص ، سوف يشاركون بطبيعة الحال في الفتح العالمي .وسوف ينقصون نتيجة للحرب التي يخوضونها نقصاً كبيراً ، فكيف يفترض مشاركتهم بكامل عدتهم في الحكم ؟.
إلا أن في الخبرات التي عرفناها إلى حد الآن ما يصلح جواباً واضحاً عن هذا السؤال .وخاصة إذا التفتنا إلى امرين من خصائص الفتح العالمي :
الأمر الأول: الضمانات المتوفرة للجيش المهدوي ،مما لا يمكن توفره لأي جيش آخر .كالنصر بالرعب ومعونة الملائكة والحرب العالمية السابقة على الظهور ، لو كانت قد وجدت .وأن أفضل هذه الضمانات في صيانة الجيش المهدوي هو خبرة الإمام القائد نفسه ،وحسن تخطيطه لغزو العالم ، كما سبق أن حملنا عنه فكرة مفصلة .
الأمر الثاني: أننا عرفنا بعدة أدلة أن أكثر العالم سوف يدخل تحت الحكم المهدوي من دون قتال تقريباً ، الأمر الذي يوفر للقائد (ع) كثيراً من الأسلحة والنفوس .
غير أن هذا كله لا ينفي وجود القتال فيهم على نطاق ضيق ، غير ان المظنون أن القتل ، لو حصل ، فإنما يحصل على المخلصين من الدرجة الثانية لا المخلصين من الدرجة الأولى أعني الخاصة الثلاثمئة والثلاثة عشر . لأن هؤلاء الخاصة ، يكونون قواداً ،والقائد في الحرب القديمة يعيش خلف خط النار ، ليتوفر له المراقبة وإصدار التعليمات باستمرار ،وبالتالي المحافظة على نفسه من أجل انتصار الجيش نفسه.
إذاً ، فالحرب الحديثة تعطي فرصاً واسعةً لصيانة القائد ، فكيف بالتخطيط العسكري الذي يكون أكثر حكمة وعمقاً من هذه الحرب.
ومعه ، يكون افتراض وجود الخاصة بكامل عدتهم بعد الحرب ، كما هو ظاهر الروايات ، أمراً ميسوراً ،وأما المخلصين من الدرجة الثانية ،فهم من الكثرة بحيث لا يؤثر فيهم القتل القليل نسبياً.
صفحة (496)
السؤال الثاني : قالت إحدى الروايات التي سمعناها : يخرج مع القائم (ع) من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً ، خمسة عشر من قوم موسى (ع) الذين كانوا "يهدون بالحق وبه يعدلون" .وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسلمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر ، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً .
وظاهر هذه الرواية رجوع جماعة من الأموات المؤمنين مما قبل الإسلام وبعده إلى الحياة ، ليكونوا من أعوان المهدي (ع) .غير أن هذا المضمون يواجه عدة اعتراضات:
الإعتراض الأول: أن هذه الرواية غير كافية لإثبات هذه الفكرة ،فإنها – باعتبار غرابتها – تحتاج إلى إثبات قوي ، ولا يكفي فيها لخبر الواحد.
الإعتراض الثاني : أن هذه الفكرة مخالفة لقانون المعجزات ، لأن رجوع الميت إلى الحياة معجزة ،والمعجزة لا تقع إلا عند انحصار انتصار الحق بها وعدم وجود البديل الطبيعي لها .ومن الواضح توفر البديل الطبيعي لدى المهدي (ع) في اصحابه ،فإن المخلصين من الدرجة الأولى بل وكثير من أفراد الدرجة الثانية ، يماثلون – بكل تأكيد – الأعم الأغلب ممن ذكرتهم هذه الرواية ،كيف وقد تم تمحيصهم الكامل على الأطروحة العادلة الكاملة ،وكانوا نتيجة جهود البشرية في اكثر من ألف عام .على حين أن المؤمنين السابقين على الإسلام لم يعاصروا هذه الأطروحة ،والمؤمنين المعاصرين للإسلام لم يتم تمحيصهم بالشكل الكامل ، لوضوح أنهم وجدوا قبل استكمال ظروف التمحيص والإمتحان.
الاعتراض الثالث : أننا لو غضضنا النظر عن الاعتراضين السابقين ، كان اللازم رجوع أموات كثيرين إلى الحياة ليسوا بأقل ممن ذكرتهم الرواية . كالجيش الذي قاتل مع (طالوت) وقالوا :
" كم من فئة قليلة ٍغَلَبَتْ فِئة ً كثيرةً بإذن الله ِ "(1).
وكبعض الحواريين لعيسى بن مريم (ع) ،وكعدد من أنبياء بني اسرائيل وغيرهم كداوود وسليمان وشعيب ويحيى وغيرهم . ومثل أنصار النبي (ص) الذين قتلوا بين يديه في بدر وأحد وغيرهما ، وبعض صحابته أيضاً غير من ذكرتهم الرواية ، وعدد من علماء المسلمين على مر الأجيال.
وإذا صرنا إلى مثل هذا التفكير ، لم يكن من اللازم وجود أي شخص من المخلصين الأحياء ، بل يمكن الإكتفاء بالأموات ،ومعه يبقى تأخير ظهور الإمام المهدي (ع) وطول غبيته بلا سبب ، فتكون ظلماً للبشر، لأنه يعني بقؤهم ضمن المشاكل والظلم مع إمكان دفعه عنهم بكل سهولة.
صفحة (497)
ـــــــــــــــــ
(1) البقرة : 2/ 249
ومع تنزيه الله تعالى شأنه عن كل أشكال الظلم ، يتعين القول بعدم صحة المضمون الظاهر لهذه الرواية ، في حدود فهمنا المعاصر.
ومعه ، فلا بد من حملها على بعض أشكال الرمز ،وان المراد التنبيه على ان المخلصين المتوفرين للمهدي (ع) ليسوا بأقل رتبة في الإيمان والإخلاص والعلم والعمل ممن عددتهم في الرواية .وهذا أمر صحيح كما عرفنا.
السؤال الثالث: إن المخلصين الممحصين من الدرجة الأولى ، فضلاً عن الدرجات المتأخرة ، لم يفرض فيهم أنهم مارسوا إدارة الدولة أو قضاء في منطقة خلال عصر ما قبل الظهور، كما لا يفرض فيهم أنهم درسوا هذه الأمور من الناحية النظرية ، بحيث يستطيعون تطبيقها في أي وقت شاؤوا .
بل قد يكون الأمر بالعكس ، كما يظهر من بعض الحقائق التي عرفناه، فإن التمحيص ينتج اكتساب درجة عليا من الإيمان وقوة الإرادة نتيجة لردود الفعل الصحيحة تجاه ظروف الظلم والطغيان ، ولا ينتج التمحيص القدرة على القضاء ، والمران على أساليب الحكم.
إذاً فمن زاوية كونهم ممحصين ، لا يعني كونهم قادرين على مثل ذلك.
مضافاً إلى ما عرفناه في التاريخ السابق(1) من لزوم التزامهم بالتقية خلال عصر التمحيص السابق على الظهور ، بالمعنى الذي فسرناه هناك(2) قد يلزم منه البعد عن مباشرة أساليب الحكم والقضاء والإنكماش عن الدولة الظالمة ككل .فإنه لو شارك فيها كان فاشلاً في التمحيص الإلهي ،وبالتالي لم يكن من المخلصين الذين لهم شرف الإلتحاق بالإمام المهدي (ع) بعد ظهوره.
ينتج من ذلك أن المخلصين ، بأي درجات لم يمارسوا حكماً ولا قضاء في عهد ما قبل الظهور، فكيف يستطيعون ممارسته في العالم تحت القيادة المهدوية .وخاصة أن المطلوب ليس هو القيادة الإعتيادية ، بل القيادة العادلة المعمقة ، ذات التربية المركزة والمستمرة لكل البشرية .فكيف يتم لهم ذلك ؟.
والجواب على ذلك :أن هناك دليلاً عاماً يوجب الإلتزام بكون اصحاب المهدي في أعلى درجات المعرفة والإطلاع.
صفحة (498)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص416
(2) المصدر ص 417 وما بعدها .

وذلك : لليقين الذي نملكه بأن دولة المهدي سوف تطبق العدل الكامل ، إلى جانب تلك الأخبار الضخمة التي تزيد على التواتر بكثير والمروية من قبل الفريقين ، بل الموجودة في التوراة والإنجيل أيضاً ، كما سوف يأتي في الجزء الخاص بهما من هذه الموسوعة ، الدالة كلها على وجود السعادة والرفاه في أجلى صورها في دولة المهدي ،ووجود الإنجازات الضخمة فيها.
ومن المعلوم أن مثل هذا العدل وهذه السعادة ، لا يمكن أن تتم بدون الخبرة الواسعة والثقافة العميقة لكل فرد ممن يشارك في تكوين الدولة وإدارتها فضلاًعن الرؤساء والقضاة .إذا فالخبرة المعمقة موجودة لديهم.
كل ما في الأمر ، أننا ينبغي أن نحمل فكرة كافية عن أسلوب حصولهم على هذه الثقافة ،وفي هذا الصدد تواجهنا عدة أطروحات:
الأطروحة الأولى: أنهم يأخذون كلما يحتاجونه من علوم عن طريق المعجزة ، لا عن طريق التعليم الطبيعي.... اما دفعة واحدة ، وإما بالتدريج حسب حاجاتهم في كل وقت .
ويمكن أن يستدل على هذه الأطروحة بوجهين :
الوجه الأول: إن هذا هو ظاهر الأخبار السابقة نفسها ،وهي بمجموعها قابلة للإثبات التاريخي .
حيث نسمعه يقول في أحد الأخبار :
" وهم النجباء والفقهاء ...الذين يمسح بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم حكم ...وفي الخبر الآخر: فيمسح بين أكتافهم ، وعلى صدورهم ، فلا يتعايون في قضاء" فإن المسح بمجرده ليس تعليماً ،وإنما هو "سبب ظاهري" لإيجاد المعجزة التي تعطي التعليم .
وكذلك قوله في الخبر الآخر: "عهدك في كفك ، فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ، ولا تعرف القضاء فيه ، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها " ..... دال على السبب الإعجازي إذا كان المراد ان مجرد النظر إلى الكف كاف في ذلك.
وصحة هذا الوجه منوطة بقانون المعجزات ،من حيث أن دقة الحكم وليس التصرف من قبل هؤلاء ، هل هو مما يتوقف عليه نجاح دولة المهدي أولا، فمتى أصبح الأمر منحصراً بالمعجزة كان وقوعها لازماً كيفما كان شكلها ،ومتى لم يكن الأمر منحصراً بها لم تقم المعجزة البتة .وسيأتي أن المعجزة ليست سبباً منحصراً ، باعتبار وجود الأطروحات الطيعية الأخرى البديلة لتلقي العلم من قبل هؤلاء الحكام .
صفحة (499)
الوجه الثاني: أننا قلنا في هذا التاريخ ، والتاريخ الذي قبله(1)، أن الرئاسة العامة في المجتمع تتوقف على ان يكون الرئيس له من قبل الله هذه الصفة الإعجازية ، وهي : أنه متى أراد أن يعلم أعلمه الله تعالى ذلك .وقد طبقناها على الإمام المهدي نفسه بنجاح ، وردت في ذلك عدة روايات .
فقد يقال: إننا نطبقها على أصحاب الإمام أيضاً ، فإن كلا منهم قد أصبح في منطقته رئيساً ، لا بد له من حسن التصرف وتطبيق العدل الكامل في إقليمه . ومعه يكون مندرجاً تحت هذه القاعدة ، وبها لا يعسر عليه حكم ولا قضاء ، لأن جميعه سوف يكون بإلهام إلهي مباشر.
ومن هنا قد يقال :إن المهدي (ع) إنما يمسح بطونهم وظهورهم مقدمة لوجود هذا الإلهام فيهم .فإنهم بحسب وضعهم البشري الإعتيادي فاقدين لهذه الصفة ،ما لم يقم المهدي بعملمعين لإعطائها لهم وهو المسح .
إلا أن هذا الوجه غير صحيح أساساً لعدة وجوه نذكر منها اثنان:
الوجه الأول: أن هذه القاعدة خاصة بالرئيس الأعلى الذي ليس فوقه رئيس ، وليس له موجه بشري ولا حاكم أعلى منه ،كالإمام المهدي نفسه فإنه يحتاج إذا اشكلت عليه الأمور إلى الإلهام .
أما لو كان للرئيس رئيس فوقه ، يوجهه ويدبر أمره .فإنه لا يحتاج إلى الإلهام ،وإنما يمكنه أن يستفيد من توجيهات رئيسه وقائده .ويجب على القائد الأعلى أن يمد ولاته باستمرار بالتوجيه والإرشاد . حتى لا ينقطعوا عن حسن الرأي وعدالة التصرف ، فتفشل قيادتهم .ومع إمكان هذا التوجيه ، يكون افتراض وجود الإلهام أمراً مستأنفاً.
الوجه الثاني : أن أصل الدليل على ذلك خاص باالقائد العالمي المعصوم وغير شامل لمثل هؤلاء الحكام ، وذلك لوجهين نذكر أحدهما: وهو أن وجه الحاجة إلى ذلك كان خاصاً بالقيادة العالمية ،من حيث أن القدرة على استيعاب الوقائع والأحكام العادلة التي تقتضيها في كل العالم ، أمر خارج عن طوق القدرة البشرية لأي فرد مهما كان عبقرياً ،ومن هنا كان من الضروري إسعاف القائد العالمي بالإلهام من أجل تغطية هذه الحاجة الأساسية.

صفحة (500)
ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص504 وما بعدها إلى عدة صفحات.
وهذه الحاجة خاصة بالشخص الذي تم تعيينه من قبل التشريع الإلهي ، لقيادة العالم ، باعتبار أن ما قلناه من ضرورة تساوق قابليات الشخص مع مقدار سعة مسؤولياته الموكولة إليه في التشريع. فإذا كانت قابلياته قاصرة بدون الإلهام ،كان وجود الإلهام ضرورياً.
وأما الشخص الذي تكون مسؤولياته محدودة ، ذات منطقة صغيرة نسبياً بحيث يمكن تغطية تلك الحاجة بأساليب اعتيادية ، فلا يكون مشمولاً لهذا الدليل.
وبمثل هذه المناقشات تصبح ألأطروحة الأولى مما لا دليل عليه .
نعم ، لا مانع من وجود مضمون هذه الأطروحة ، فيما إذا وقع أحد أصحاب الإمام المهدي في صعوبة فكرية بالغة واعتاصت عليه مشكلة اجتماعية يتوقف تطبيق العدل الكامل على تذليلها ، وتعذرعليه الإتصال بإمامه. فسوف يكون الإلهام هو المنقذ الوحيد في هذا الموقف حفاظاً على العدل الكامل .فيكون الإلتزام بصحة هذه الأطروحة ممكناً.
غير ان هذا نادر الوجود ، لوضوح إمكان الإتصال بالمهدي في أي منطقة من مناطق العالم .
الأطروحة الثانية : إن أصحاب المهدي يتلقون علومهم في العصر السابق على الظهور أو قد يمارسون بعض أشكال الحكم والقضاء أيضاً.
وذلك انطلاقاً من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن ظاهر نفس الروايات هو ذلك ، بمعنى لأنهم ناجزين علماً وعملاً قبل الظهور ،وإنما يتسنى لهم ممارسة الحكم والقضاء في الدولة العالمية انطلاقاً من هذه الخبرات ، مضافاً إلى التعليمات المهدوية الجديدة.
فإننا نسمع الرواية تقول: " هذه العدة التي يخرج فيها القائم (ع) ،وهو النجباء والفقهاء وهم الحكام وهم القضاة " .فتفهم منها : أنهم متصفون بهذه الصفات من حين خروجهم مع القائم ومبايعتهم له ،وهذا لا يكون إلا إذا كانوا قد عرفوا كذلك قبل الظهور.
وأما قوله :"الذين يمسح علىبطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم حكم " فهو إشارة إلى التعليمات المهدوية الجديدة ، كما سوف نشير.

صفحة (501)

وكذلك الرواية التي تعدد من أصحاب القائم : يوشع بن نون وسلمان ومالك الأشتر وغيرهم .فإنهم إن اردتهم بأشخاصهم ، فمن المعلوم أنهم ناجزون علماً وعملاً ولهم تاريخ إيماني ناصع قبل الظهور .وإن اردت الرواية أن اصحاب القائم المهدي يشبهون بهؤلاء في صفاتهم الرئيسية ، فمن الواضح أن كونهم ناجزين في لعلم والعمل من أهم هذه الصفات .
وكذلك خطبة البيان حين تصف عدداً منهم بكونهم : العارفين إقامة العائم أو كونهم رجالاً أتقياء ابراراً ، أو كون الفرد منهم نقياً من العيوب .فإنه واضح أن اتصافهم بذلك ثابت لهم في انفسهم قبل حصول الظهور.
إذ، فالروايات لاقصور فيها عن الدلالة عن هذه الأطروحة.
الوجه الثاني : أنه ليس من الصحيح القول:بأنه يمكن أن يوجد التمحيص العالي والإخلاص الكبير، بدون ثقافة عالية تتناسب معه ،إذ من الجهل يكون الفرد معرضاً لكل فظيعة من دون أن يعلم، فيخلّ فعله بإخلاص هو يعتبر ذلك منه فشلاً في الإمتحان.
و بكلمة أوضح: إن رد الفعل الصحيح العادل تجاه الوقائع المختلفة ، الذي هو معنى النجاح في التمحيص ، لا يكون إلا مع معرفة ماهية رد الفعل هذا .
وهذه المعرفة تتوقف على العلم ، بل هي نفس العلم ،وكلما كان المتوقع من الفرد ردود فعل أصلح وأعلى ، كان العلم المطلوب منه اوسع وأعمق .
ومعه يكون الأفراد العالين في التمحيص ، الذين هم "خير فوارس على وجه الأرض" هم أعلم أهل الأرض بالشريعة وأطلع الناس على دقائقها.
الوجه الثالث: أنه لاشك في وجود الفقهاء المحققين في علوم الشريعة والعلماء المطلعين على دقائقها في عصر ما قبل الظهور بأعداد غير قليلة ،ولا يمكن القول – بطبيعة الحال - بأن جميعهم من الفاشلين في التمحيص الإلهي ،بل أننا إن لم نقل بأن جميعهم من الناجحين الممحصين ، فلا أقل من أن عدداً منهم كذلك ،فإن دقة العلم والثقافة الدينية مساوقة عادة مع الإخلاص والمحافظة على السلوك العادل ولا صفاء في النية، وبالتالي مع النجاح في التمحيص ،ما لم يكن الفرد متمرساً في الإجرام ومتوحشاً في الضمير.
وأما ما نجده الآن من ضعف الفقهاء الإسلاميين بالنسبة إلى القوى العالمية وانصرافهم الظاهري عن الخوض في الأمور العامة ،فهو ناشىء من مقدار إمكانياتهم ، وشعورهم بقلة تكليفهم الإسلامي من هذه الناحية .وسترتفع هذه الصفة عنهم بعد الظهور، بطبيعة الحال ،وسيتبعون في سلوكهم الجدي هدي الإمام المهدي وامره واهدافه ،وبالتاي يصلحون لأن يكونوا عدداً من المخلصين من أصحابه .
صفحة (502)
الوجه الرابع : أننا برهنا في هذا التاريخ وما سبقه ، على تطور الفكر الإسلامي خلال العصر الطويل السابق على الظهور ، تطوراً يؤهل الأمة خاصة والبسرية عامة لفهم القوانين والمفاهيم الجديدة التي يعلنها المهدي في دولته العالمية بعد الظهور...... التي يكون من الضروري إعلانها من أجل اكتساب(الأطروحة العادلة الكاملة) صفة العدل المطلق الذي يمكنه أن يعم العالم بالسعادة والرفاه ويسير به نحو الكمال.
ومن الواضح أن الفرد كلما كان أكثر إخلاصاً للإسلام وأشد تطبيقاً للعدل على حياته ، سيكون أحرص على فهمه واستيعابه ،ومواكبة آخر اشكال تطوره.وخاصة إذا كان احتمل أنه سيكون له مشاركة حسنة بشكل وآخر في الدولة المهدوية ،ولو كفرد اعتيادي عليهأن يفهم القوانين ويستوعب المفاهيم الجديدة المعلنة يومئذ ... فضلاً عما إذا شرف بإعطاء بعض درجات المسؤولية في تلك الدولة.
إذاً فالخاصة الثلاثمائة والثلاثة عشر، هم بكل تأكيد من مواكبي وقارئي أعلى تطورات الفكر الإسلامي ..إن لم يكن العديد منهم ، من صانعي الفكر المتطور والمشاركين في إيجاده ،ونفس هذه الصفة تنطبق بدرجة أضعف على المخلصين من الدرجة الثانية ، غير أن القارئين المواكبين أوسع بكثير من المشاركين في التطوير.
إذاً ، فالأطروحة الثانية صحيحة ، لصحة الوجوه الأربعة الدالة عليها جميعاً غير أن هذه الوجوه تثبت الإستيعاب النظري لتفاصيل الفكر الإسلامي . ولا تثبت وجود الممارسة الفعلية للحكم أو القضاء من قبلهم خلال العصر السابق على الظهور.
هذا ، مع العلم أن الممارسة الفعلية ليس لها دخل مهم في نجاح الفرد .في مهمته ، إذا كان مستوعباً لها نظرياً ،وعارفاً بطبيعة مجتمعه الذي أوكلت له قيادته .وخاصة مع الإلتفات إلى أن ذلك لو كان لازماً لكان لا بد لكل موظف أو حاكم أو قاض أن يكون متمرناً قبل ذلك. وهذه قضية (متناقضة) لأن كل حاكم وقاض لا بد أن يكون غير متمرن عند أول استلامه لمهمته وإلا لما أمكن الحصول على أي حاكم أو قاض عل الإطلاق.
وهذه الوجوه – أيضاً- تثبت إطلاع هؤلاء على الفكر الإسلامي السابق ، وأما التوجيهات المهدوية والقوانين الجديدة ، فهي تبقى محل حاجتهم بطبيعة الحال ، وهذا ما سنبحثه في الأطروحة الثالة .
صفحة (503)
الأطروحة الثالثة : إن المخلصين يتلقون ثقافتهم من الإمام المهدي (ع) ، على أحد مستويات محتملة ، بعد غض النظرعن تلقيهم الإعجازي منه (ع) ، الذي ناقشناه في الأطرحة الأولى :
المستوى الأول: إن المخلصين يتلقون ثقافتهم المعمقة التي تؤهلهم لتولي أعلى المناصب في دولة العدل العالمية ، من المهدي نفسه ، قبل ظهوره.
وذلك ،انطلاقاً من الفكرة التي سبق ان ذكرناها ، وهي ان المهدي لا يحتجب عن خاصته ،وأنهم يعرفونه بحقيقته في عصر غيبته ،وليس بين الفرد وبلوغه هذه المرتبة إلا أن يصبح من المخلصين الممحصين المبرئين من الذنوب والعيوب ،وقددلت الأخبار على ان سبب احتجاب المهدي (ع) وغيبته إنما هو ذنوب الناس وانحرافهم ، فمع ارتفاع هذه الصفة الرديئة عن بعض الأفراد يكون سبب الغيبة مرتفعاً فيه ،ومعناه أنه سوف يرى المهدي (ع) بالرغم من احتجابه عن الآخرين .
ومعنى ذلك أن الجماعة المتصفين بالدرجة الأولى من الإخلاص كلهم يتشرفون بلقائه وسماع كلامه وتوجيهاته حال غيابه.
وهذا المستوى الأول : للأطروحة ، لطيف ومحتمل الصحة لو أخذنا بالفهم الإمامي لفكرة المهدي إلا أنه غير قابل للإثبات .
المستوى االثاني: أن المخلصين يتلقون كل ثقافتهم أو جلها بتعليم من قائدهم المهدي بعد ظهوره ، سواء في ذلك المستوى الفكر االعام والتعاليم الجديدة.
وأحسن ما يقال في هذا المستوى : أنه أمر مستأنف بالنسبة إلى المستوى الفكري العام الممكن اكتسابه طبقاً للأطرحة الثانية.
المستوى الثالث: إن المخلصين يتلقون تعاليم وثقافات جديدة من الإمام المهدي ،فوق مستواهم الفكري السابق ، قل ذهابهم إلى مناطق حكمهم تمهيداً لتمكينهم الكامل من الحكم العادل والقضاء الفاصل .
وهذاالمستوى ضروري الصحة ، بعد وضوح عدم مساعدة الفكر الاسبق بالرغم من عمقه وشموله ، علىانجاز الأهداف المهدوية العالمية.
صفحة (504)

وهذه هو الذي أشارت إليه الأخبار التي سمعناها تنقل عن المهدي حين يريد إرسال شخص حاكماً على منطقة في العالم ، قوله: عهدك في كفك .فإذا ورد عليك ما لا تفهمه أو تعرف القضاء فيه ،فانظر في كفك واعمل بما فيها.
وهذا يعني أنه(ع) يكتب لكل شخص يرسله (عهداً)(1) يحتوي على "التخطيط" الذي يجب عليه أن يسير عليه في فترة حكمه ، تماماً كما فعل جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، حين أرسل مالكاً الأشتر والياً على مصر ،وكتب له العهد المطول المشهور الموجود في نهج البلاغة .
ولكن يبدو أن هذا العهد ليس على شكل القواعد العامة ، كما كان عليه عهد مالك الأشتر ، بل يفترض أنهم قادرون على تطبيق اقواعد العامة ،مأخوذة من الفقه العادل في ثوبه الجديد .وإنما يعطي هذا العهد الوارد الضرورة حين يقع الحاكم في صعوبة من حيث تطبيق القواعد العامة على بعض المشاكل لعالمية .ولذا نجده يقول :" فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه – يعني طبقاً للقواعد العامة – فانظر إلى كفك – يعني إلى العهد الذي تحمله فيها – واعمل ما فيها ".
ويقترن هذا المستوى الفكري المعمق بمستوى نفسي معمق يكون الفرد الحاكم محتاجاً إليه ، حين يذهب إلى منطقته أول مرة ، وتكون الدولة مؤسسة لأول مرة . أنه يتحمل مسؤوليات ضخمة ، قد يعجز عن مجرد تصوره، فكيف وهو سيوضع في وسط معمعتها .وهو مؤهل في تربيته السابقة التي عرفنا جذورها وفروعها مفصل، من الناحيتين الإيمانية والفكرية .إلا أنه يحتاج إلى جانب ثالث هو الجانب النفسي ليكون " أجرأ من ليث وأمضى من سنان" وليواجه العالم بمعنويات عالية وقوة بالغة مناسبة مع المستوى المطلوب للدولة العالمية.
ومن هنا نجد المهدي(ع) – كما في الروايات – يمسح على بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم حكم ولا يتعايون في قضاء .فإن الفكرة وحل المشكلة قد يعتاص على الإنسان مع وجود الإرتباك والتردد في نفسه فيصبح في حالة شرود وانحطاط . وأما مع ارتفاع المعنويات وقوة الإرادة ، فلا معنى لحصول ذلك .وأدنى ما يعمله المهدي (ع) في هذا الصدد هو أن يعانقهم هذه المعانقة عند الوداع .

صفحة (505)
ـــــــــــــــــ

(1) قالت اللغة : العد هو الذي يكتبه ولي الأمر للولاة إيذاناً بتوليهم ،مع الأمر بلزوم الشريعة وإقامة النصفة .
انظر: أقرب الموارد.
ولعله يتخذ خطوات أخرى بهذا الصدد ، سكتت عنها الأخبار باعتبارها تتحدث بلغة عصر صدورها ، طبقاً لقانون "كلم الناس على قدر عقولهم".
وبهذا الأسلوب وعن هذا الطريق ، سوف يتوزع حكام المهدي أقاليم العالم . وتستتب الدولة العالمية ، حتى " لا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلا ألله وحده لا شريك له ،وإن محمداً رسول الله . وهو قوله تعالى : وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ".

صفحة (506)



مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 07:29 PM   #26
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل الخامس

تمحيص الإمام المهدي
لأصحابه خاصة وللأمة عامة


تمهيد :
يتخذ الإمام المهدي هذا
الأسلوب من التمحيص للحصول على فوائد عديدة ، نذكر بعضها مما يخطر علىالبال طبقاً للقواعد والروايات السابقة .


الفائدة الأولى: تعويد لأمة الإسلامية خاصة ، والبشرية عامة ، على شكل جديد من السلوك ، لم يكن معهوداً من قبل . وإن التوقعات من الحاكم والفرد معاً أصبحت أعمق وأعقد.
الفائدة الثانية: إظهار نقاط الضعف التي لم يستطع التمحيص السابق على الظهور إظهارها ،ومن هنا قد يفشل في هذا التمحيص من سبق له النجاح في التمحيص السابق ، لأن هذا التمحيص سوف يبتني عل اسس أصعب وأعمق .
الفائدة الثالثة: تهيئة أسالبب عميقة يمكن لأصحاب المؤهلات العالية النجاح من خلالها والتكامل عن طريقها. الفائدة الرابعة : إنجاز أسلوب عام لتربية البشرية ككل ،بصفتها مطبقة للعدل الكامل من الآن فصاعدا .وقد سبق أن قلنا أن الدولة ستقوم بأعمال اختيارية يقصد بها تربية الأمة والبشرية عن طريق التمحيص .
وهذا هو أحد الفروق المهمة بين التمحيصين: السابق واللاحق. فإن التمحيص السابق على الظهور كان مسبباً عن أمر غير اختياري بالنسبة إلى الفرد الناجح فيه ، باعتباره ناشئاً من ظروف الظلم والفساد التي لا بد للفرد فيها وأما التمحيص اللاحق للظهور ، وفي المجتمع الخالي من الكافرين والمنحرفين ، فيتعين أن يكون التمحيص اختيارياً ، تقوم به الدولة أو الإمام
(ع) من أجل تربية الأمة أو البشرية .

صفحة (507)

الفائدة الخامسة : التخلص ممن قد يكون شارك في الدولة العالمية بحكم أو قضاء ، وليس في واقعه أهلاً لذلك . بالمعنى العميق . سنذكر فلسفته فيما بعد.

إلى غير ذلك من الفوائد ....

ومن حيث الفرق في الهدف بين التمحيصين ، نجد أن التمحيص السبق كان مستهدفاً لإيجاد جماعة محدودة من المخلصين ، ذوو عدد كاف لغزو العالم ، وأما الباقون فقد أوجب ذلك التمحيص تطرفهم إلى جانب الظلم والباطل.

وأما هذا التمحيص الجديد ، فهو يستهدف التخطيط العام الشامل له ، أعني تخطيط ما بعد الظهور ، من تربية البشرية حكاماً ومحكومين تربية مركزة ومستمرة نحو التكامل لإيجاد المجتمع العادل المطلق في كل أفراده ، وليس على مستوى الحكم فقط ، وهو "المجتمع المعصوم" الذي ألمحنا إليه في التاريخ السابق(1) .وسيأتي في الكتاب الآتي من الموسوعة تفاصيل مهمة عن خصائصه.

وعلى أي حال ، فينبغي أن ينفتح الحديث عن هذا التمحيص في عدة جهات :

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الواردة في هذا الصدد .

ونحن هنا لا نتوخى استيعاب كل ما دل على ذلك ، بل نقتصر على المهم منه ، فنروي ما كان متصفاً بوصفين:

الوصف الأول: كون الخبر مطابقاً مع القواعد المعروفة لنا ، فلو كان يمثل فهماً منحرفاً أو شاذاً لم نروه .لأن إمارات الوضع والإنتحال عليه واضحة.

الوصف الثاني: ما لم تكن فيه إثارة طائفية من الأخبار .فإن كان في الخبر إثارة من هذا القبيل حذفناه ،وإن أحدث نقصاً في التسلسل الفكري العام.

صفحة (508)
ـــــــــــــــــ


(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص481.



والأخبار في ذلك عديدة شاملة لمختلف جهات التمحيص .

أخرج النعماني(1) عن أبي عبد الله (ع) أنه قال:

لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً ، لا يثبت عليه إلا من أخذ الله ميثاقه ..وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً وهو يحسبونه شيخاً كبيراً.

وأخرج أيضاً(2) عن محمد بن مسلم ، قال : سمعنا أبا جعفر (ع) يقول:

لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم إلا يروه مما يقتل الناس .أما أنه لا يبدأ إلا بقريش . فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف . حتى يقول كثير من الناس : ليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد لرحم.

وأخرج أيضاً (3) مرسلاً عن أبي عبد الله يقول:

إذا خرج القائم ، خرج من هذا الأمر من كان يرى انه من أهله ، ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر .

وأخرج أيضاً(4) بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال:

إن أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الذي قال الله تعالى :" سنبتليكم بنهر"(5) .وإن أصحاب القائم (ع) يبتلون بمثل ذلك.

وأخرج المجلسي في البحار(6) بإسناده عن أبي بصير عن ابي جعفر (ع) ، قال:

يقضي القائم بقضايا ينكرها بعض أصحابه ممن قد ضرب قدامه بالسيف ، وهو قضاء آدم (ع) ،فيقدمهم فيضرب أعناقهم .ثم يقضي الثانية ، فينكرها قوم آخرون ممن قد ضرب قدامه بالسيف ،وهو قضاء داود (ع) ، فيقدمهم فيضرب اعناقهم ، ثم يقضي الليلة الثالثة ، فينكرها قوم


صفحة (509)
ـــــــــــــــــ


(1) الغيبة ص99. (2) المصدر ص122.

(3) المصدر ص177. (4) المصدر ص170.

(5) البقرة : 2/ 249 .وهو نقل بالمعنى عن الآية .

(6) ج13 ص200.



آخرون ممن قد ضرب قدامه بالسيف ،وهو قضاء إبراهيم (ع) ، فيقدمهم فيضرب أعناقهم .ثن يقضي الرابعة ،وهو قضاء محمد (ص) ، فلا يتكرها عليه أحد. وأخرج المجلسي في البحار(1) بإسناده عن المفضل بن عمر ، قال الصادق (ع) :

كأني انظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر .وهم أصحاب الألوية وهم حكام الله على خلقه ،حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب ، عهد معهود من رسول الله (ص) ، فيجفلون عنه أجفال الغنم .فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً ، كما بقوا مع موسى بن عمران (ع).

فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهباً، فيرجعون إليه ،وإني أعرف الكلام الذي يقوله لهم ، فيكفرون به.

الجهة الثانية : في فهم مفردات هذه الأخبار. أعني ما ورد فيها من الفاظ ومفاهيم بعيدة عن الذهن لكي يكون هذا منطلقاً إلى الفهم الكامل الذي سوف تعرب عنه في الجهات التالية :

(قضاء محمد) نبي الإسلام (ص) ، هو ما أعرب عنه قوله (ص) : إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان .وهو حديث مشهور مروي بطريق الفريقين .وقد فهم منه فقهاء الإسلام قواعد القضاء الرئيسية للمرافعات وهو أن تكون البينة من المدعي واليمين على المنكر.

وأضاف (ص) في حديث(2):

فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً ، فإنما قطعت له به قطعة من النار ، يعني أن هذه القواعد القضائية إذا أثبتت حقاً غير واقعي كان أخذه من قبل غير مستحقة حراماً غير مشروع ،وإن كان القاضي معذوراً باعتباره جاهلاً بالواقع ،ومتبعاً للقواعد الشرعية العامة الغالبية الصدق.


صفحة (510)
ـــــــــــــــــ


(1) ج13 ص184-185

(2) الوسائل ج3 ص435



(قضاء داود)(ع) ، هو ما شرحه القرآن الكريم في قوله تعالى:

"وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط .إن هذا أخي لها تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ،فقال: أكفلنيها وعزني في الخطاب .قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه .وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ،وقليل ما هم .وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب .فغفرنا له ذلك .وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب"(1).

والنقطة الرئيسية في هذه الحادثة التي ترويها الآية ، هو أن داود (ع) أخذ جانب المدعي من دون أن يطالبه بالإثبات القضائي ، اعني البينة .فقال: " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه".

وقد نطقت به الأخبار أيضاً .منها عدد من الأخبار تدل على ان الخصوصية الرئيسية فيه هو الحكم طبقاً لعلم القاضي بواقع الحادثة ، لا طبقاً للبينة.

منها ما رواه الحر العالمي(2) بسنده عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (ع) – في حديث- ، قال:

إذا قام قائم آل محمد (ص) حكم بحكم داود (ع) لا يسأل البينة.

وفي رواية أخرى عن أبان قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

لا تذهب الدنيا حاى يخرج رجل مني يحكم بحكومته آل داود ولا يسأل بينة ، يعطي كل نفس حقها.

وفي رواية أخرى مرسلة عن أبي عبد الله (ع) – في حديث – قال:

إن داود (ع) قال: يا رب إرني الحق كما هو عندك حتى أقضي به.

فقال : إنك لا تطيق ذلك .فألح على ربه حتى فعل ، فجاء رجل يستعدي على رجل ، فقال: إن هذا أخذ مالي فأوحى الله إلى داود بالمستعدي فقتل ، وأخذ ماله فدفع إلى المستعدي عليه .قال: فعجب الناس وتحدثوا ، حتى بلغ داود (ع) ودخل عليه من ذلك ما كره .فدعا ربه أن يرفع ذلك ففعل .ثم أوحى الله إليه أن أحكم بينهم بالبينات ، وأضفهم إلى اسمي يحلفون به.


صفحة (511)
ـــــــــــــــــ


(1) سورة ص: 21-25

(2) الوسائل ج3 ص435.وكذا الخبران اللذان بعده



وإنما نقلنا هذا الحديث المرسل ، لوجود فارق بينه وبين الآية ، فإن الحادثة التي يعرب عنها الخبر – لو صح- حادثو واقعية يمكن أن يعلم بها القاضي عن طريق الوحي أو عن طريق معاشرة الخصمين ونحوه. وأما الحادثة التي تعرب عنها الآية ، فالمشهور عنها أنها آية امتحانية ،أوجدها الله تعالى من أجل امتحان النبي داود (ع) واختباره وقد فشل في هذا الامتحان .وهو قوله تعالى "وظن داود أنا فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب"

فالخصمان لم يكونا خصمين حقيقة ،وإنما كانا ملكين أرسلهما الله تعالى لاختبار داود (ع) .واستدلوا على ذلك: بقوله : " إذ تسوروا المحراب" فإن البشر لا يتسورون الحائط على القاضي الذي يريدون التحاكم عنده. ولا يردون عليه في وقت عبادته ، بل في وقت استعداده للحكم.

وكان من واجب النبي داود (ع) طبقاَ للقواعد القضائية العامة أن يسأل من المدعي ،وهو صاحب النعجات التسع والتسعين ،أن يأتي بالبينة الدالة على أن تلك النعجة الواحدة له ،ولكنه اسرع بقبول قول المنكر بدون مطالبة البينة ،وصار إلى جانبه، بدون دليل .ولكنه فكر بعد ذلك وعلم بخطئه ، فاستغفر الله وخر راكعاً وأناب، فعفا الله عنه وأكرم مقامه.

غير ان الصحيح هو أن الآية لا تدل على أن الحادثة مصطنعة وغير واقعية ، بل تدل على واقعية الحادثة ، بعدة قرائن في الآية نفسها :

القرينة الأولى: قوله تعالى: الخصمين . فإن ظاهره كونهما خصمين حقيقة، وحمله على الخصمين المصطنعين خلاف الظاهر ، لأنه مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة.

القرينة الثانية : قوله : إن هذا أخي .وهو ظاهر بالأخوة الحقيقية .ومن المعلوم أنهما لو كانا ملكين لم يكن صدق ذلك ممكناً.

القرينة الثالثة : قوله : تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة .فإن ظاهره الملكية الحقيقية لنعجات حقيقية ،وما خالف ذلك محتاج إلى تأويل .

القرينة الرابعة : قوله : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ،فإنه لا يكون ظالماً على الإطلاق لو كانت المرافعة صورية ،ولكانت هذه الجملة كاذبة.


صفحة (512)


وأما ما ذكروه من أن العبور على الحائط ليس من أفعال البشر وفهو غير صحيح، فإنه أقرب إلى فعل البشر الدنيء منه إلى فعل الملائكة.

وأما كون الحادثة لإمتحانه وفتنته ، كما دلت عليه الآية فعلاً ، فهذا لا يقتضي لإرسال الملائكة إليه ، بل يكون حاصلا مع وجود هذا الترافع بين بشرين ، بدليل على انهما لو كانا رجلين حقيقين لما كان في مستوى الإمتحان الإلهي أي تغيير.

بل ليس في الآية الكريمة أن داود (ع) كان يعلم بحقيقة الموقف ، بطريق الغيب ،ولا أنه مال إلى جانب المدعي لمجرد سماع المرافعة .بل لعله كان يعرفهما عن قريب أو مطلع عل حالهما بشكل وآخر.

وإذا كان المفروض لداود في هذه الحادثة وغيرها أن يحكم بعلمه ، كما سيحكم الإمام المهدي(ع) أحياناً ،إذا فحكمه صحيح لاغبار عليه ، وجائز للقاضي أحياناً ،إذاً كان نبياً أو ولياً على الأقل.

ومن هذه الزاوية نعرف دليلاً آخرعلى واقعية هذه المرافعة ، لأنها لو كانت صورية لم يكن لوجود العلم بالواقع أي معنى. بل كان الأنسب أن يعلم داود (ع) أنها مرافعة صورية ،أو أن يعلم أن الأفضل السير على طبق القاعدة القضائية العامة .وحيث حكم في الواقعة بعلمه ،إذاً ، فهي حادثة واقعية.

وأما توبته واستغفاره ، فهو ناشىء من أحد منشئين :

المنشأ الأول: ما هو الموجود في بعض الأخبار ،من أن مؤدى هذه المرافعة ، كان مماثلاً لأمر كان يعيشه في حياته ،وهو أنه (ع) بالرغم من كثرة زوجاته ، طلب من أحد أصحابه أن يطلق زوجته لكي يتزوجها هو ،فأراد الله تعالى أن ينبهه على ذلك ، فقيض له هذه المرافعة.

إذاً ، فاستغفاره لم يكن لأجل التسرع في القضاء ،وإنما كان من أجل موقفه الحياتي الخاص.

المنشأ الثاني: أن كلا الأسلوبين القضائيين :أعني طلب البينة ،والحكم طبقاً للعلم ...كانا جائزين له ، فكان (ع) حين يرى اختلاف هذين الأسلوبين في النتيجة أحياناً فإنه يرجح الحكم بعلمه لأنه أوصل إلى الواقع من الطريق الآخر .كما في هذا المورد بالذات .



صفحة (513)


غير أن متابعة العلم كان هو الأسلوب المرجوح في الشريعة الإلهية ، لأنه يتعذر استعماله دائماً ولكل أحد... وكان من الراجح استعمال الأسلوب القضائي العام وهو طلب البينة دائماً وبلا استثناء ، حتى لو كان خاطئاً أحيان، ليستقيم القضاء على وتيرة واحدة عنده وعند غيره من الناس.

إذاً ، فقد استعمل النبي داود (ع) الأسلوب المرجوح في هذه الواقعة ، وعرف بعد ذلك أن هذا كان امتحاناً ، لأن الحادثة من موارد اختلاف الأسلوبين كما أشرن، وكان الراجح استعمال الأسلوب الآخر، فخر راكعاً وأناب.

وقد يخطر في البال: أتن هذا الأسلوب إذا كان مرجوحاً ، فكيف سمعنا من الروايات عمل المهدي(ع) به .

وجوابه يكون من عدة وجوه تأتي عند التعرض لقضاء المهدي (ع) ،وأوضحها أن ظروف التمحيص المخططة تجيز للمهدي (ع) ، ذلك ، على أقل تقدير.

فهذا هو قضاء داود(ع) ،ولا مجال للتفصيل فيه أكثرمن هذا المقدار.

وأما (قضاء إبراهيم) و(قضاء آدم) (ع) .فهو مما لم يرد في التاريخ ، إذ لم ينقل- حسب إطلاعي – أنه عرضت عليهما قضايا معينة حكماً فيها بأحكام خاصة .وإن كان لا بد أن هذا قد حدث فعلاً ، لأن البشرية لا تخلو من مخاصمات ، غير انه لم يردنا بالتحديد أنواع تلك القضايا ومؤديات الأحكام فيها .غير أن الإمام المهدي (ع) عالم بها ، فيمكنه تطبيقها في مواردها.

قوله : (إن أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر). وقصتهم مشهورة مذكورة بالقرآن الكريم لاحاجة إلى تفصيلها ،ولكن يحسن بنا عرض فكرة الإمتحان الذي مروا به.

أنهم حين ساروا بقيادة طالوت مدة متوجهين إلى منطقة العدو ، مروا على نهر في طريقهم ،وكانوا في أشد التلهف إلى الماء هم ودوابهم .فأصدر طالوت القائد قراراً بعدم جواز الشرب من النهر إلا في حدود غرفة واحدة من الكف يشربها كل فرد:

" قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني،ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده"(1).


صفحة (514)
ـــــــــــــــــ


(1) البقرة : 249



وكان رد الفعل تجاه هذا التشريع من قبل الجيش على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : وهم الأكثرية الكاثرة ، الذين اسقطوا هذا الأمر عن نظر الإعتبار ،وشربوا من النهر بكثرة وسقطوا دوابهم .فكان أن عزلهم القائد عن الجيش ومنعهم من المسير معه ،وخرجوا بذلك عن الإيمان ،قال الله تعالى: "فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه" وهم غيرهذا القسم.

القسم الثاني: وهم الذين أخذوا بالإستثناء في كلام القائد ، فشربوا بالمقدار الذي أجازه ،واكتفوا بالكف الواحدة عن الكثير.

وقد دل سياق القرآن الكريم على ان هؤلاء هم الذين قالوا عند مواجهة العدو :

"قالوا لاطاقة لنا بجالوت وجنوده". باعتبارهم القسم الأضعف إيماناً من الجماعة التي صاحبت القائد من حادثة النهر .

القسم الثالث: وهم الذين لم يشربوا على الإطلاق ، أخذاً بالحيطة لدينهم وتقوية لعزائمهم وإرادتهم .ومن هنا لن ترهبهم كثرة العدو .بل قال "الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ،والله مع الصابرين".

فالقسم الأول هو الفاشل في هذا التمحيص، والقسم الثالث هو الناجح بشكل كامل .والقسم الثاني كان ناجحاً في حادثة النهر ،ولكن برزت نقطة ضعفه في آخر لحظة عند مواجهة العدو، ففشل في هذا الإمتحان الجديد.

وقد يخطر على البال :أن تطبيق هذا الإمتحان على أصحاب الإمام المهدي (ع) إنما هو باعتبار التمحيص الموجود في التخطيط العام السابق على الظهور ، حيث عرفنا انقسام المخلصين باعتباره إلى عدة أقسام، يكون الخاصة منهم كالقسم الثالث من أصحاب طالوت ،وهم الذين حاربوا وانتصروا عليه ،وفي بعض الروايات التي سمعنا إحداها فيما سبق أن عددهم كان أيضاً ثلاثمائة وثلاثة عشر.
فليس هذا الخبر ناظراً غلى التمحيص الذي يمر به أصحاب الإمام المهدي بعد ظهوره ، فلا يكون من الأخبار النافعة لنا في هذا الباب.


وجواب ذلك : أن هذا محتمل فعل، إلا أن ظاهر الخبر بخلافه ، حيث يقول : وإن أصحاب القائم (ع) يبتلون بمثل ذلك ،فإنهم لا يكونون أصحابه حقيقة إلا بعد ظهوره وانضمامهم إليه ، كما هو واضح.

قوله: (شبه عبدة الشمس والقمر) وهم الملحدون والماديون ، يدخلون في (هذا الأمر) يعني الحق والعدل الذي يعلنه الإمام المهدي(ع) ويوضحه للعالم بكل صراحة.


صفحة (515)




قوله: (فيجفلون عنه إجفال الغنم) أي يهربون ويفرون. يقال : جفل البعير إذا ندّ وشرد ،وجفل القوم إذا اسرعواالهرب(1).

قوله(فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً).الوزير: حبأ الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه وتدبيره(2) .وقد كان الوزير في الدول السابقة واحداً توكل إليه مهمات الدولة .وهو بإزاء رئيس الدولة الحديثة.

والوزير ايضاً : المعاون ، يقال: هو وزيره ، أي معاونه(3).

والنقيب: شاهد القوم وضمينهم وعريفهم .ونقيب الأشراف : من ينقب عن أحوالهم (إسلامية)(4) .ويبدو من سياق الحديث أنه بمنزلة الوزير في الدولة الحديثة.

قوله : (كما بقوامع موسى بن عمران) ... فيه إشارة إلى قوله تعالى: " لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ..." (4) الخ الآية .

والآية واضحة في أن هؤلاء النقباء أفضل أصحاب موسى (ع) ، غير أنها لا تدل على أنهم نتجوا عن تمحيص سابق فشل فيه غيرهم ، كما هو ظاهر الخبر ... إلا أن الآية لا تنفي ذلك على أي حال ،وقد علمنا من القواعد العامة أن هذه الأهمية والعمق في الإخلاص لا يكون إلا نتيجة لتمحيص عميق يمر به المجتمع، فينجح فيه القليل ويفشل فيه الكثير.

الجهة الثالثة : في محاولة فهم عام لهذه الأخبار:

يدل مجموع هذه الأخبار ، على أن أسباب التمحيص ومناشئه عديدة:

المنشأ الأول: ظهور المهدي شاباً موفق، مع أن الناس يحسبونه شيخاً كبيراً .

وقد سبق أن حللنا ذلك ،وقلنا أنه إنما يحدث في الأوساط البعيدة عن الفكر الديني،وعن التعمق ...لوضوح أنه لا معنى لهذا التوقع في المهدي (ع) طبقاً لكلا الأطروحتين في فهم الفكرة المهدوية :الإمامية والعامة..كما سبق أن اوضحنا.


صفحة (516)
ـــــــــــــــــ


(1) انظرأقرب الموارد . (2) ذات المصدر.

(3) المصدر نفسه . (4) المائدة :12



والذي يبدو أن هذا التوقع لا تدل على حدوثه إلا هذه الرواية ... بينما دلت على ظهور المهدي (ع) شاباً عدد لا يستهان به من الروايات ،خاليةمن هذا التوقع ،عليه ففكرة هذا التمحيص منوطة بصحة هذه الرواية بالذات.

المنشأ الثاني: للتمحيص كثرة القتل الذي يقوم به الإمام(ع) في الفترة الأولى من ظهوره.

وقد سبق أن حللنا لك ،وقلنا أن هذه الحملة تنتج رد فعل عنيف لدى الجماعات الموجهة ضدهم، فيواجهونها بمقدار ما يستطيعون من السوء والإرجاف .وأن من أوضح وأصرح أشكال الإرجاف ضد الإمام المهدي(ع) هو التشكيك بمهدويته ،( وليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد لرحم). والمهدي المنتظر لابد أن يكون من آل محمد بإجماع المسلمين ،وهذا ليس من آل محمد بإجماع المسلمين إذاً فليس هو المهدي المنتظر.

والإمام المهدي (ع) بعد أن يكون قد أقام الحجة الكاملة على صدقه وعدالة قضيته، فثبت للرأي العام العالمي ، باليقين ، أنه هو المهدي النتظر ، لايبقى عنده من جواب على هذه الشبهة ، إلا أن يستمر في القتل حتى يستوعب جميع المرجفين.

فهذا التمحيص ،إذاً ، سيوجب زيادة فشل الفاشلين في التمحيص السابق ،وأما المؤمنين بالمهدي فسوف لن يكون لهم في هذا التمحيص أي اشتراك بمعنى أنهم سيكونون من الناجحين فيه بكل تأكيد.

وكلا هذين المنشأين للتمحيص مما سيحدث ، قبل استتباب الدولة العالمية ومن هنا لا يكونان مندرجين في المناهج التربوية العامة التي تعممها الدولة في سبيل تطوير المجتمع وتقدمه نحو الكمال.

وهذان المنشأن معاً من الأسباب العامة للتمحيص ،وغيرخاصة باصحاب الإمام المهدي (ع) ...وهما من السهولة بالنسبة إليهم بحيث يحرز نجاحهم فيهما ، بخلاف الإمتحانات الآتية ،فإنها من التعقيد بحيث لا يحرز فيها هذا النجاح.

المنشأ الثالث: للتمحيص ، اتخاذ المهدي (ع) لأساليب الأنبياء السابقين في القضاء بين الناس.

إذ يكون ذلك ، منشأ للبلبلة والشك في بعض الأوساط من أصحابه .فيقوم الإمام المهدي (ع) بقتل كل المشككين من هذه الناحية ،كما سمعنا من الأخبار.



صفحة (517)


ويحسن أن نتحدث عن هذا المنشأ ضمن عدة حقول:

الحقل الأول: أن التشكيك بهذه القضية والإحتجاج عليها ناتج عن الغفلة أو التغافل عن أمرين :

الأمر الأول: كون الإمام المهدي أولى بالمؤمنين أنفسهم وأموالهم ، تماماً كما كان رسول الله (ص) ،كما ثبت بالدليل ، ومعه فهو يستطيع أن يعمل أي عمل تقتضيه المصلحة ، من دون أن تجوز مناقشته.

الأمر الثاني: أن هذه القضية كلها ذات وجوه صحيحة من وجهة نظر إسلامية وفقهية ، كما سوف يأتي.

فإن لم يلتفت الفرد إلى هذين الأمرين ،وتناسى – على وجه الخصوص – الحجة القطعيى التي أقامها الإمام المهدي (ع) على صدقه وعدالة قضيته ...لم نستغرب منه أن يستغرب من هذه الأقضية ،وإذا سنحت له الفرصة لأن يحتج ، فإنه يبوح باستغرابه واستنكاره.

وقد يكون لهذا الإحتجاج صيغة فقهية، هي ان المهدي يجب عليه أن يطبق القواعد القضائية الإعتيادية ،ولكنه لم يفعل ذلك .

الحقل الثاني:أننا لو نظرنا إلى الشخص المتدين الملتزم، نرى موقفه من تمحيص عصر ما قبل الظهور واضحاً إلى حد كبير ،من حيث فهمه التام بأن كل الأوضاع العالمية سياسية واجتماعية واقتصادية ، قائمة على الظلم والإنحراف ،واتخاذ موقف الإحتجاج والسلبية تجاه هذه الظروف ، امر واضح عقائدياً لاغبار عليه، إذاً ، فمن اللازم على هذا المتدين أن يصمد تجاه التيار وأن ينجح في الإمتحان الإلهي.

ولكن هذا الفرد المتدين الملتزم حين يواجه دولة الحق ،وهو خالي الذهن عن احتمالات تصرفات المهدي وأقواله ..وهو ايضاً قد يكون فج التفكير من ناحية إمكان حمل التصرفات الملفتة للنظر والتساؤل على وجه صحيح ،وليس في تصرفات الإمام المهدي (ع) ما يخالف ذلك.

وهو ايضاً يحمل عن دولة الحق وعن تصرفات رئيسه، مسبقات ذهنية معينة ، نتيجة لثقافته الإسلامية التي تلقاها قبل الظهور ،إذاً ، فمن الطبيعي أن يكون له توقعات معينة عن سيرة الإمام وقضائه ,وخاصة وهو لم يفهم وضوح معنى الحديث القائل:أن المهدي يأتي بكتاب جديد وأمر جديد و قضاء جديد .

صفحة (518)

فمثلاً : يجد هذا الفرد المتدين أنه من الواضح جداً في الإسلام أن يحكم القاضي طبقاً لقانون البينة واليمين. فسوف يمنى بالصدمة العقائدية الشديدة ،حين يرى إمامه وقائده يخالف قواعد القضاء ،ويخالف باعتقاده واضحات الشريعة الإسلامية.

وحيث لا يعرف هذا الفرد وجوه التصحيح ، فسوف يحتج انتصاراً لإعتقاده ، بل قد يؤول موقفه إلى الشك بصدق المهدي(ع) ، إذ لو كان هو المهدي المنتظر لكان مطبقاً للشريعة ،في حدود ضرورياتها الواضحة على الأقل.

إنه من المحتمل أن يكون مثل هذا الفرد ، قد اعتقد بصدق المهدي (ع) مدة من الزمن ،وقاتل بين يديه وتحت قيادته قتال الأبطال ،وشارك بشرف فتح العالم بالعدل ،غير أنه يجد الآن بعد سماعه قضاء المهدي أنه كان متوهم، وان افعاله راحت هدر، أنه لم يكن في حسبانه أن هذا الإمام سيترك العمل بواضحات الشريعة.

وهكذا يبوء هذا الفرد بالفشل في هذا الإمتحان الجديد، فيصبح منحرفاً كان يجب عليه التسليم لإمامه في كلما يفعل ،لأن واضحات الشريعة الشريعة إنما تؤخذ منه لا أنها تفرض عليه ، فاستنكار ذلك يعد انحرافاً ،ولا بقاء للمنحرف في دولة العدل ،ومن هنا يأمر المهدي بقتل كل من يحتج على قضائه ، وبذلك يذهب جماعة ممن ضرب قدام المهدي (ع) بالسيف.

الحقل الثالث: يمكننا أن نلاحظ في هذه الأقضية عدة امور:

الأمر الأول : ان الإحتجاج عليها خاص بالفقهاء العارفين بالشريعة ،ومن يقرب من مستواهم .وأما عوام الناس فلا معرفة له بصحة ذلك أو فساده .ومن هنا يكون في المحتجين من كان قد اعتقد بالمهدي وشارك في الفتح العالمي ممن له ثقافة إسلامية واسعة.

الأمر الثاني: أن الرواية لا تدل على انحصار الإحتجاج بأصحاب المهدي وإنما تدل على وجود الإحتجاج في اصحابه بالجملة ، بشكل يناسب أن يكون معهم غيرهم.

الأمر الثالث: أن الرواية لا تدل على كثرة المحتجين بشكل زائد في كل واقعة ، بل لعله عدد قليل.



صفحة (519)


الأمر الرابع : من المستطاع القول: أن هؤلاء المحتجين من أصحاب الإمام (ع) ، ليسوا على الإطلاق من المخلصين الممحصين من الدرجة الأولى ،وإنما هم من الدرجة الثانية فما دون.

وهذا واضح من الرواية حين تقول : ينكرها بعض أصحابه ممن قد ضرب قدامه بالسيف .فإن الذي يباشر الحرب ويتعرض للقتل بشكل رئيسي هو الجندي المحارب ، دون القائد. وقد سبق أن عرفنا أن الجنود يمثلون الدرجة الثانية ، على حين لا يتولى الأفراد من الدرجة الأولى إلا مراكز اقيادة.

وأما المخلصون من الدرجة الأولى ، ففشل بعضهم في هذا الإمتحان ،وإن كان محتملاً على أي حال ، طبقاً لما قلناه من صعوبة هذا التمحيص، إلاأن االصفات الكثيرة التي سمعنا عنهم تنفي ذلك ..مثل كونهم، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، وكونهم من خشية الله مشفقون ،وكونهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار ....،غير ذلك من صفاتهم .

فيكون من الراجح عدم فشلهم في هذا التمحيص ،واختصاص هذا الفشل بمن هو أقل منهم إخلاصاً وتمحيصاً.

الأمر الخامس: أن هذ الأقضية لا يعملها المهدي (ع) ، إلابعد انتهاء الفتح العالمي واستتباب الأمن ،والبدء بمباشرة التطبيقات الإسلامية على كافة الأمور ، بما فيها القضاء.

وهذا واضح من قوله :ممن ضرب قدامه بالسيف ... الدال على أن الضرب بالسيف ، يعني الفتح العالمي يكون قد انتهى .وهذا واضح أيضاً من القرائن العامة ، إذ لا يكون للمهدي (ع) فرصة الفراغ إلى مثل هذه الأقضية إلا بعد الحرب عادة ،وهناك بعض النقاط حول ذلك نوكلها إلى ذكاء القارىء.

الأمر السادس : أنه لا دليل على تتابع هذه الأقضية في أيام قليلة ،من قبل المهدي (ع) .والخبر الدال على ذلك وإن أوحى ظاهره بذلك إلا أن (العطف) بثم ذليل على التراخي والفصل بين قضاء وقضاء بمدة كافية .وإن كان المظنون أن مجموع هذه الأقضية لا يستغرق وقتاً طويلاً جد، بل يكفي فيه العام الواحد تقريباً.

الأمر السابع: أنه لا دليل على استمرار سيرة المهدي على العمل بهذه الأقضية ،وإنما هو يعملها في الفترة الأولى من مباشرته للقضاء ....ثم يحكم أخيراً بقضاء محمد صلى الله عليه وسلم ويستمر عليه.



صفحة (520)


والمعتقد أن هذا صحيح بالنسبة قضاء لآدم وإبراهيم ،وأما قضاء داود فقد دل عدد من الروايات التي سوف تأتي على استمرار المهدي على ذلك ،ولا أقل من كونه مخيراً باستمرار بينه وبين قواعد القضاء الإعتيادية ،وهذا ما سوف نبحثه في محله من هذا الكتاب.

الأمر الثامن: أن أهم ما يبدو للناظر من فوائد هذا التمحيص ما يلي:

أولاً : ربط الدعوة المهدوية بخط الأنبياء ككل، حيث يكون من حق المهدي (ع) أن يقضي بأي أسلوب قضائي سار عليه نبي من الأنبياء السابقين، لوجود الإرتباط العضوي بين حلقات هذا التسلسل العام ، المنتهي بالمهدي نفسه ،وقد أشرنا أنه من هذه الجهة. يلقب ببقية الله في الأرض .
وهذا مبرهم الصحة ، كما سبق أن عرفنا ، غير أن المهدي (ع) يقيم الآن دليلاً حسياً على ذلك:


ثانياً: إثبات سعة علم المهدي (ع) وإطلاعه على اساليب القضاء التي كان يتخذها الأنبياء السابقون ... أعني إقامة رقم حسي على ذلك.

ثالثاً : تربية الأمة والبشرية على أساس قبول آراء المهدي وقوانينه وعدله العام بدون مناقشة ، لأن منها ما يتوقف على عدم إطلاع الأفراد على أسبابه بل يجب الأخذ بشكل تعبدي محض .وإلا لم يكن سبباً كاملاً للتربية المطلوبة.

ولذا نجد المهدي كما تدل عليه الرواية ، يترك الإعلان عن هوية القضاء الذي يقضيه فترة من الزمن ريثما يتعين من يقبله ممن يرفضه ، وبعد أن يتم القضاء على عناصر الإحتجاج والإستنكار ، يكون التمحيص قد تم، فتنفتح فرصة واسعة أمام المهدي للإعلان عن هوية هذا الأسلوب القضائي الذي سار عليه أو ذاك. وبعد الإعلان تنتج الفائدتان الأوليتان.

الأمر التاسع : في قابلية هذه الرواية الدالة على ذلك ، على تعدد أساليب قضاء المهدي للإثبات التاريخي، والظاهر انها الرواية الوحيدة الدالة على ذلك ، في حدود علمنا ، فيكون البناء على صدقها وصحتها ، متفرعاً على قابليتها للإثبات التاريخي وقابليتها للإثبات متفرعة على وثاقة رواتها.

صفحة (521)





هذا وقد نقلها صاحب البحار عن كتاب الغيبى للسيد على بن عبد الحميد ، وأحال السند على ذلك الكتاب، فأصبح الرواة مجهولين بالنسبة إلينا ،فلا تكون قابلة للإثبات ، وإن كانت قريبة من الوجدان على أي حال ، بل ضرورية إذا كان هذا الأسلوب من التمحيص مما تتوقف عليه تربية المجتمع في التخطيط الآخر للظهور.

وبهذا يتم الحديث عن المنشأ الثالث للتمحيص.

المنشأ الرابع للتمحيص: اتخاذ الإمام المهدي موقفاً جدياً تجاه تصرفات أصحابه الذين وزعهم حكاماً على أقاليم العالم.

فإنهم بعد توزيعهم هذا سيكونون محل عناية وتركيز ومراقبة من قبل القائد المهدي (ع) لكي يكونون جديين في تطبيق العدل صارمين في الحق مستمرين في الحفاظ على مستوى المسؤولية العليا التي أنيطت بهم ،وهي مسؤولية ليست سهلة بلهي مهددة بالزلل والفساد لأقل طمع أو جشع .كما هي مهددة بالإنحراف في التطبيق لأقل نسيان أو خطأ.

ومن هنا ورد عن المهدي(ع) كونه " شديداً على العمال".

أخرج السيوطي في الحاوي(1) وابن طاووس في الملاحم والفتن(2) وغيرهما ، عن نعيم بن حماد في كتابه الفتن بسنده عن طاوس قال: - بلفظ السيوطي- :

علامة المهدي أن يكون شديداً على العمال جواداً بالمال رحيماً بالمساكين وبلفظ ابن طاوس : المهدي سمح بالمال ، شديد على العمال رحيم بالمساكين.

والعامل في اصطلاح أرباب السياسة : الرئيس والوالي ومن تولى إيالة(3) فالعمال – في الحديث - هم ولاة المهدي في العالم .

ولا يراد بالعامل من يعمل بيده أو في معمل بدليل قوله : رحيماً بالمساكين فإن العامل بهذا المعنى من المساكين وضعاف الحال ، فيكون المهدي رحيماً به لا شديداً عليه.

وإنما شدته على عماله ،أعني الحكام الموزعين في أقاليم الأرض ،من أجل أهمية تطبيق العدل ،ومراقبتهم لئلا يحصل تسامح أو إنحراف فيهم .


صفحة (522)
ـــــــــــــــــ


(1) ج2 ص150

(2) ص137

(3) انظر القرب الموارد ، مادة :عمل.



وهذا ما يؤكده – ايضاً – الخبر الذي سمعناه في هذ الفصل عن البحار عن المفضلبن عمرو، حيث نستطيع أن نفهم منه هذا التسلسل الفكري:

إن اصحاب الإمام (ع) ،خلال حكمهم على العالم ،سيمارسون نشاطهم الإعتيادي ،من خلال ما يعرفونه من أحكام وما يتوصلون إليه من أساليب وما يتلقونه من تعاليم وما يحتوون عليه من قابليات ويبقون على ذلك، برهة من الزمن لا تحددها الرواية.

وهذه الممارسة هي في حقيقتها من أعظم التجارب والتمحيصات المتوجهة إليهم ، إلى حد من الممكن القول: بأنهم لم سبق لهم أن عاشوا مثل هذا التمحيص الكبير... بالرغم من مرورهم بالتمحيص السابق على الظهور. وبفترة الفتح العالمي ،واجتيازهم كل ذلك بنجاح منقطع النظير .

وخلال هذه البرهة ،تبدأ – بالتدريج- نقاط ضعفهم بالظهور ،ويتجلى اختلاف قابلياتهم في الإدراة وتطبيق العدل بشكل واضح .إلى حد يصبح العدل العالمي ككل معرضاً للخطر ، لو استمر الوضع على ما هو عليه.

فيأتي ذلك اليوم القريب الذي يجمعهم الإمام المهدي(ع) من أطراف العالم ،ويعمل لهم مؤتمراً عاماً، فيخرج لهم من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب ، عهد معهود من رسول الله (ص) – كما تقول الرواية- فيطلعهم عليه، والرواية لا تشير إلى مضمون هذا العهد لأن التصريح به فوق مستوى الذهنية العامة لعصر صدور النص. إلا أنه من المؤكد أنه سوف يكون مضاعفاً للمسؤولية عليهم مؤكداً لهم وجوب الإلتزام بالعدل بشكل دقيق لا تسامح فيه .وبذلك تصبح نقاط ضعفهم التي مارسوها خلال نشاطهم العالمي، واضحة للعيان.

تقول الرواية: فيجفلون عنه اجفال النعم.... يهربون عنه ولا يقبلون بمضمون هذا العهد ،وبذلك يفشلون في هذا التمحيص فشلاً ذريعاً ، بالرغن من أنهم نجحوا في كل التمحصيات السابقة.

وسيكون الفاشلون أكثر أصحابه خاصة ، إذ لا يبقى منهم إلا اثني عشر نفر منهم ، يتخذون جانب طاعة الإمام المهدي وإلإلتزام بعهوده وتعاليمه فيكون العصاة عليه ثلاثمائة شخص وواحد ،وهم الباقي بعد الطرح اثني عشر من ثلاثمئة وثلاثة عشر.

وليتهم إذ يهربون منه ، يكتفون بترك المجتمع او الإنصراف إلى العبادة ،أو الأعمال الخيرية الصغيرة ، لكنهم يجولون في الأرض طلباً للناصرين لهم والمدافعين عنهم.



صفحة (523)


ليكونوا جبهة معارضة ضد الإمام (ع) أو بما ينوون مناجزته القتال إذا استطاعوا.

ولكنهم سيفشلون في مهمتهم فشلاً ذريعاً ، لأن عدل المهدي وهيبته وصحة عقيدته وقانونه .يكون قد سبقهم إلى كل القلوب والعقول ،فلم يبق في العالم أحد إلا تابع المهدي إيماناً أو خوفاً أو طمعاً ، تماماً كما نطقت به بعض الأخبار ، فيتفرق عنهم الناس ، بعد أن يعرفوا مقاصدهم المنحرفة ،ولا يستطيع هؤلاء أن يجدوا في البشرية مؤيداً ولا ناصراً.

وتمضي خلال ذلك مدة ، يقررون في نهايتها الرجوع إلى المهدي للإعتذار منه وتخليص انفسهم من عقوبته. ولكن هيهات ولات حين مناص بعد الفشل الذريع ، إنهم الآن مستحقون للقتل في منطق الدولة المهدوية. ومن هنا سيواجههم الإمام القائد بكلام معين ، يأبى الحديث الشريف عن التصريح بمضمونه ، تكون نتيجته، أن هؤلاء الناس يكفرون بالمهدي يعني ينكرون مهدويته وصدقه .ولا بد أنه عندئذ يامر بقتلهم جميعاً.

وإلى هنا تنتهي الحادثة التي يعرب عنها هذا الحديث ،وهو أمر محتمل تماماً ، بحسب ما أعطيناها من الفهم العام للدولة المهدوية وللتمحيصات العامة ، وخاصة تلك التي تكون في التخطيط اللاحق للظهور.

وعلى أي حال فلن ينجو من الفشل في هذا التمحيص إلا اثني عشر فرداً ، يبدو أنهم يمثلون الحكومة المركزية في العالم ، أعني انهم كانوا يعملون إلى جانب الإمام المهدي نفسه ، وليسوا متفرقين في العالم. وذلك بمرجحين :

المرجح الأول: أن فيهم الوزير حيث تقول الرواية : الوزير واحدعشر نقيباً.

والوزير يعمل إلى جنب الملك أو الرئيس عادة ،وهو في الدولة القدية بمنزلة رئيس الوزراء في الدولة الحديثة ،كما عرفنا.

المرجح الثاني: أن هؤلاء النفر القليل ـ أفضل في الإخلاص وقوة الإرادة ،أساسا من اؤلئك المرتدين العديدين ،بدليل نجاحهم وفشل اؤلئك. والنجاح لا ينتج إلا من عمق الإيمان.

ومن الطبيعي أن نفترض أن المهدي من أول الأمر يختار حكومته المركزية من أفضل هؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر، فيستبقي عنده اثني عشر منهم، ويفرق الباقي في البلدان ،فيكون هؤلاء الإثني عشر أفضل من الجميع ، فيتيسر لهم النجاح في هذا التمحيص.



صفحة (524)


وهم باعتبار قربهم من قائدهم ومركزية وجودهم يكونون أكثر استيعاباً وفهماً لموقف المهدي وآرائه ،وللمصالح العالمية ككل، ومن هنا يكونون أقرب للنجاح في التمحيص من هذه الجهة .

هذا ، ولكن هذه الرواية الدالة على هذا التمحيص لا تخلو من بعض المناقشات:

المناقشة الأولى : إن هذا الحديث الشريف وحده غير كاف في الإثبات التاريخي ، بحسب الموازين التي اتبعناها في هذا البحث التاريخي.

والقرائن العامة التي فهمناها وضممناها إليه ...وإن كانت مؤيدة لمضمونه ،إلا أنها في الحقيقة ، تؤيد إمكان وقوع ذلك ، لا أنها تؤيد إثبات الوقوع ، وفرق كبير ما بين هذين ألامرين.

المناقشة الثانية : إننا لو غضضنا النظر عن الأسلوب الإعجازي الذي عرفناه أن ادعوة الإلهية لا تقوم عليه على طول الخط ... فإننا يمكن أن نقول: إن ارتداد هؤلاء لا يشكل نقصاً ذريعاً في المؤهلين لإدارة العالم .

فإن كان هؤلاء الذين تمخض عنهم تاريخ البشرية في خطها الطويل ، لأجل نصرة الإمام المهدي طبقاً لتخطيط ما قبل الظهور ، إن كان هؤلاء لم يستطيعوا الإستقامة ولم تثبت أهليتهم الكاملة لممارسة الحكم .فمن أين يأتي الإمام بغيرهم في تلك العجالة ،ولما يمر بعد على البشرية زمان كاف للتربية والتكامل بحيث يكون الحكام الجدد افضل بدرجات كبيرة وواضحة من هؤلاء المخلصين والممحصين ، إن ذلك – بعد إسقاط الأسلوب الإعجازي عن النظر- أمر في غاية البعد.

فإذا التفتنا إلى سياق الحديث ، نشعر بأنهم سوف لن يمارسوا الحكم في الدولة المهدوية طويلاً ، بل قد لا يعدو حكمهم عدة أشهر ،هذا ما تعضده القرائن ،فإن انكشاف نقاط ضعف تكفي فيه هذه المدة بشكل واضح، فالمدة كافية لفشلهؤلاء ، ولكنها غير كافية لإيجاد بديل أفضل منهم ، يسد الفراغ الكبير الذي سوف يحدثه ارتدادهم.

وحيث ينعدم البديل ، يستبعد زوال هؤلاء عن كراسي الحكم ، لأنه سوف يؤدي إلى الإخلال بالدولة العلمانية وأهدافها الكبيرة.

صفحة (525)



المناقشة الثالثة : إن الإمام المهدي يقيم الحجة على صدقه لأول مرة ، عند ظهوره لخاصة أصحابه الذين يبايعونه في المسجد الحرام ويرافقونه إلى العراق .وهؤلاء هم الذين يفترض بهم أن يكفروا به بعد هذا الزمن المتطاول والجهاد المتواصل ... بعد أن أضحت الحجة على صدق المهدي (ع) معلنة على البشر أجمعين، وواضحة لكل فرد وضوح الشمس ،وقد شارك هؤلاء انفسهم في إعلانها وترسيخها في المجتمع ، على أوسع نطاق.

وإن أهم حجة على الإطلاق يمكن للمهدي (ع) يمكن أن يقيمها هو فتحه للعالم كله وتطبيقه للعدل فيه .فإننا لا نعني بالمهدي إلا الشخص الذي يعمل هذا العمل ويؤسس هذه النتيجة الكبرى ، بإجماع علماء المسلمين، بل بإجماع أهل الأديان.

وإن أي تشكيك يمكن أن يرجف به المرجفون في المعجزات الوقتية التي يقيمها المهدي (ع) كحجة على صدقه ، كالذي قيل ضد بني الإسلام (ص) بأنه كاهن أو ساحر ، غير أن الفتح العالمي واستتباب الدولة العالمية ، دليل لا يمكن أن يرقى إليه شك.

وإن أهم من يعرف ذلك ويفهمه بعمق من البشر المعاصرين لذلك العهد ،هم هؤلاء الخاصة المخلصين الممحصون ، فكيف يمكن أن نتصور منهم أنهم يكفرون به ويرتدون عن الإيمان بمهدويته.

المناقشة الرابعة :إننا سبق أن ذكرنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1) أن احتجاب الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الكبرى، مهما كان دقيقاً شاملاً إلا أن الفرد إذا وصل في تربيته وتمحيصه إلى درجة معينة عالية من الإيمان، فأصبح له من المخلصين الكاملين، كان له أن يرى الإمام ولا دليل على أنه (ع) يحتجب عن مثل هذا المستوى الرفيع من المؤمنين.

وهناك من الأخبار ما يدل على مرافقة المهدي (ع) لجماعة من الناس مع معرفتهم بحقيقة الغيبة الكبرى ،وأن عدداً من الناس ممن كانوا يشاهدونه خلال ذلك كانوا يعرفونه حين يصادفونه بعد ذلك.

إذاً ، فهؤلاء المخلصون المعاصرون للظهور ، كانوا يعرفون الإمام المهدي(ع) خلال غيبته ،وربما كان بعضهم متصلاً به ومعاشراً له، فمثل هؤلاء يكونون مطلعين على حقيقة المهدي(ع) منذ غيبته،وقد سمعنا غير بعيد، احتمال أن الإمام (ع) يخصهم خلال ذلك بالتعاليم التي تؤهلهم لتولي مسؤولياتهم الجسيمة بعد الظهور.


صفحة (526)
ـــــــــــــــــ


(1) انظر ص150 وما بعدها إلى عدة صفحات.



إذاً ، فهؤلاء الخاصة على يقين بأن هذا الشخص بعينه هو المهدي المنظر .منذ غيبته فضلاً عن عصر ظهوره .ومعه فمن غير المحتمل أن يخطرعلى بالهم التشكيك بمهدويته.

ومع وجود هذه المناقشات وغيرها ، يكمننا أن نطمئن تماماً على استقامة هؤلاء الخاصة خلال ممارستهم الحكم والقضاء في دولة العدل العالمية . وخاصة بعد ان عرفنا أن أسلوب الإمام القائد (ع) ، هو تعاهدهم بالتوجيه والرعاية والإصلاح.

ومعه لا يكون مضمون هذا الخبر الدال على ارتدادهم ، قابلاً للإثبات التاريخي.

الجهة الاربعة : في تمحيص الإمام المهدي (ع) للأمة ككل.

والأمة الإسلامية تشكل يومئذ أكثرية البشر،إن لم يكن جميعها .والدولة الإسلامية المهدوية مسيطرة على العالم كله بطبيعة الحال.

والفرد الإعتيادي فيها يواجه عدة مستويات من التمحيص ، بحسب ما يدركه الباحث على الظهور.

المستوى :التمحيص تجاه عواطف الفرد وغرائزه وشهواته.

فإن الإنسان خلال الحكم العادل ، لا يتحول عما خلق عليه من الميول والغرائز ،وما ركب فيه من الشهوات، بل يبقى انساناً بماله من عقل وفكر وغرائز وميول ،وقصارى ما يقدمه التشريع العادل ،هو أن ينظم له متطلبات هذه الجهات، بحيث يضمن له التوازن بينها أولاً ، والتكامل المستمر ثانياً.

كما ان قصارى ما تقدمه الدولة العادلة ، هو أن تفتح له فرص هذا التوازن والتكامل على مصراعيها، اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً وفكرياً.

وأما الأخذ بزمام المبادرة إلى التحكم في الغرائز المنطلقة وكبح جماحها ،وتطبيق مفاهيم الفضيلة والعدل عليها ،أو تطبقها على هذه المفاهيم ...فهو موكول إلى الفرد نفسه على طول الخط .بحسب منطق الدعوة الإلهية ، لا يختلف ما قبل الظهور عما بعده في ذلك.

إذا فالفرد يواجه هذه المسؤولية على طول الخط ،وهي تشكل تمحيصاً مهماً بالنسبة إليه ،حيث تقاس تصرفاته وردود فعله ، تجاه متطلبات عواطفه وشهواته المنحرفة !

فبمقدار ما يمكنه أن يطبق عليها المنهج العادل في التوازن واتلكامل ، يكون ناجحاً في التمحيص ،ومهما قصر في ذلك استطاعت شهواته السيطرة على سلوكه وتفكيره ،وأعاقت سيره نحو الكمال ، كان فاشلاً في التمحيص.



صفحة (527)


المستوى الثاني: المشاركة في تطبيق العدل الكامل .

فإن العدل الكامل يتوقف على تجاوب وتعاطف بين الدولة والأفراد من ناحية ،وبين الأفراد أنفسهم من ناحية أخرى ،وعلى إطاعة كاملة وتطبيق حقيقي للتشريع العادل ،على كل المستويات .لكي يكون لكل فرد في الدولة والمجتمع شرف المشاركة في إنجاح التجربة العادلة الكبرى ،وفي جعل البشرية جمعاء في طريق التكامل الحقيقي والسعادة الكاملة ، التي يهدف إليها تخطيط ما بعد الظهور.

وإن أي تقصير أو تخلف، مهما كان بسيطاً، سوف يكون عاملاً عكسياً هداماً في هذا التخطيط المقدس، وهذا الهدف العظيم ،ويعتبر انحرافاً مهماً وفشلاً ذريعاً في التمحيص .قال الله تعالى :

"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم .وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ،ومن كفر بعد ذلك ، فأؤلئك هم الفاسقون".(1)

إذا فالكفر والتمرد على متطلبات العدل بعد تنفيذ هذا الوعد وإقامة الدولة العالمية العادلة، أمر يمثل أقصى الخسة والإنحطاط.

والدولة ، بطبيعة الحال ، تساعد بكل اهتمام ، في إيجاد الظروف الملائمة لتطبيق هذه المسؤوليات ، على ما سنسمع في الفصل الآتي الخاص بأسلوب تربية الأمة .

وفي مثل ذلك ، يكون الأخذ بزمام المبادرة إلى الطاعة وتطبيق العدل ،من قبل الفرد سهلاً إلى حد كبير .ومن هنا تكون بوادر الإنحراف والتمرد على هذه المسؤوليات من أعظم الجرائم وأكبرها ،ولا يكون العقاب بالقتل عقاباً مجحفاً.

المستوى الثالث : التسليم بكل ما يقوم به الإمام المهدي (ع) من أفعال وأقوال ،والإعتقاد بكونه هو الحق الصحيح ،وعدم الإستماع إلى الإرجاف الذي قد يحصل حول ذلك ، مهما كان فعله (ع) ملفتاً للنظر وغير معروف المصلحة.



صفحة (528)
ـــــــــــــــــ


(1) النور / 55


لأن هذا التسليم هو الذي يمكن المهدي (ع) من تربية الأمة والبشرية تربية كاملة ومستمرة ،ووضع الأسس التربوية التي يتبعها الحكام العالميون الذين يمارسون الحكم بعده، بعد وضوح أنه هو الشخص الوحيد المسدد من قبل الحكيم المطلق تعالى ، في معرفة الحقائق والمصالح والأحكام .

والأخبار التي رويناها في الجهة الأولى من هذا الفصل ، حين تتعرض إلى صور التمحيص ، يمكننا فهمها على أساس هذه المستويات الثلاثة.

فأخبار قضاء الإمام المهدي (ع) بأساليب الأنبياء السابقين ، تتعرض إلى التمحيص ، على الأساس الثالث ، لوجوب التسليم بالقضاء الذي يتخذه المهدي (ع) على كل تقدير.

وكذلك هؤلاء الخاصة الذين يجفلون عنه إجفال النعم – لو تم الخبر- فإنهم نجحوا في التمحيص بالمستويين : الأول والثاني ، وفشلوا في المستوى الثالث . وقد عرفنا تفصيله.

أما امتحان أصحاب طالوت، وتطبيقها على اصحاب الإمام المهدي (ع) . فإن القسم الأول منهم إن كانوا نجحوا بالمستوى الأول فإنهم فشلوا في المستوى الثاني والثالث، فإنه كان اللازم الإلتزام بكلام قائدهم بدون مناقشة للوصول إلى الخير والسعادة .بل إنهم لم ينجحوا حتى في المستوى الأول ، لأنهم قدموا مصالحهم الحياتية على تطبيق التشريع العادل.

وأما القسم الثالث: من أصحابه فقد نجحوا نجاحاً كاملاً في كل المستويات ، فأصبحوا من الخاصة المؤمنين ، الذين نصرالله تعالى بهم دعوته العامة.

وكذلك سيمر أصحاب الإمام (ع) بالتمحيص ،وستتعدد مستويات النجاح بالنسبة إليهم ،مع فرق مهم بينهم وبين أصحاب طالوت في فهم المستوى الثاني للتمحيص ،فإن اصحاب الإمام يتحملون مسؤولية تطبيق العدل المطلق ،واصحاب طالوت يتحملون مسؤولية تطبيق مرحلة من العدل تناسب المستوى الذي عاصروه من تطور البشرية.



صفحة (529)


ولن يكون الإمتحان الذي يمر به أصحاب الإمام تماماً كذلك الإمتحان. بكل حوادثه ،وإنما تشير الرواية إلى وجود تمحيصات لهم، لم تشرإلى هويتها وإنما مثلت لها تمثيلاً ،وقد شرحتها الروايات الأخرى بوضوح.

وأما قوله في الحديث الآخر :إذا خرج القائم ، خرج من هذا الأمر من كان يرى بأنه من أهله ،ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر ... فهو بالرغم من كونه خبراً مرسلاً لا يصلح للإثبات ، غير اننا لو لاحظناه على ضوء مجموع الفهم الذي أعطيناه لتمحيص الأمة ، يصبح فهمه أمراً طبيعياً وسهلاً ، بل يمكن الوثوق بصحة الحديث ، على ضوء هذه القرائن العامة.

فإن ذلك يعتبر من النتائج الرئيسية للتمحيصات السارية المفعول في تخطيط ما بعد الظهور، فبينما يكون جماعة من المتدينين بالحق ، نجدهم يخرجون من عقيدتهم وينحرفون احرافاً شنيعاً ... بينما نرى قوماً آخرين ربما يكونون أكثر عدداً وأكبر عدة ، يكون واقعهم قائماً على الإلحاد والمادية أو التسيب واللامبالاة ، (شبه عبدة الشمس والقمر) يؤمنون بالمهدي (ع) ويحسن إيمانهم نتيجة لوضوح الحجة التي يعلنها (ع)، وجمال العدل والسعادة التي تعم دولته العالمية.

وإذا كان الماديون ،وهم أبعد الناس في تسلسل الفكر الإعتقادي لدى البشر عن الإسلام، يصبحون مسارعين إلى الإيمان ، فكيف بالآخرين من ذوي الأديان السماوية وغيرهم، ممن هم أقرب في تسلسل الفكر الإعتقادي إلى الإسلام ، نتيجة لإعتقادهم بالخالق الحكيم وإنكارهم للمادية المطلقة -. سنذكر في الباب التالي من هذا الكتاب ، الفرص الكبرى التي تنفتح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى للدخول في دين الله أفواجاً.

وأود في هذا الصدد ، أن يفرق القارىء ، بين سيطرة الإمام المهدي (ع) على العالم وبين دخول الناس في عقيدته. فإن هذه التمحيصات إنما تؤثر في زيادة الإيمان ونقصه ، بعد استتباب الدولة العالمية ،ولا ربط لها بتأسيس هذه الدولة .
صفحة (530)






مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 07:40 PM   #27
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل السادس

أسلوب الإمام المهدي (ع) في تربية الأمة

تمهيد :

ينبغي في هذا الفصل أن نأخذ بنظر الإعتبار نقطتين رئيسيتين:
النقطة الأولى: إن بحثنا عن اسلوب الإمام (ع) ، في تربية الأمة ، سوف يكون بحثاً إجمالياً بعد تعذر الإطلاع على التفصيل .لأن ذلك يقتضي الإطلاع الكامل على عمق الوعي الذي ينشره الإمام (ع) في ربوع البشرية ، ليمكننا أن نرى أصح الطرق وأسهل الأساليب التي يتخذها (ع) في هذا الصدد ، فيبقى تفصيل ذلك مؤجلاُ إلى عصر الظهور.


ومن هنا سوف نفتصر بالضرورة ، على ما تدركه أذهاننا من عناوين عامة ، واساليب مفهومة ،مطابقة للقواعد العامة المبرهنة الصحة في الإسلام.

النقطة الثانية : إن هذا البحث ، بالرغم من إجماله ، سوف لن يعدم المصادر للإطلاع على بعض الخصائص من هذه الناحية ، تلك المصادر التي اتبعناها في كل هذا التاريخ ، وهي القواعد العامة في الإسلام والأخبار الواردة بالخصوص ، مما يمكن أن يلقي ضوءاً على محل الكلام . وسنرى هنا أن في هذين المصدرين غناء وعطاء سخياً.

وسنتحدث في هذا الفصل عن جهتين: إجداهما :في الأساليب العامة المتخذة لتربية الأمة في عهد الظهور. والأخرى: في نتائج هذه التربية ، أو ما يمكن أن يصل إليه المستوى الثقافي والإيماني للأمة الإسلامية، نتيجة للتربية المهدوية.



صفحة (531)


الجهة الأولى : في الأساليب العامة المتخذة لتربية الأمة في عصر الظهور.

ويكون في الإمكان أن ندرك تلك الأساليب لو استطعنا أن نحمل فكرة واضحة عن دواعي الإنحراف وموجباته، في المجتمع المنحرف فيما قبل الظهور.

وتتلخص تلك الدواعي – بشكل عام - فيما يلي:

أولاً: التثقيف المنحرف الموجه من قبل الدولة للأجيال الصاعدة ، في المدارس والمعاهد ووسائل الإعلام بشكل عام.

ثانياً : الضغط الموجه من قبل الدولة لإطاعة وتطبيق القوانين الوضعية المخالفة للعدل الإسلامي.

ثالثاً : الحاجة المالية عموماً والتنافس المال خاصة ، الذي يدعو الفرد إلى ارتكاب كل الأساليب في الحصول على المال ، سواء في الصناعة أو التجارة او خدمة الدولة أو غيرها.

رابعاً : التنافس الإجتماعي في توسيع السكن وتجميل الثياب وتحسين وجبات الطعام ،والحصول على الآلات الحديثة الموفرة للراحة والرافعة من شأن صاحبها نتيجة لهذا التنافس.

خامساً : الإغراء الجنسي ، على مختلف مستوياته وأشكاله.

وتتداخل هذه الأسباب وتتشعب ، فيشعر الفرد المعاصر، بكل وضوح ،بأن السير في اتجاهها هو الأصلح له، والذي يوفر له قسطاً من الراحة والهناء .ومن هنا يندفع تلقائياً إلى التكيف طبقاً لمتطلباتها ،فيعطيها من جانبه المعنوي والخلقي ومن راحته وهنائة نفسه الشيء الكثير.

ومن هذا المنطلق يحدث التغيير، إذ يشعر الفرد بالراحة والهناء ، بدون وجود أسباب الإنحراف ليتوفر له فرصة الهداية والسير نحو العدل والحق.

ومن هنا نستطيع ان نتبين بوضوح الأسلوب الرئيسي الجديد لتربية الأمة ، ضمن النقاط التالية ،كل واحدة بإزاء أحد الدواعي السابقة .

النقطة الأولى : إن التثقيف الخاص والعام، يصبح موجهاً نحو طاعة الله وعبادته، في كل حقولها ومستوياتها، والخلق الرفيع ،وذلك عن طريق كل ألسنة المهدوية ...ابتداء بالتوجيهات العليا الصادرة من الإمام (ع) نفسه، وانتهاء بأجهزة الإعلام كالإذاعة والتلفزيون والصحف .وكذلك المناهج التربوية في المدارس والمعاهد العلمية في كل العالم.



صفحة (532)


النقطة الثانية:إن الضغط بدل أن يكون موجهاً نحو تطبيق القانون المنحرف، سيكون موجهاً ضده، وسيستأصل كل منحرف وفاشل في التمحيص الإلهي كما رأينا وسمعنا .وبذلك تنقطع الأرضية العامة لنمو الفساد انقطاعاً كاملاً ،ويطبق القانون العادل الكامل تطبيقاً كاملاً.

النقطة الثالثة : إن التنافس سوف يكون موجهاً ومركزاً نحو الخير والصلاح طبقاً للمفاهيم والقوانين العامة التي تصبح سائدة في ذلك العصر.

النقطة الرابعة : إن الحاجة المالية ،وهي من أعظم اسس الجريمة في العالم اليوم ، سوف ترتفع تماماً بعد الذي سنسمعه في الفصل الآتي ،من توفير المهدي للمال وفرة كبيرة جداً يرتفع فيه الدخل لكل أحد ، ارتفاعاً كبيراً .وتتوفر فرصة العمل لكل الأفراد توفراً حقيقياً بشكل متساوي ، على ما سنسمع أيضاً.

النقطة الخامسة : إن الإغراء الجنسي المنحرف ، ينعدم بالمرة ، بعد تطبيق الأحكام الإسلامية في تنظيم العلاقة بين الجنيسن .إذ بعد بناء النفوس والأفكار بناء صالحاً عن طريق التثقيف العام والخاص ، سوف تتمثل هذه العلاقة على أرفع صورها وأعدل اشكالها.

ومع اجتماع هذه النقاط ، سوف يصدر الفرد عن قناعة وإخلاص، إلى ضرورة إقامته للخير والسلوك العادل ومواكبة الأطروحة العادلة الكاملة ، التي يدعو إليها المهدي (ع) ويطبقها.

وسيشعر الفرد بوضوح: أن السلوك الشرير على خلاف مصلحته الخاصة والعامة ، على طول الخط وفضلاً عن كونه خروجاً عن الخط العبادي لله عز وجل ، ومستوجباً للعقاب في الدنيا والآخرة.

فهذا موجزعن الظروف التي توفرها دولة الإمام المهدي (ع) للصلاح والإيمان، وبالتالي: العدل ... بغض النظرعن تفاصيل المفاهيم التي يعلنها في المجتمع ...تلك المفاهيم والظروف التي تؤدي إلى النتائج الكبرى التي نحاول أن نحمل عنها صورة واضحة .في الجهة الآتية.

الجهة الثانية : في نتائج التربية الإسلامية في دولة المهدي (ع) وما يمكن لأن يصل إليه المستوى الثقافي والإيماني في المجتمع، بشكل عام.


صفحة (533)



ونحن تارة نحاول أن نتناول ذلك من زاوية القواعد العامة التي عرفناها ،اعني من حيث الإرتباط بالتخطيط الإلهي العام لهداية البشرية ،وأخرى من حيث الإعتماد على الأخبار الواردة بهذا الصد ، مما يمكن جعله منطلقاً إلى معرفة خصائص المستوى الثقافي والإيماني للناس ، فيما بعد الظهور.

وأما إذا نظرنا من زاوية التخطيط الإلهي العام . فمن مكرر القول أن نؤكد على ان النتيجة الأولى التي تحدث باستتباب الحكم للمهدي (ع) في العالم ، هو تطبيق ما سميناه بـ (الأطروحة العادلة الكاملة) من الناحية القانونية وأن النتيجة الكبرى والنهائية التي تحدث نتيجة للخط التربوي الطويل الذي يتخذه الإمام المهدي (ع) في دولته، هو الهدف الإلهي نفسه من خلق البشرية ، ذلك الهدف الذي أعرب عنه قوله تعالى:
" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" .(1)


وهو وجود المجتمع العادل في أفراده و(المعصوم) في رأيه العام ...بل المجتمع المعصوم في أفراده أيضاً .

في نهاية المطاف وسيأتي البرهان الكامل عليه في الكتاب الاتي من هذه الموسوعة .

وأما إذا نظرنا من زاوية ألاخبار الواردة في هذا الصدد ، فنجد أمثلة متفرقة تعطينا صوراً كافية عن السلوك الصالح والمستوى القافي والإيماني ، الذي يصله الأفراد بعد استتباب دولة المهدي (ع).

فمن ناحية الأخوة في الهدف المشترك ، والتصافي بين أفراد المجتمع ، نسمع الأخبار التالية :

فمن ذلك :ماأخرجه السيوطي في الحاوي(2) عن نعيم بن حماد وأبو نعيم من طريق مكحول عن علي قال: يا رسول الله ، امنا آل محمد المهدي أم من غيرنا؟ فقال: لا بل منا ، يختم الله به الدين كما فتح بن،وبنا يؤلف الله قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً في دينهم .أقول : وهذا حديث مشهور أوردته الكثير من مصادر الفريقين.

وأخرج مسلم(3) عن ابي هريرة في حديث عن النبي (ص) أنه قال : لتذهبن الشحناء والتباغض.


صفحة (534)
ـــــــــــــــــ


(1) الذاريات: 56. (2) ج2 ص129.

(3) ج1 ص94.



وأخرج النعماني(1) بسنده عن عميرة بنت نفيل ، قالت:

سمعت الحسن (الحسين) بن علي (ع) يقول : لا يكون الأمر الذي تنظرون، حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض فيشهد بعضكم على بعض بالكفر ويلعن بعضكم بعضاً .فقلت له : ما في ذلك الزمان من خير! فقال الحسين (ع) : الخير كله في ذلك الزمان ، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله.

وأخرج الجلسي(2) في البحار ، بإسناده عن بريد العجلي ، قال: قيل لأبي جعفر (ع) :

إن أصحابنا في الكوفة جماعة كثيرة ، فلو أمرتهم أطاعوك واتبعوك فقال: يجيء أحدهم إلى كيس أخيه فيأخذ منه حاجته فقال : لا. فقال:هم بدمائهم أبخل! ....ثم قال :إن الناس في هدنة ، نناكحهم ونوارثهم ونقيم عليهم الحدود ونؤدي اماناتهم ، حتى إذا قام القائم جاءت المزايلة ،ويأتي الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته ولا يمنعه.

أقول : المزايلة هي الفارقة والمباينة بين أهل الحق وأهل الباطل والكيس المرادبه محل حفظ النقود.

وهذه الصورة كافية لأن نستشف من خلالها حياة الأخوة التي يبذرها الإمام القائد في مجتمعه العادل ، لو أخذنا بنظر الإعتبار أنه أخبار قيلت طبقاً لفهم المجتمع الذي صدرت فيه.

فحسبنا أن نتصور الأخوة التي استطاع رسول الله (ص) أن يبذرها في صحابته. تلك الأخوة الخالصة المبنية على العقيدة والهدف المشترك ، لكي نتصور أن الإمام المهدي (ع) يقيم مجتمعه على نفس المستوى الذي أقام النبي (ص) مجتمعه عليه ، طبقاً لما سمعناه عن رسول الله (ص) في الخبر- وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم.



صفحة (535)
ـــــــــــــــــ


(1) ص109

(2) ج13 ص195-196



ولا يخفانا لطف المقايسة في هذا الخبر بين عصر الجاهلية ومااستتبعه من (عداوة الشرك) وعصر الغيبة وما يستتبعه من (عداوة الفتنة) إلى جانب المقايسة بين عصر النبي كرافع لعداوة الشرك ، وعصر المهدي (ع) كمزيل لعداوة الفتنة ، وما حدث ويحدث في هذين العصرين من أخوة ووفاق.

كما أن حسبنا أن تصور مستوى الأخوة العظيم المقترن بالمفهوم الصحيح وهو أن لأخيك في الإيمان حقاً في مالك متى احتاج إليه ، يصبح أي فرد مسروراً إذا امتدت يد أخيه المحتاج إلى كيسه أو محفظته ليأخذ مقدار حاجته ، تلك الأخوة التي يمكن بها فتح العالم وتأسيس دولة العدل العالمية. ولئن كانت هذه الأخوة في أول عهد الظهور محصورة بين الخاصة الممحصين ، فستكون بعد قليل هي الصفة الشائعة ، المسلمة الموجودة في كل مسلم ، نتيجة لتربية المهدي (ع) وجهوده.

وأما من ناحية المستوى الثقافي للأمة ، فتعطينا الصور التالية :

أخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده عن أبي جعفر(ع) قال:

إذا قام قائمنا(ع) وضع يده على رؤوس العباد ، فجمع بها عقولهم ،وكملت بها أحلامهم .وفي رواية الكافي(2) : وضع الله يده ... الخ.

وأخرج النعماني(3) بسنده عن حبة العوني : قال: قال أمير المؤمنين (ع) :

كأني أنظرإلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن ،كما أنزل.

وفي خبر آخر عن أبي عبدالله (ع) أنه قال :

كأني بشيعة علي في ايديهم المثاني ، يعلمون الناس المثال المستأنف .

وفي حديث آخر(4) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (ع) :

أنه تحدث عن المهدي (ع) فقال فيما قال: وتؤتون الحكمة في زمانه ، حتى ان المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله وسنة رسول الله (ص) .


صفحة (536)
ـــــــــــــــــ


(1) انظركمال الدين المخطوط.

(2) انظر: منتخب الأثر ص483

(3) ص171 وكذلك الخبر الذي بعده

(4) ص126





إلى غيرذلك من الأخبار ،وسيأتي في الفصل الآتي ما ينفع في هذا الصدد:

والأحلام جمع حلم بكسرفسكون، وهو الأناة والرشد والعقل. قالتعالى: " أم تأمرهم أحلامهم بهذا"(1).

أي عقولهم .وقد يقابل به الجهل والسفاهة .قال زهير: وأن سفاه الشيخ لا حلم بعده.

وقوله : وضع يده على رؤوسهم ، قالالمجلسي في مرآة العقول(2) : الضمير في قوله (يده) ، إما راجع إلى الله أو إلى القائم (ع) .وعلى التقديرين : كناية عن الرحمة والشفقة أو القدرة والإستيلاء .وعلى الأخير يحتمل الحقيقة.
أقول ليس المراد به شيء من ذلك ...وإنما المراد الكناية عن تربية القائم (ع) للأمة الإسلامية .وإنما عبر بالرؤوس باعتبار كونها وعاء العقل والفكر باعتقاد الناس. ووضع اليد عليها كناية عن السيطرة عليها بالإقناع والتربية، لا يختلف الحال في ذلك سواء كان الفاعل المربي هو الله تعالى أو المهدي (ع) ،فإن شريعة المهدي (ع) هي شريعة الله تعالى ، وتربيته هي تربية الله عز وعلا ، فكلاهما المربي في حقيقة الأمر.

ومن هنا تنتج التربية نتيجتها الطبيعية المطلوبة ،وهي اجتماع العقول ،وتكامل الأحلام .والمراد من اجتماع العقول ، الجانب العلمي أو الثقافي من حياة الإنسان والمراد من اجتماعها تسالمها على مفهوم عقائدي واحد وعلى اطروحة تشريعية واحدة ، بحيث يكون من الصعب أن نتصور وقوع الخلاف بين شخصين مندمجين في الإيديولوجية العامة لدولة المهدي العالمية .وخاصى إذا اصبحت الأمة والبشرية بدرجة من الكمال بحيث يصبح الرأي فيها (معصوماً) ويكون تحصل الإجتماع والإتفاق على الأمور سهلاً إلى حد كبير.

والمراد من تكامل الأحلام : ارتفاع مستوى الأناة والرشد ،وهو الجانب العاطفي والنفسي للإنسان. ذلك الجانب الذي يمثل بأول درجاته مستوى العداة الفردية في الإسلام ،ويمثل في درجاته العليا (مستوى العصمة) التي سوف يصل إليها المجتمع بعد فترة من الزمن.


صفحة (537)
ـــــــــــــــــ


(1) الطور : 32

(2) انظرهامش منتخب الأثر ص 483 نقلاً عن مرآة العقول .



وهذه النتيجة بجانبها العلمي والعاطفي، هي التي تمثل الوعي العالي الذي يوجده المهدي (ع) في دولته ومجتمعه .وذلك الوعي الذي قلنا أنه لا يمكن أن يدرك الفرد كنهه إلا المفكر المعاصر لعهد الظهور ،وإنما ندركه الآن بعناوينه العامة ليس غير.

ومن هنا يتضح أن وضع اليد على رؤوس العباد ، لا يراد به المعنى الحقيقي ، ولا الرحمة ولا الإستيلاء بمعنى الملك والسلطة ، فإن كل ذلك بمجرده لا ينتج تكامل الأحلام ولا اجتماع العقول ،كما هو واضح .وإنما الذي ينتج ذلك هو التربية والإعلاء للعقول والأفكار والعواطف.

والمراد بالقرآن كما أنزل ، ذلك الذي يعلمه أصحاب المهدي للناس ، كما نطق به الخبر ...المراد به المعاني الواقعية للقرآن ، بعد وضوح عدم اختلاف القرآن عن عهد رسول الله (ص) لفظياً.

ومن الطبيعي أن يعرض القرآن يومئذ كما انزل ، لما سمعناه في الأخبار العديدة :

بان المهدي يأتي بالإسلام جديداً ، كما جاء به رسول الله (ص). فكانت وظيفة النبي (ص) هو التنزيل، ووظيفة المهدي (ع) هي التأويل أي التطبيق .وإن اهم فقرات التطبيق وخططه تفهيم الناس المقاصد الواقعية للقرآن الكريم ،وتثقيفهم الثقافة العالية عن هذا الطريق ...عن طريق الإمام المهدي (ع) وعن طريق أصحابه ثانياً.

والمثاني التي هي بيد أصحاب المهدي (ع) – كما نطق الخبر- هي الواردة في قوله تعالى :" ولقد اتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " ،وقد فسرت في اللغة بأيات القرآن الكريم ،وهو لا يكاد يكون صحيحاً ، فإن الآيات لا تنحصر بسبعة ، إلا أن يرادبها سورة الحمد خاصة ، وهو تفسير وردت به بعض الأخبار إلا أنها لن تثبت ، وهو – أيضاً – خلاف ظاهر الآية الكريمة .

والأوفق بالقواعد اللغوية والإسلامية معاً ، هو هذا الإحتمال الذي نعرضه كأطروحة محتملة في تفسيرها ،فإن المثاني في اللغة هو ما بعد الأول من الأشياء .ومعه يكون الأول هو القرآن الكريم الذي عطفته الآية على المثاني ،وتكون المثاني مستويات سبعة متأخرة في الرتبة عن القرآن الكريم من قواعد الإسلام العامة، والأنسب عندئذ ، هو أن يكون كل واحد من هذه الأمور السبعة يلي القرآن مباشرة في الأهمية ، بحيث يعتبر كل واحد منها ثاني القرآن ، ليكون الجمع بالمثاني أقرب وأوضح.



صفحة (538)


وإما أن هذه القواعد بالتعيين ما هي ، فيمكننا ان نعرف قليلاً منها :كالسنة والعقل والسيرة العقلانية... والمظنون أن عدداً منها غير معروف أساساً.....فإن المثاني إنما أوتيت إلى النبي (ص) "ولقد أتيناك". ومن المظنون أن بعضها بلغة النبي (ص) إلى الناس .وبعضه بقي مذخوراً إلى اليوم الموعود.

وسواء عرفناها أو لم نعرفه، فاليوم الموعود. هو وقت إلعلانها جميعاً ، فأصحاب الإمام المهدي (ع) سيصبحون ، باعتبار تعاليمه وهداه ، عارفين بكل المثاني السبع، يطبقون متطلباتها ويفهمون الناس موجباتها وآثارها في حدود ماتقتضيه مصالح التكامل البشري يومئذ.

والخبر الذي يعرب عن ذلك ، لا يدل على أن أصحاب الإمام (ع) يعلمون الناس المثاني نفسها – وإنما قال: بأيديهم المثال المستأنف .فهم يأخذون المثاني بنظر الإعتبار ،من أجل إشاعة الثقافة العليا بين الناس.

والمثال المستأنف وهو هذه الثقافة ،وهي الإيديولوجية الكبرى التي يبشر بها المهدي في دولته ، نعرف ذلك من خبر آخر أخرجه النعماني بسنده عن جعفر بن محمد (ع) أنه قال : كيف أنتم لو ضرب اصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان ، ثم يخرج إليهم المثال المستأنف .

وإنما سميت هذه الثقافة بالمثال المستأنف باعتبار أمرين:

أحدهما: كونها مثالية (أعلى من الواقع المعاصر بكل مستوياته) بالنسبة إلى عصر صدور هذه الأخبار، بالنسبة إلى عصر ما قبل الظهور عموماً.

ثانيهما : باعتبار كونها جديدة على الأذهان غير معهودة لدى أغلب الناس بل جميعهم في عصر ما قبل الظهور . فباعتبار الأمر الأول كانت (مثالاً) وباعتبار الأمر الثاني كانت أمراً مستأنفاً.

المثال المستأنف يخرجه المهدي (ع) إلى العالم بشكل رئيسي ، فيتلقاه أصحابه عنه بشكل كامل ودقيق ، فيعطونه إلى العالم ويبلغونه إلى البشر توصلاً إلى الهدف الإلهي الرئيسي في إيجاد المجتمع الكامل ذو العبادة الإلهية الكاملة.... طبقاً لقوله تعالى :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

هذا وقد اشتملت بعض هذه الأخبار على التصريح بأن شيعة على (ع) هم الذين يقومون بهذه المهمة الكبرى. وهو دال بوضوح على ان اصحاب المهدي (ع) على مثل هذا المذهب ،وقد سبق أن بسطنا الكلام في ذلك عند الحديث عن المذهب للمهدي (ع) .والمهم الآن أنهم أصحاب الإمام المهدي (ع) نفسه.



صفحة (539)


والحديث الأخير الذي سمعناه يتحدث عن المرأة ، وعن المستوى الثقافي العالي الذي تبلغه في عصر الظهور، تلك المرأة عانت من المجتمع المنحرف ظروفاً من الجهل والكبت والظلم ،أما في الدولة العالمية فهي تنطق بالحكمة ،وهي : المفاهيم المهدوية العليا ،وتقضي بكتاب الله وسنة رسوله ،وتقوم بقيادة جانب مهم من المجتمع على احسن وجه، وإذا كانت كذلك ، فما أحسن تعاملها مع زوجها وما أفضل تربيتها لأولادها.

وهي في قيادتها تطبق عملها على آداب اللياقة الإسلامية ،وهو الحجاب والجانب الأخلاقي في العلاقة بين الجنسين ، كما يقتضيه العدل الكامل .ذلك الجانب الذي قلنا في بعض بحوثنا أنه لا يمنع من أي عمل أو تجارة أو قيادة .


صفحة (540)



الفصل السابع


بعض منجزات الإمام المهدي (ع)

على الصعيدين الإجتماعي والإقتصادي



لعل من الواضح أن الإطلاع على التفاصيل الكاملة لهذه المنجزات ، متعذرتماماً لإنسان ماقبل الظهور .مهما كان عبقرياً .غيرأن المهم هو محاولة الإطلاع على بعض هذه المنجزات في حدودما تدلنا عليه القواعد العامة الإسلامية من ناحية ، والأخبار الخاصة الدالة على هذه المنجزات في الدولة العالمية ،من ناحية أخرى.

ونحن نبدأ بسردالأخبار الخاصة أولاً من دون ترتيب .فإن الخبر الواحد قد يحتوي على عدة منجزات يمت كل منها إلى حقل من حقول الحياة ثم نتحدث بعدذلك عن الفهم العام لها وترتيبها مطبقة على القواعد العامة.

ثم نذكر لهذاالفصل خاتمتان :إحداهما :حول المنجزات القضائية والعسكرية والفقهية للإمام المهدي.
والأخرى : حول المنجزات التي تسمى ب
ـ (العلمية) في الإصلاح الحديث .ونسرد عدداً من الأخبار الدالة على أن المهدي يستعمل آخر منجزات العلم الحديث في دولته.


وينبغي ان يقع الكلام في هذا الفصل ضمن عدة جهات:

الجهة الأولى : في إيراد الأخبار المتضمنة لأهم ما ورد من منجزات الإمام في دولته على الصعيد الإقتصادي وألإجتماعي .

وقد تحدثت عن ذلك أخبار الفريقين بغزارة .

فمن أخبار العامة في ذلك:

ما أخرجه البخاري(1) بسنده عن أبي موسى عنه عن النبي (ص) قال:

ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ، ثم لا يجد أحداً يأخذها.... الحديث.


صفحة (541)
ـــــــــــــــــ


(1) ج2 ص136



وما أخرجه أيضاً(1) عن أبي هريرة : أن رسول الله (ص) قال:

لا تقوم الساعة – وعد علامات كثيرة حتى قال: - وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته .وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه : لا أرب لي به.

وما أخرجه مسلم(2) بسنده عن ابي هريرة ، قال:

قال رسول الله (ص) : والله ، لينزلن ابن مريم ، إلى أن قال : ليدعون إلى المال ، فلا يقبله أحد.

وما أخرجه أيضاً(3) بسنده عن أبي سعيد ، قال:

قال رسول الله (ص): من خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً ، لا يعده عداً ، وفي خبر آخر عن ابي سعيد وجابر بن عبد الله ، قالا: قال رسول الله (ص) : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده.

وذكر له مسلم سندين ،وأخرج الحاكم في مستدركه(4) بهذا المضمون أكثر من حديث واحد.

وأخرجه الحاكم أيضاً (5) عن أبي سعيد في حديث النبي (ص) يقول فيه:

فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، يرضى ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ، ولا السماء من قطرها شيئاً إلا صبته عليهم مدراراً... تتمنى الأحياء والأموات مما صنع الله عز وجل بأهل الأرض من خيره .وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


صفحة (542)
ـــــــــــــــــ
(1) ج9 ص74 (2) ج1ص94

(3) ج8ص185 (4) ج4ص454

(5) ج4ص465



وأخرجه أيضاً(1) عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص ):

يكون في امتي المهدي ، إن قصر فسبع وإلا فتسع ، تنعم امتي فيه نعمة لم ينعموا مثلها قط .تؤتي الأرض أكلها لا تدخر عنهم شيئاً .والمال يومئذ كدوس .يقوم الرجل فيقول : يامهدي أعطني فيقول : خذ.

وأخرج أيضاً(2) عن ابن عباس ، في حديث ، قال:

وأما المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، تأمن البهائم والسباع وتلقى الأرض أفلاذ أكبادها ، قال: قلت :وما أفلاذ أكبادها؟ قال: أمثال الأسطوانة من الذهب ولا فضة ،وقال الحاكم : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.

وأخرج ايضاً(3) عن ابي سعيد : أن رسول الله (ص) قال :

يخرج في آخر امتي المهدي ، يسقيه الله الغيث ،وتخرج الأرض نباتها ،ويعطى المال صحاحاً ،وتكثر الماشية وتعظم الأمة ...الحديث .

قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وأخرج الترمذي(4) بسنده عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله (ص):

تفيء الأرض أفلاذ أكبادها امثال الأسطوان من الذهب والفضة ، قال: فيجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي، ويجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي ، ثم يدعونه ولا يأخذون منه شيئاً.

وأخرج القندوزي في الينابيع(5) عن الترمذي عن ابي سعيد عن النبي (ص) في قصة المهدي:

فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي ، أعطني أعطني أعطني ، قال : فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.


صفحة (543)
ـــــــــــــــــ


(1) ج4 ص558. (2) ج4ص514.

(3) ج4ص558. (4) ج3ص334.

(5) ص517 ط النجف.





وأخرج أيضاً(1) عن أحمد والماوردي أنه (ص) قال:

أبشروا بالمهدي ؟ رجل من قريش من عترتي ، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال ، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا، ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض ،ويقسم المال بالسوية ،ويملأ قلوب امة محمد غناه ويسعهم عدله ، حتى أنه يأمر منادياً فينادي :من له حاجة إلى المال يأتيه، فما يأتيه أحد ،إلا رجل واحد يأتيه ، فيقول له المهدي : أئت السادن حتى يؤتيك. فيأتيه فيقول : أنا رسول المهدي، أرسلني إليك لتعطيني .فيقول: احث ، فيحثو ، فلا يستطيع أن يحمله ، فيخرج ، فيندم ، فيقول: أنا كنت اجشع الأمة نفساً ، كلهم دعي إلى هذا المال فتركوه غيري ، فيرد عليه ، فيقول السادن :أنا لا نقبل شيئاً أعطيناه... الحديث .

وقال في الينابيع(1): وفي بعض الآثار ...أنه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الأرض خراب إلا يعمر.

أقول: وانظر هذه المضامين في عدد آخر من المصادر العامة كمسند أبي داود وابن ماجة وأحمد والبيان للكنجي والصواعق لأبن حجر ونور الإبصار للصبان وإسعاف الراغبين للشبلنجي وغيرها.

وأما أخبار المصادر الخاصة ، فهي كما يلي:

فمن ذلك: ما أخرجه المفيد في الإرشاد(2) عن أبي جعفر(ع) أنه ذكر المهدي(ع) وخطبته الأولى في مسجد الكوفة. وقال:

فإذا كانت الجمعة الثانية ، سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة ، فيأمر أن يخط له مسجد على الغري ، ويصلي بهم هناك ، ثم يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين(ع) نهراً يجري إلى الغريين ، حتى ينزل الماء في النجف ويعمل على فوهته القناطيروالأرحاء .فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر ، تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كري.


صفحة (544)
ـــــــــــــــــ
(1) ص562 وما بعدها وانظر الحاوي للسيوطي ج2 ص124.

(2) ص563 (3) ص341.


وأخرج عن المفضل بن عمر(1) قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:


إذا قام قائم آل محمد (ع) بني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب ، واتصلت بيوت اهل الكوفة بنهري كربلا.

واخرج عنه(2) قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:

إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها ... إلى أن قال :وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الناس على وجهها ،ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته ، فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك ،واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله.

وأخرج(3) عن أبي بصير ، قال: قال ابو عبد الله (ع):

إذا قام القائم (ع) ، هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه .وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه.

وأخرج أيضاً(4) عنه عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل أنه قال:

إذا قام القائم (ع) سار إلى الكوفة ، فهدم بها أربعة مساجد .ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها وجعلها جماء ووسع الطريق الأعظم ،وكسر كل جناح خارج في الطريق ، وأبطل الكنف والمأزيب إلى الطرقات ،لا ويترك بدعة إلا أزالها ولا سنة إلا أقامها.

وأخرج الشيخ في الغيبة(5) بسنده عن المفضل بن عمر، قال:

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها ،واستغنى الناس ...ويبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب ،وتتصل بيوت الكوفة بنهر كربلا بالحيرة ، حتى يخرج الرجل يوم الجمعة على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها .


صفحة (545)
ـــــــــــــــــ


(1) ص342. (2) نفس الصفحة.

(3) ص343. (4) ص344.

(5) ص280 وكذلك الخبر الذي بعده.



وفي حديث آخر عن ابي جعفر (ع) يقول فيه:

فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له الف باب يسع الناس عليه أصيص .ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين (ع) لهم نهراً يجري إلى الغريين ، حتى ينبذ في النجف ،ويعمل على فوهته قناطر وأرحاء على السبيل .وكأني بالعجوز وعلى رأسها مكتل فيه بر حتى تطحنه بكربلاء .

وأخرج أيضاً(1) بسنده عن ابي بصير ، قال: سمعت ابا عبد الله يقول:

ما تستعجلون بخروج القائم؟ فوالله مالباسه إلا الغليظ وما طعامه إلا الشعير الجشب .وأخرج الراوندي في الخرايج والجرايج(2) نحوه في حديث طويل عن علي بن الحسين (ع) .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(3) والطبرسي في أعلام الورى(4) عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال: سمعت أباجعفر محمد بن علي الباقر (ع) يقول:

القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض ،وتظهر له الكنوز ...ولا يبقى في الأرض خراب إلا عمر.

واخرج الطبرسي أيضاً(4) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال: سمعت رسول الله يقول:

إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً ...إلى ان قال :وإن الله سيجري سنته في القائم من ولدي ..ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها وينصره بالرعب ويملأ الأرض به عدلاً وقسطاً ، كما ملئت جوراً وظلماً.

وأخرج ايضاً(5) عن علي بن عقبة عن أبيه، قال:

إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وأمنت السبل وأخرجت الأرض بركاتها ،ورد كل حق إلى أهله ... فحينئذ تظهر الأرض كنوزها وتبدي زينتها ، فلا يجد الرجل منكم موضعاً لصدقته ولا لبره ، لشمول الغنى جميع المؤمني ... الحديث .



صفحة (546)
ـــــــــــــــــ


(1) ص 277. (2) ص196.

(3) انظرالمصدرالمخطوط. (4) ص433.
(5)
ص413. (6) ص432.






وأخرج المجلسي في البحار(1) ، قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه – في حديث -:

ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ولأخرجت الأرض نباتها ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم ، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات وعلى رأسها زينتها، لا يهيجها سبع ولا تخافه.

فهذه نخبة من الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الصدد .

وكثرة الأخبار بهذا الصدد تنتج لنا أمرين:

الأمر الأول: اتضاح مدى اهتمام قادة الإسلام : النبي (ص) فمن بعده، إيضاح خصائص دولة المهدي وما يقوم به من أعمال ،وما ينتجه من خيرات .كيف لا ؟ وهو يمثل القمة لجهودهم والثمرة الطيبة لأعمالهم والنتيجة الكبرى للتخطيط الإلهي الطويل .

الأمر الثاني : إننا نستطيع بهذا السرد أن نؤدي حساب كل حادثة من الحوادث المنقولة بشكل أكثر وأدق، ونوفر لها المثبتات بشكل اكثر. لوضوح أن الروايات كلما زادت على الحادثة الواحدة ، كانت آكد وأوضح في الذهن وأقوى ثبوتاً من الناحية التاريخية.

والآن ، لابد أن نأخذ كل رواية من الروايات العامة المنقولة من هذه الأخبار لنرى مقدار ثبوتها وموافقتها للقواعد العامة والقرائن المثبتة ، وذلك ضمن الجهات الآتية .

الجهة الثانية : المسلك الشخصي للإمام المهدي بصفته رئيساً للدولة العالمية العادلة.

وهو ما صرحت به بعض هذه الأخبار، من أن لباسه الخشن الغليظ وطعامه الشعير الجشب ، وفي الخبر إيراد القسم على ذلك.


صفحة (547)
ـــــــــــــــــ


(1) ج13 ص182


وهذا هو المسلك الصحيح لرئيس الدولة الإسلامية العادلة على طول الخط .فإنه قد أخذ الله تعالى على كل إمام عادل يتولى الحكم الفعلي في المجتمع أن يعيش في طعامه ولباسه على شكل أو أسلوب اقل أفراد شعبه. والحكمة من ذلك ، أوضح من أن تخفى، وهو أن لا يدعوه المنصب الكبير والمال الوفير إلى تناسي الفقراء من أبناء شعبه ومحكوميه.

وهذا المسلك هو الذي طبقه رسول الله (ص) على نفسه حين تولى رئاسة الدولة الإسلامية بعد فتح مكة، واتخذه الخلفاء الأوائل الذين حكموا بعده إلى عصر خلافة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب.

وكذلك سوف يكون الإمام المهدي (ع) حين يمارس الحكم العالمي العادل ، لأنه سيكون من الواجب عليه أن يكون في عيشه مماثلاً لأقل فرد جائع ومسكين في العالم كله.

وسيكون أيضاً على هذا المسلك ، اصحابه الخاصة الذين يوزعهم حكاماً على الأرض ، لأن الفرد منهم سيكون رئيساً عادلاً لمنطقة من الأرض ، فيجب عليه أن يكون في حياته مماثلاً لأقل فرد في منطقته.

وقد سبق أن سمعنا في أخبار بيعة الإمام في المسجد الحرام لأول مرة، أنه (ع) يشترط على هؤلاء الخاصة شروطاً، يعود عدد منها إلى الحفاظ والتقيد من الناحية الشخصية،والعدد الآخر إلى العدل في المسلك ألإجتماعي.

ففيما يعود إلى الناحية الشخصية يشترط عليهم أن " لا يتمنطقوا بالذهب ولايلبسوا الخز ولا يلبسو الحرير ولا يلبسوا النعال الصرارة ...ويلبسون الخشن من الثياب ويوسدون التراب على الخدود ويأكلون الشعير ويرضون بالقليل " الخ الخبر(1)

وحيث لا يكون ذلك واجباً على كل المسلمين نعرف أن الإمام المهدي (ع) إنما يشترط ذلك عليهم باعتبارهم سيصبحون بعد فترة غير طويلة ريثما فتح العالم واستتباب الدولة العادلة، حكاما على اقاليم ألارض أو مشاركين في الحكومة المركزية معه.

وهذا المضمون ، من الواضح في القواعد الإسلامية العامة بحيث لا يحتاج إلى خبر خاص يعرب عنه.

وأما الخبر الوارد بهذا الصدد، والذي سمعناه يقول : فوالله ما لباسه إلا الغليظ، وما. طعامه إلا الشعير الجشب... فهو بالرغم من مطابقته لهذه القواعد العامة يوجه سؤالين لابد من عرضهما مع محاولة الجواب عنهما.


صفحة (548)
ـــــــــــــــــ


(1) انظرالملاحم والفتن ص122



السؤال الأول: أن ما تقتضيه القواعد العامة هو أن يعيش الرئيس في حياته الخاصة كأقل فرد من محكوميه. وبعد أن نعرف طبقاً للروايات المستفيضة عموم الرفاه وكثرة المال في دولة المهدي العالمية ، نعرف نتيجة لذلك أن الواجب عليه سيتغير، لأن أقل الأفراد في العالم سيعيش مرفهاً عالي الدخل . فيكون للإمام المهدي (ع) ان يتوسع في حياته الخاصة إلى حد كبير ،وكذلك اصحابه الخاصون تماماً.

وجواب ذلك من عدة وجوه ، نذكر منها إثنتين:

الوجه الأول: أن الرواية لم تدل على بقاء هذا المسلك للمهدي(ع) ، طيلة أيام حكمه ، بل يكفي في صدقها كونه على ذلك فترة من الزمن في أول حكمه .لأن العدل إنما يؤثر تدريجاً في نشر الرفاه في الأرض والسعادة بين ابناء البشر اجمعين، وما لم يعم الرفاه كل العالم بشكل حقيقي كامل ، يبقى الفرد البائس موجوداً في بعض زويا العالم بطبيعة الحال ،وما دام هذا الفرد موجوداً ، يبقى المسلك المشار إليه في الرواية واجباً على الإمام المهدي (ع).

الوجه الثاني: إننا نتحمل – على أقل تقدير- أن تدريجية تأثير العدل فينشر الرفاه في العالم بكامله ، سوف تستمر طيلة حياة المهدي شخصياً وإنما سيتحقق هذا الهدف الكبير بعده طبقاً لنظامه الذي يسنه هو (ع) للحكام العالميين الذين يخلفونه.

ومن الصحيح ان الأعم الأغلب من مناطق العالم ستكون مرفهة .ومن هنا يكتسب العالم كله سمة الرفاه والسعادة ، في حياة المهدي . غير أنه من الممكن وجود الفرد البائس في مناطق نائية أو متخلفة حضارياً من العالم الأمر الذي يحتم عليه بقاؤه على هذا المسلك طيلة حياته ،وإنما تستطيع الدولة العالمية العادلة اجتثاث ذلك ، على أيدي خلفائه.

السؤال الثاني: أن الرواية تقول : ما تستعجلون بخروج القائم ، فوالله ما لباسه إلا الغليظ وما طعامه إلا الشعير الخشب.


صفحة (549)






ومع أن هذا المسلك الحياتي الذي يتخذه ، لا ينافي استعجال ظهوره (ع) لأمرين:

أحدهما: أن الفرد المؤمن يتمنى ظهور الإمام (ع) لأجل المصلحة العامة ،وهي تطبيق العدل في العالم كله ، وتنفيذ الهدف الرئيس من خلق البشرية حتى وإن أوجب ذلك اتخاذ الفرد مسلك الزهد والتقشف ، أو أوجب الإجهاز على مصالحه الشخصية.

ثانيهما: إن الفرد لو كان يتمنى ظهور الإمام (ع) ، من أجل مصالحه الشخصية لرفع ظلاماته وترفيه عيشه ، فهذا متوفر له على أي حال ، لما عرفناه من هذا المسلك خاص غير عام ،وسيكون الفرد الإعتيادي مرفهاً سعيداً طيلة حياة المهدي (ع) ، وما بعده ،ولن يكون هذا الفرد مسؤولاً عن اتخاذ ذلك المسلك لأنه لا يكون ممارساً للحكم في أي منطقة من الأرض.

ومعه يكون مؤدى الإستفهام الإستنكاري حين يقول: ما تستعجلون بخروج القائم؟ ....غامضاً مجهول القصد. وجواب ذلك اننا ينبغي أن نفهم من هم المخاطبون بقوله:ما تستعجلون لننطلق من ذلك إلى الجواب.

ولاشك أن الإمام أبا عبد الله الصادق (ع) كان يخاطب قواعده الشعبية بهذا لكلام ، تلك المجموعة التي كانت تعاني من الظلم الأموي والعباسي أشد العذاب . وكان الفرد منهم ينتظر خروج القائم (ع) من أجل رفع الظلامات وتطبيق العدل ،ومن ثم من أجل الحصول على السعادة والرفاه .وهذه المجموعة تنقسم إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: خاصة الإمام الصادق (ع) وطلابه ، المرتفعو الدرجة في العلم والإيمان.

القسم الثاني: الشعب الإعتيادي الموالي للأئمة المعصومين (ع) .والفرد من كل القسمين يتمنى ظهور القائم المهدي بسرعة ... وخطاب الإمام الصادق واستنكاره لذلك يمكن ان يشملهما معا ، فيكون لكل قسم فكرته الخاصة في الجواب.

أما القسم الأول فمن الواضح أنه لو حصل التمني وظهر المهدي (ع) يومئذ – بغض النظر عن شرائط الظهور وعلاماته التي كان يجهلها الفرد منهم- ، فإن المهدي (ع) سوف يخص أفراد هذا القسم بالإهتمام ، ولن يجد غيرهم في التوزيع على مناطق العالم حكاماً وقضاة ، وإذا أصبحوا حاكمين كانوا مشمولين لوجوب مسلك التقشف كما قلنا.

ومن ثم لم يحصل السبب المهم في التمني لسرعة الظهور وهو الحصول على الحياة المرفهة السعيدة .فكان الإستفهام الإستنكاري عليهم من قبل الإمام الصادق (ع) في محله جداً. لإنطلاق جملة منهم من زاوية المصلحة الخاصة في هذا التمني ،كما يعرفه الإمام الصادق نفسه من أصحابه .



صفحة (550)


وأما القسم الثاني من الأفراد: فإن الفرد الإعتيادي يومئذ باعتبار بساطته في الإيمان والعلم نسبياً ، وعدم مروره بعصور التمحيص الطويلة ، التي تصرمت بعد ذلك ، يتخيل نفسه كامل الإيمان عميق الفهم ،ويتوقع من المهدي (ع) – لو ظهر يومئذ- أن يقربه ويمجد به . ومن هنا نعود إلى نفس التسلسل الفكري الذي عرفناه في القسم الأول.

إن هذا الفرد الإعتيادي ، لو حصل ما يتمنى وظهر المهدي (ع) ، فإن أبعده واعتبره فرداً اعتيادياً من شعبه، فسوف يحصل عبى الرفاه إلا أن توقعه القرب من المهدي (ع) سوف يتخلف ، وهي صدمة عنيفة بلا شك ، وأما إذا قربه المهدي (ع) إليه واعتبره خاصته ، فقد حصل توقعه من إمامه ، إلا أنه سيرسل هذا الفرد حاكماً في بعض أقاليم العالم ، على أحسن تقدير ،ومعه يكون مشمولاً لوجوب الزهد والتقشف ، ولن يحصل على مصلحته الخاصة بحال .ومعه يكون الإستفهام الإستنكاري من قبل الإمام الصادق (ع) في محله تماماً.

والغرض الرئيسي من هذا الإستفهام سيكون هو أن تمني الظهور، لا ينبغي أن يكون من زوايا المصلحة الخاصة أساساً ،وإنما يجب أن ينطلق من زاوية المصلحة العامة، التي هي تطبيق العدل العالمي وتنفيذ الغرض الإلهي ....وإلا كان من المتوقع تخلف هذه المصلحة الخاصة أساساً.

الجهة الثالثة : في السياسة الزراعية التي يتبعها الإمام المهدي (ع) في دولته.

نستطيع أن نحيط علماً ببعض نتائجها وأساليبها من الأخبار السابقة ، حيث نصت على ان الأرض تؤتي اكلها لا تدخر منه شيئاً ،وهو كناية عن أن إنبات الأرض للنبات سيكون إلى أكبر حد ممكن يتحمله وجه البسيطة "حتى تمشي المرأة بين العراق والشام لاتضع قدميها إلا على النبات، ومن يخفى عليه حال هذه الصحراء التي تتوسط العراق والأردن والشام ونجد ...إنها صحراء ضخمة موحشة وجافة، لكنها ستصبح يانعة بالأشجار والثمار في أقل مدة ممكنة.

وما هذا إلا مثال واحد من العالم كله ،وإنما نصت عليه الأخبار ، باعتبار قربه إلى أذهان المجتمع السامع لهذه النصوص في عصر صدورها ،وليس ذلك باعتبار الإنحصار.

فإذا دولة المهدي (ع) عالمية ، وجهوده وجهود المخلصين في دولته شاملة لكل العالم على حد سواء ، فمن الطبيعي أن نتصور ان هذه الصحراء ليست هي الصحراء الوحيدة التي ستصبح خضراء ،وإنما ستخضر كل الصحاري في العالم بما فيها الربع الخالي والصحراء الكبرى في شمال إفريقيا وغيرها.



صفحة (551)


وإذا كان هذا هو شأن الصحاري ، فما هو شأن الأراضي التي كانت خصبة منذ عهد ما قبل الظهور .وما هو مقدار إنتاجها وإسباغ النعمة منها .إن هذا لا يمكن لمفكر بشري سابق على الظهور أن يقدره.

وعلى أي حال، فما هو العنصر المسبب لهذا الإنقلاب الزراعي الشامل؟ نستطيع أن نوعز – بعد عنصر التساوق بين التشريع والتكوين الذي الذي سنتحدث في جهة قادمة من هذا الفصل – نستطيع أن نوعزه إلى الإخلاص الحقيقي في العمل.

فمن السخف أن يقال : إن البشرية متجهة نحو المجاعة ،وإن زيادة النسل يؤدي حتماً إلى قلة الأرزاق في العالم ، إن ذلك إنما يتحقق ، حين يكون الإخلاص ضئيلاً والتشريع ظالماً ، كما هو الحال في عصر ما قبل الظهور، وأما حين توجد الدولة المخلصة والتشريع العادل والأيدي العاملة المجدة والعمل المنظم عالمياً، فسوف يمكنه أن يحفظ للبشرية أرزاقهم مهما تزايدت وتكاثرت ، بل يمكنها أن تزيد الإنتاج إلى أضعاف الدخل الفردي لكل البشر بشكل لا مثيل له في ما سبق من تاريخ.

وأما المنهج التفصيلي التشريعي والعملي الذي يتبعه المهدي (ع) في دولته لنيل هذه النتائج الزراعية الرائعة ، فالتعرف عليه موكول إلى وعي ما بعد الظهور ،وإنما المستطاع التعرف على بعض فقراته من خلال ما بين أيدينا من قواعد وأخبار .وهذا ما سنتوفر عليه في الكتاب القادم من هذه الموسوعة.

إن نفس الأخبار التي سمعناها ، تعطينا بعض الحقائق التي تفيدنا بهذا الصدد، فالإمام المهدي (ع) ، سيأمر بحفر نهر خلال الصحراء الواقعة بين كربلاء والنجف ، حتى ينزل الماء في النجف ، ويعمل على فوهته القناطير ، يعني الجسور والأرحاء _ وهو جمع أرحية وهي المطحنة القديمة للحب _ ومن هنا قال في الرواية: فكأني بالعجوز على راسها مكتل فيه بر، تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كري ، أي بدون أجرة .

فإذا علمنا أن ذلك ليس إلا مجرد مثال ، ذكر طبقاً للفهم القديم ، استطعنا أن نتصور مقدار الأنهر والقنوات ممدودة في الصحراء للري، ومقدار التجهيز الآلي الزراعي المباح التصرف فيه للناس مجاناً ، ليساعد على سرعة الإنتاج وضخامته ، وعلى سرعة التوزيع والتسويق.


صفحة (552)





وستؤدي هذه الثورة الزراعية طبقاً لأيدولوجية الدولة المهدوية ، إلى عدة نتائج مهمة ، نفهم بعضها:

منها : توفرالأطعمة والثمار لدى الناس ، مع رخص قيمتها السوقية ، بل توفرها مجاناً للكثيرمن الناس.

ومنها: توفير العمل المنتج للعديد من الأيدي العاملة ،وبالتالي إشباع الملايين من العوائل التي كانت فقيرة ومضطهدة في عهد ما قبل الظهور.

ومنها : توفير الفرص الكبيرة لإزجاء الحاجات الحياتية مجاناً ، وبدون عوض.

وبذلك نستطيع أن تصور حصول النتيجة المهمة الكبرى المطلوبة ،وهي توفيرالسعادة والرفاه في ربوع المجتمع البشري.

الجهة الرابعة: في السياسة العمرانية في دولة المهدي (ع).

ونحن نرى نتائج السياسة واضحة فيما سمعنا من الأخبار ، فبيوت الكوفة سوف تتصل بكربلاء والحيرة، ويكون الجميع بلدة واحدة ،وهي من السعة بحيث لو ركب شخص بغلة سفواء _ أي سريعة السير _ من صبح يوم الجمعة قاصداًالمسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة ظهراً لأجل حضور هذه الصلاة ، لم يدركها، وإذا كان هذاالشخص قدتوجه من أحد أطراف هذه المدينة ، فالمسجد على أي حال ، ليس في طرفها الآخر، بلفي وسطها ،ومن هنا نعرف أن هذه المسافة التي يمشيها هذه الرجل ببغلته السريعة ، ليست إلا قسماً من البلدة ، ولايمثل أكثرها فضلاً عن جميعها.

وهذا أيضاً من التنبؤات الطريفة في الأخبار ، فإن سعة المدن بهذا المقدار ، لم تكن معروفة بأي حال في الزمن القديم ، بل لعل مجرد تصورها كان فوق الخيال ،وأما الآن ، فهو يعتبرأمراً طبيعياً ، خاصة في العواصم الأخرى كيف والكوفة ستصبح عاصمة للعالم كله، تحت راية الدولة المهدوية فمن الطبيعي لها ان تتسع بهذا المقدار.

ولعلنا نستطيع أن نفهم من هذا : مقدار تركيز الدولة واهتمامها بالعمران في سائر البلدان ، وليس في العاصمة فقط ، فلئن كانت العاصمة بالتحديد الذي سمعناه ، يزيد طولها على الثمانين كيلومتراً ، فليكن غيرها مقارباً لذلك أو بمقدار نصفه مثلاً ...حسب ظروف كل بلدة وموقعها الجغرافي وأهميتها الإجتماعية .



صفحة (553)


وستنال المساجد اهتماماً خاصاً من قبل الإمام المهدي (ع) ، باعتبارها مراكز إسلامية رئيسية.

فالمسجد الحرام الذي فيه الكعبة المشرفة في مكة المكرمة سوف يشطب على كل توسيعاته ،ويهدمها ويرد المسجد إلى اساسه الذي كان عليه في صدر الإسلام ،إحتراماً لهذا الأساس الذي كان في زمن رسول الله(ص) .وستترتب على هذا التغيير بعض النتائج التي قد نشير إليها في خاتمة هذا الفصل.

ويحول المهدي (ع) مقام إبراهيم أساساً، تعني المكان الذي عليه إبراهيم الخليل(ع) حين بنى الكعبة المشرفة. وبطبيعة الحال يقف الباني إلى جنب الجدار الذي يبنيه ، ولا معنى أن يقف بعيداً عنه بعدة أمتار. ومعه الموضع الطبيعي لمقام إبراهيم هو جوار الكعبة المشرفة ،كما تقتضيه طبائع الأشياء.

وهو أيضاً يهدم في الكوفة ، أربعة مساجد من دون تجديد ، على ماهو ظاهر الأخبار ، باعتبارها لم تبن على التقوى ، الذي هو الشرط الأساسي لمشروعية بناء المسجد في الإسلام .فإذا بنى على غير التقوى وجب هدمه لا محالة ،ولم تكن قبل ظهور المهدي(ع) قوة مؤمنة قادرة على ذلك ،ومن ثم وجب على دولة المهدي المبادرة إلى إزالة آثار الإنحراف والعدوان.

وأما المسجد الذي يأمر المهدي (ع) ببنائه في ظهر الكوفة ، أي خلفها من ناحية النجف ، فهو الذي له ألف باب .وقد دل على وجوده عدد من الأخبار .وهذا الرقم وإن لم يكن مقصوداً بنفسه .إلا أنه يدل على كثرة كبيرة جداً من الأبواب ، تلك الكثرة المستلزمة لسعة ضخمة في المسجد.

فإننا لو فرضنا هذا لمسجد مربعاً ،وكان في كل ضلع منه مئتان وخمسون باب،وكان بين كل باب وباب عشرة أمتار على الأقل ،لأن طول الضلع الفي متر وخمسمئة متر، وهذا معناه أن سعة المسجد لا تقل عن ست ملايين وربع من الأمتار المربعة .وهو مسجد لم يسبق له مثيل قبل عهد الظهور يبنى لكي يناسب الوضع الإسلامي في الدولة العالمية.



صفحة (554)


وإنما تنبثق الحاجة إلى ذلك ، باعتبار صلاة الجمعة التي يقيمها الإمام (ع) في كل أسبوع . والتي يجب شرعاً ان يحضرها الأعم الأغلب من الذكور من سكان العاصمة ،وما حواليها من الضواحي .إلى جانب كل من يرغب بالحضور للتشرف بالصلاة من خلف الإمام المهدي (ع) .وثم سوف يكون التجمع كبيراً جداً بحيث يمكن أن يجمعهم جامع الكوفة الكبير الذي يخطب فيه لأول مرة ، كما سمعنا .فاقتضت المصلحة إيجاد مثل هذا المسجد الضخم ليسد هذه الحاجة الإسلامية الملحة.

ومن هنا ذكرت الأخبار ، أن الإمام المهدي (ع) في اول جمعة من وروده إلى العراق يخطب خطبته الأولى هناك ،وهي التي سبق أن تعرضنا لها قال الخبر" فإذا كانت االجمعة الثانية ، قال الناس :يا ابن رسول الله ، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله (ص) والمسجد لا يسعنا ، فيقول:

أنا مرتاد لكم . فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب ، يسع الناس(1).

والمسجد الذي لا يسع المصلين ، هو جامع الكوفة الكبير الذي كان أمير المؤمنين (ع) يصلي فيه .والغري هو النجف الأشرف الواقع جنوب الكوفة .وقوله : مرتاد لكم ، أي طالب ومترقب لإجابة طلبكم.

ومن هنا نعرف أن هذا المسجد يكون من اولى منجزاته العمرانية في العالم .

وهو يهتم في كل مسجد أن يطبق عليه الحكم الإسلامي الصحيح ، حتى لو كان الحكم استحباباً غير إلزامي، حيث ينبغي أن يتربى المجتمع تدريجياً على الإلتزام بالواجبات والمستحبات معاً .ليبلغ في نهاية المطاف درجة العصمة المطلوبة ، فهو (ع) يهدم كل مسجد عالي البناء ،ويقتصر منه على المقدار الراجح في الشريعة العادلة .قال الخبر: " ولم يبق على وجه الأرض له شرف إلا هدمها وجعلها جماء."

ومن جملة الأعمال العمرانية للمهدي (ع) في دولته- كما في الخبر – أنه يوسع الطرق الأعظم .والمراد به الطريق الذي بين بلدتين وليس في الخبر إشارة إلى طريق معين ،وإنما المراد أنه يقوم بتوسيع الطرقات المهمة التي تصل بين المدن عموماً.


صفحة (555)
ـــــــــــــــــ


(1)انظر غيبة الشيخ ص281ةإعلام الورى ص430

وإننا في عصرنا الحاضر لندرك أهمية هذا التوسيع وجسامة العمل المنتج له أكثر من أي وقت مضى.

ومن تشريعاته العمرانية أنه يمنع الأجنحة إلى الطرقات ، ويهدم الموجود منها.

ومن تشريعاته العمرانية أنه يمنع الأجنحة إلى الطرقات ، ويهدم الموجود منها. والجناح في اللغة هو الروشن أو الكوة(1) فيكون المراد بها الشبابيك التي تطل من المنازل على الطرق، فتكشف ما في داخل المنزل ما لا يصح كشفه في الشريعة العادلة ، فيكون من الواجب إزالتها ، وإبدال سبب التهوية بشئ جديد.

وقد يفهم من الجناح أمر آخر ،وهو البروز الذي يجعل عادة في البناء إلى جانب الطريق أو الشارع ، أما عن طريق الأعمدة أو بدونها .وهذا أنسب باستعارة الجناح ذوقاً وإن لم ينص عليه لغة .والمفهوم تقليدياً أن المهدي (ع) يحرم هذا النوع من البناء ...غير أنه ليس من معاني الجناح لغة.

ومن تشريعاته العمرانية – كما نص الخبر -: أنه يبطل أي يمنع الكنف والمآزيب إلى الطرقات .والكنف بضمتين جمع كنيف.وهو البالوعة ،والمراد بها مواسير المياه القذرة .

والمآزيب جمع ميزاب وهو معروف. وكلاهما مستعمل بكثرة في عصرنا الحاضر، وهما موجبان لإتساخ الطرق وإزعاج المارة ،ومن هنا يقوم الإمام (ع) بمنعها .. ولابد لأهل البيوت من تصريف مياههم بأساليب أكثر نظافة وتهذيباً.

الجهة الخامسة : في أهمية التعدين في الدولة المهدوية .

نصت الخبار الواردة بطرق الفريقين :بأن الأرض تظهر معادنها وكنوزها على سطحها حتى يراها الناس ، وتلقي بأفلاذ أكبادها كأمثال الإسطوانات من الذهب والفضة.

وهذا يمكن فهمه على أساس إعجازي، بمعنى يفترض ان ظهور المعادن على سطح الأرض يكون عن طريق المعجزة ، تأييداً من الله تعالى للمهدي ودولته.

وهذا الفهم المحتمل ، على ما سوف ياتي .. إلا أنه ليس فهماً منحصراً ، بل يمكن تقديم فهم آخر لا يكون الفهم الإعجازي بالقبول منه على أقل تقدير.

وهو أن نفهم الشكل الطبيعي لظهور المعادن ،وهو استخراجها بالآلة ، عن طريق تخطيط معين واهتمام خاص واهتمام خاص من قبل الدولة ، حتى تتوفر المعادن بأيدي الكثيرين للقيام بها في الصناعات وإزجاء مختلف الحاجات.



صفحة (556)
ـــــــــــــــــ


(1) انظر اقرب الموارد .



ولا يخفانا في هذا الصدد ،أن تطبيق الحكم الإسلامي على المعادن يجعلها مملوكة للأفراد لا للدولة ، بخلاف القوانين الوضعية التي تعتبرها جميعاً ملكاً للدولة .كما أنه يجعلها منشرة بأيدي الآلاف لا بأيدي عدد قليل من الناس.

وذلك ، بان نفترض أن الدولة المهدوية هي التي توفر آلات الإستخراج الضخمة ، مع تطبيق الحكم الإسلامي القائل: أن كل من استخرج شيئاً من المعدن يجب عليه أن يدفع خمسه إلى الفقراء وهو يملك المقدار الباقي، فينتج أن آلاف العمال العاملين في المعادن سوف يملكون كميات ضخمة من المعدن المستخرج ، وملايين من الفقراء سوف تنسد حاجاتهم عن طريق دفع خمس المقدار المستخرج اليهم .

فاذا ضممنا الى ذلك الحكم الاسلامي القائل : بانه لا يجوز للمستخرج ان يزيد مقدار ما يستخرجه وما يملكه من المعدن ، على قوت سنته . عرفنا انه ليس من حق اي فرد من العاملين في المعدن ان يثرى على حساب الاخرين ، وانما بمجرد ان تصل ثروته الى حد معين يفي بحاجته السنوية له ولعياله بما يناسب حاله اجتماعيا، منعته الدولة عن الحصول على مقدار الزائد من المعدن ، فاما ان يعتزل العمل ويسمح لغيره بالاستخراج ، لكي يملك من المعدن بهذا المقدار ايضاً ، او ان يعمل ويكون الناتج للدولة مباشرة .

وعلى اي حال ، فالدولة تملك الكمية الفائضة من المعادن عن كميات العمال ، وهي كميات كبيرة ، قد تزيد على ما ملكه العمال جميعا بأضعاف كثيرة وهذه الكميات تستخدمها الدولة في صناعاتها وسد احتياجات العمل فيها.

ومن هنا تكون المعادن ، تحت الحكم العادل ، قد أفادت بطريق مباشر وغير مباشر ملايين الناس ، واغنت ملايين العوائل في العالم .

الجهة السادسة : في السياسة المالية للدولة المهدوية ، كما اشارت الاخبار واقتضتها القواعد الاسلامية العامة.

وأول ما يواجهنا في الاخبار المستفيضة من الفريقين ، هو ما نصت عليه من وفرة المال وكثرته بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ وان الافراد كلهم يكونون من الغنى المالي . بحيث قد يكون للرجل زكاة او صدقة ، فيبحث عن الفقير لكي يعطيها ، فلا يجد فيعرضها على الناس فيرفضون اخذها استغناء . وان الامام المهدي (ع) يعرض الاموال امام الناس ويعلن التوزيع المجاني ، لكي يحمل كل فرد منهم ما يستطيع حمله. الا ان الناس لا يرغبون به ولا يأخذون منه شيئاً ،غير واحد يأتي ويأخذ ثم يندم لأنه أصبح الوحيد الطامع بالمال، ثم يحاول إرجاعه فيرفض طلبه .



صفحة (557)


وكلا هاتين الصورتين المعروضتين في الأخبار ، صريحتان في شمول الغنى المالي الواسع لكل الناس في المجتمع ،وأن المال والذهب والفضة والأحجار الكريمة قد سقطت عن الرغبة الإجتماعية ،باعتبار توفرها كالماء والتراب.

هذا ، ولكن هذه الأخبار تواجه بعض الأسئلة يحسن عضها ومحاولة الجواب عليها، وسنذكر كل سؤال في ناحية مستقلة.
الناحية الأولى : ما سبب تكدس المال وكثرته في الدولة المهدوية ، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد.


وللجواب على ذلك عدة أطروحات محتملة لا بد من عرضها وتمحيصها.

الأطروحة الأولى : توفر المال عن طريق المعجزة ، ببركة الإمام (ع) ودعائه.

ولكن هذه الأطروحة لا تتم لعدة اعتراضات ، نذكر منها اثنين.

أولاً : إنها خلاف قانون المعجزات ، من حيث أنه مهما امكن توفر المال بالطريق الطبيعي واضح ، بعد الإطلاع على الأطروحتين التالتين.

ثانيا : ان السياق العام لهذه الأخبار التي تذكر تكدس المال وكثرته، يشير إلى عدالة النظام واستقامة الأمور إلى حد يتوفر المال بهذه الكثرة، ومن الواضح ان افتراض توفر المال عن طريق المعجزة ينافي هذا السياق ، لإمكان وجود المعجزة – مع اقتضاء المصلحة – في أشد الأنظمة ظلماً وفساداً . وبتعبير آخر : إن المال سوف يكون نتيجة للمعجزة لا للنظام العادل ، وهو خلاف ظاهر الأخبار . ومعه لا تكون هذه الأطروحة صحيحة.

الأطروحة الثانية : إن المال يتوفر لدى الدولة عن طريق ما تقوم به في الزراعة والصناعة والتعدين وغيرها من استثمارات . توجب توفر المال للدولة والفراد معاً.

وبهذه المشاريع يتوفر لدى الدولة المهدوية العالمية الإكتفاء الذاتي ، بل زيادة المنتجات على الحاجات من ناحية ، ويتوفر فيها زيادة على ذلك كمية ضخمة من النقد ليس لها منفذ ومصدر للصرف معين.


صفحة (558)




فإن مصادر – مهما تعددت – فهي تعود إلى الحاجة فحين تكون الحاجة منتفية في كل العالم والدولة واحدة والأمن مستتب والأخوة عامة بين البشر ، والحاجات الأولية والثانوية والتربوية كلها مستوفات ، فيكون المال الزائد بلا مصدر معين للصرف نعم ، يمكن أن يذخر هذا المال لإنقاذ أي منطقة من العالم و قد تصبح محتاجة نتيجة لظروف طبيعية طارئة كالفيضان أو الزلازل أو الوباء أو غيرها ، إلا أن نسبة حدوث ذلك سوف يكون أقل بكثير من نسبة تزايد المال وتوفر النقد .
وهذه الأطروحة صحيحة لا مانع من القول بصحتها .
الأطروحة الثالثة : إن توفر المال يكون عن طريق السيطرة على البنوك الكبرى في العالم ، حيث يعتبر أكثر المال الذي خزن فيها مغضوباً وحراماً غير مشروع لمن سجلت باسمه ، من الناحية الإسلامية.
ومن ثم تقوم الدولة المهدوية بعدة خطوات في هذا الطريق ، أهمها تأسيس نظام مصرفي جديد قائم على الإيمان بحرمة الربح الربوي من ناحية، وعلى عدم تقبل المال ما لم يحرز كونه مالاً حلالاً من الناحية الإسلامية لصاحبه ، من ناحية ثانية.
ثم تقوم الدولة بجرد البنوك التي كانت في عصر ما قبل الظهور ،وتصفية حساب الأموال المذخورة فيها .فإن كانت الشرائط الجديدة غير متوفرة أخرج المال من البنك وصادرته الدولة ،باعتبار كونه مجهول المالك ،وهو يعود إلى الدولة الإسلامية في حكم الإسلام .وإذا ثبت في مال أنه مسجل لغير مالكه الحقيقي إعيد إلى المالك.
إلا أن الأموال التي تحصل عليها الدولة عن هذا الطريق كثيرة وقد تربو على عشرات الملايين .وإن كانت هناك كميات ضخمة أخرى تبقى مسجلة لأصحابها ، باعتبارها مستجمعة للشرائط المطلوبة .
وهذه الأطروحة أيضاً لا مانع من القول بصحتها.
والظاهر أن الدولة تحصل على الأموال عن كلا الطريقين المبينين في الأطروحتين الثانية والثالثة .والمعتقد أن الأموال الفائضة نتيجة للأطروحة الثانية ستكون أكثر بكثير من الأموال التي تحصل عليها الدولة نتيجة للأطروحة الثالثة ، بالرغم من كثرتها في نفسها . ومعه تكون العمدة في كثرة الأموال هو الأطروحة الثانية.


صفحة (559)


الناحية الثانية: ما هو الهدف الذي يتوخاه الإمام المهدي (ع) من عرض الأموال للناس وتوزيعها عليهم مجاناً، كما أخبرتنا الأخبار. ويمكن أن نتصور لذلك إحدى اطروحتين محتملتين:


الأطروحة الأولى: أن كمية ضخمة من المال ،كما سمعنا تبقى من دون أن يتوقع لها منفذ معين .ومن هنا يكون من المنطقي أن ترصد للمحتاجين أفراداً ومجتمعات ، على طول الخط . يأخذ منها المحتاج – اياً كان – بدون مقابل وبدون شروط ،وبدون تحديد كمية معينة ، مادام المقدار معقولاً ومنطقياً.

غير أن الأخبار دلت بوضوح على عدم إقدام الناس للحصول على شيء من هذا المال ، لعدم وجود المحتاج بأي شكل من أشكاله في الدولة المهدوية العادلة، حتى أن هذا الفرد الذي يأخذ المال ثم يندم عليه ، سيكون دافعه للأخذ هو الطمع وليس الحاجة ،ومن هنا أمكنه التفكير بإرجاعه بدون حرج.

الأطروحة الثانية: أن دولة المهدي (ع) بعد ان تستتب أساليبها وبرامجها في إغناء الناس وإسعادهم ، حتى لا يبقى فقيرعلى الإطلاق ولا مشتاق على المال أصل، عندئذ تتعلق المصلحة ببيان ذلك وإيضاحه أمام البشر أجمعين والتاريخ وذلك بالقيام بتخطيط معين مؤقت ،وهو أن تعد الأموال الفائضة ويعلن في الناس إعلاناً عاماً، بأن من يريد أن يحصل على المال ، فإنه يستطيع بمقدار ما يشاء ، وحين لا يقبل الناس على أخذ المال ، غير واحد فقط، يثبت بالضرورة أن جميع الأفراد قد أصبحوا أغنياء ومرفهين إلى حد انقطعت أطماعهم وتحققت كل آمالهم.

فإذا استطعنا أن نتصور أن هذا التخطيط المعين في كثير من بلدان العالم ، يبدأ به المهدي (ع) في العاصمة المركزية ،ويطبقه الحكام الموزعون على الأرض كل في إقليمه ...وإذا كانت الإستجابة من الناس هي نفسها أو مقاربة في كل البلدان، حتى التي مانت معتادة على الجشع الرأسمالي ...حينئذ نستطيع أن ندرك كيف ولماذا أصبحت هذه التجربة هي المزية الرئيسية للإمام المهدي (ع) لم يستطع أحد قبله على الإطلاق أن يؤديها أو أن يفكر فيها فضلاً عن أن ينجح في أدائها ... مهما كانت دعاوي العقائد المنحرفة السابقة على الظهور ، ذات ضجيج وعجيج.

ومن هنا نصت جملة من الأخبار على هذه المزية بالتعيين ،ولم تصف المهدي (ع) إلا بها .كالذي أخرجه مسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده .وما أخرجه البخاري :وحتى يعرضه عليه: لا أرب لي به إلى غير ذلك من الأخبار ، وقد سمعناها.



صفحة (560)



الناحية الثالثة: إن بعض الأخبار السابقة يذكر كثرة المال ولا يشير إلى المهدي(ع) بالتعيين ، فكيف نستطيع أن نفهم المقصود به ذلك؟

ولهذا السؤال أسلوبان في الجواب ، أحدهما عام لكل الأخبار الواردة حول المهدي (ع) مع أنها لم تذكر اسمه. وقد طبقنا جانباً من هذا الأسلوب في التاريخ السابق(1)، وقلنا أن كل التنبؤات بحوادث المستقبل مربوطة بظهور المهدي (ع) وتصلح أن تكون (علامات) له ، ما لم يثبت بدليل خاص تأخرها عن الظهور وكونها من أشراط الساعة بشكل مباشر،وستأتي تفاصيل البرهان على ذلك في الكتاب الخاص بالسنّة والمهدي من هذه الموسوعة بتوفيقه تعالى.

وهناك من القرائن ما هو خاص بمورد كلامنا، تدلنا على أن كثرة المال لا تكون إلا في دولة المهدي العالمية العادلة ، نذكر منها قرينتين:

القرينة الأولى: أنه بعد أن ثبت بالضرورة والوجدان،عدم توفر المال بكثرة على الشكل الموصوف في الروايات، في أي عصر من عصور البشرية إلى العصر الحاضر،إذ، فهو سيتوفر في المستقبل .ولا يخلو عصر توفره من احد احتمالات ثلاث :

الأول: توفر المال قبل الظهور ، أي في الفترة المتخللة بين العصر الحاضر والظهور.

الثاني : توفر المال في دولة المهدي (ع) نفسها.

الثالث : توفر المال بعد دولة المهدي (ع) أي في الفترة المتخللة بين نهاية الدولة ،ونهاية البشرية.

وأما الإحتمال الأول: فهو غير وارد على الإطلاق .لما عرفناه مفصلاً من بقاء الظلم والفساد إلى لحظة الظهور. ومن غير المحتمل لعصر الفتن والإنحراف أن يؤثر تأثيراً إيجابياً في كثرة المال بهذا الشكل .وهذه الأنظمة العالمية المعاصرة أمامنا لم تنتج هذه الكثرة وغير قابلة لأن تنتجها في المستقبل ،وكذلك كل نظام لا يتكفل النظام العادل ، بل يمثل خط الإنحراف العام.


صفحة (561)
ـــــــــــــــــ


(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص 523 وما بعدها










مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 07:57 PM   #28
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

وأما الإحتمال الثاني : فهو المطلوب ، لأنه على تقدير صحته ، يتعين أن تكون كثرة المال في دولة المهدي نفسها.

وأما الإحتمال الثالث ، فهو – في واقعه- لا يتضمن مفهوماً مغايراً للإحتمال الثاني:

فإننا سنبرهن في الكتاب الآتي من هذه الموسوعة مفصلاً على ان دولة المهدي ونظامه سيبقى مستمراً إلى نهاية البشرية ، فكثرة المال لو لم تتحقق في حياة المهدي (ع) بل تحقق بعده ، طبقاً لهذا الإمتحان ، فهو قد تحقق في نظام المهدي ودولته العادلة نفسه، مهما أبطأ في الوجود .ولكن إذا صح أن يوجد المال بكثرة نتيجة للنظام العادل ، فأحر به أن يوجد في حياة الإمام المهدي نفسه بصفته القائد الأعظم والأجدر من قادة هذه الدولة على الإطلاق ، والمؤسس للنظام التكاملي والتربوي البعيد المدى فيها.

ومعه يتعين الإحتمال الثاني، وهو أن تكون كثرة المال التي أعربت عنها أي رواية من هذه الروايات وغيره، لا تكون بدايتها إلا في عصر وجود المهدي بشخصه في دولته العالمية ،وإن استمرت هذه الكثرة بعده قروناً من الزمن.

القرينة الثانية: أن تجعل الروايات التي تربط كثرة المال بظهور المهدي (ع) قرينة على أن المراد من الروايات الساكنة على ذلك هو ذلك أيضاً .وهذا فهم عرفي ولغوي صحيح ، ناشىء من حمل المطلق على المقيد،أو فهم المطلق على ضوء المقيد.

والروايات التي تربط كثرة المال وحصول الرفاه الإجتماعي بظهور المهدي على قسمين:

أحدهما : روايات المصادر الخاصة كلها ،مما سمعناه ومما لم نسمعه .

ثانيهما: الأغلب من روايات المصادر العامة، فإننا روينا في هذا الفصل منها اثني عشر نصاً .منها خمسة نصوص تسمي المهدي على التعيين .وثلاثة منها تصف المهدي بصفة لا تنطبق إلا عليه كقوله .فيبعث الله عزوجل رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .وقوله : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده ،ونحوها من الروايات التي لا يراد منها إلا المهدي (ع) بإجماع المسلمين.

ومنها: أربعة نصوص مهملة من هذه الجهة، هي روايتان عن البخاري وواحدة عن مسلم وواحدة عن الترمذي .وهي التي تقول – طبقاً للقاعدة اللغوية العامة — إن تلك الروايات الأكثر عدداً والأوضح صراحة تكون قرينة على ان المراد منها هو عصر الظهور للمهدي نفسه ليس غير.



صفحة (562)


وبوجود هاتين القرينتين يحصل المقصود :

هذا، ولكثرة المال سبب إيديولوجي نظري، هو ما يسمى بالمذهب الإقتصادي في اللغة الحديثة، هذا ما نحاول الدخول فيه الآن .فقد اقتصرنا هنا على الآثار والنتائج الإقتصادية ، الموسعة الناتجة عن المذهب الإقتصادي المهدوي العادل ،وأما أن هذا المذهب ما هو وكيف هو ، فهذا ما سنفهم المقدار الممكن منه في الكتاب التالي من هذه الموسوعة مفصلاً ، إن شاء الله تعالى.

الجهة السابعة : في التأييد الإلهي لدولة المهدي (ع) .

وينبغي اولاً أن نقيم القرائن على صحة هذا التأييد عموماً ، بالشكل الذي سنوضحه ، ثم نتحدث ثانياً عن مظاهر هذا التأييد في الدولة العالمية .ومن هنا نتكلم في ناحيتين:

الناحية الأولى: في وجود التأييد الإلهي لجانب الحق والعدل عموماً ، أينما وجد ، في مختلف الأزمة والأمكنة.

ويمكن أن نلحظ ذلك في الأدلة الإسلامية على مختلف المستويات :

المستوى الأول : وهو الذي يعرب عنه مثل قوله تعالى:

يا أيها الناس إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.(1)

فإنه مادام الفرد والمجتمع معطياً نفسه لنصرة الله ماشياً قدماً في سبيل الله ، فالله تعالى يفيض عليه النصر وقوة الإرادة ويعطيه من النتائج ما لم يكن متوقعاً.

ومثل قوله تعالى:

"ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض ، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقية الأمور" (2)

وإن من اوضح مصاديق هؤلاء المؤمنين الموصوفين في الآية هم المهدي وأصحابه ،وإن لم تكن الآية تشير إليهم بالذات.


صفحة (563)
ـــــــــــــــــ


(1) 47 / 7

(2) 22 / 40-41



ومثل قوله تعالى :

"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم "(1)

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ان هناك مرتبة من الإخلاص والإيمان إذا وصلها الفرد في عمله في سبيل الله – اياً كان شكل العمل وأسلوبه – أصبح مستحقاً للتأييد الإلهي والعناية والرحمة من قبل رب العالمين .

وأثر التأييد الإلهي، هو زيادة النتائج على المقدمات ، بمعنى أن هذا العامل المعين لو لم يكن مؤيداً لأنتج نتائج معينة محدودة ، بحسب قوانين المجتمع العامة ، كأي عمل آخر.

لكن حين يصبح العمل مقروناً بالتأييد ، فإن نتائجه تكون أوسع مما يتوقع عادة من مثل هذا العمل .

ومن أمثلته المحسوسة في العصر الحاضر ، انتشار الدين الإسلامي في العالم .فإنه بالرغم من قلة دعاته المبشرين إليه وقلة المدافعين عنه وضعفهم نجده محفوظاً متنامياً بارزاً بالعزة والفخر أمام الرأي العام العالمي ، يعتنقه في كل عام مئات الأفراد الجدد في إفريقيا خاصة وفي العالم عامة.

المستوى الثاني : وهو المفهوم من مثل قوله تعالى:

" بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ، ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم . فينقلبوا خائبين"(2)

فمهما تزايد عنصر الصبر وعنصر التقوى في الأفراد العاملين ، كان استحقاق عملهم للتأييد الإلهي أكثر فأكثر. وليست هذه الآية وأمثالها خاصة بالنبي(ص) وأصحابه ،وإن نزلت لأول مرة فيهم .وبرهان عدم الإختصاص ينطلق من عدة وجوه نذكر منها اثنين مستفادين من الآية نفسها:

الوجه الأول : إن الآية أناطت الإمداد والتأييد بالصبر والتقوى ،ولم تنطه بكون القائد نبياً أو مرسلاً من الله عز وجل ، الأمر الذي يعطينا أن الصبر والتقوى يستتبعان التأييد أينما وجد.


صفحة (564)
ـــــــــــــــــ


(1) 47/ 17

(2) 3/ 125 _ 126


الوجه الثاني : إن الهدف من تأييد الجيش النبوي مذكوراً في الآية وهو قوله تعالى :

" ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين". فمهما وجد هذا الهدف بإخلاص وجد التأييد .وكيف إذاعرفنا أن الهدف المهدوي ليس محدوداً بل واسعاً بسعة الأرض كلها ،فإن التأييد يكون من هذه الناحية أولى بطبيعة الحال.

المستوى الثالث: تعاضد التكوين والتشريع في إنتاج العدل لنتائجه النهائية.

فإن المستفاد من عدد النصوص من الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، أن تطبيق العدل الإلهي أينما وجد، والمجتمع المؤمن أينما تحقق ، فإن الطبيعة تكون مساعدة له بمشيئة خالقها الحكيم – لإنتاج النتائج الحسنة والوصول إلى الرفاه الإجتماعي. وهذا أمر صحيح برهانياً ، وسيأتي ما يلقي عليه الضوء الكافي في الكتاب الآتي، من هذه الموسوعة.

كقوله تعالى – نقلاً عن النبي (ع) -:

"ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم"(1)

وقوله نقلاً عن نوح النبي (ع):

"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً "(2)

فإن إرسال السماء مدراراً وشق الأنهار وزيادة البنين ونحوها ، أمور تكوينية ليس للإنسان فيها يد، وخاصة في عصر نوح(ع) ،ومع ذلك فقد قرنت مع الإستغفار والتوبة ،ومع إصلاح النفس والإخلاص بشكل عام .وهذا صادق بالنسبة إلى المجتمع المحدود ، فكيف إذا أصبح المجتمع كله صالحاً مؤمناً.

فهذه مستويات ثلاثة من التأييد الإلهي ، لا حاجة الآن إلى الزيادة عليها.

الناحية الثانية : في تطبق ذلك على الدولة المهدوية ،وما عرفناه من أشكال التأييد التي تعتبر كنتائج لإحدى هذه المستويات .


صفحة (565)
ـــــــــــــــــ


(1) 11/ 52

(2) 71/ 10 _ 12



ومن الواضح أن الصفات المعتبرة لإستحقاق التأييد في المستويات الثلاثة كلها موجودة في اصحاب الإمام المهدي (ع) خاصة وفي الدولة العالمية العادلة ، ككل، فمن الطبيعي أن يكونوا مشمولين لكل هذه الأشكال الثلاثة .

واما من حيث النتائج التي تعرضها علينا الأخبار السابقة ، فتتجلى في صور مختلفة:

الصورة الأولى : سهولة استخراج المعادن بشكل خارج عن الحسبان ، سواء فهمناها من زاوية إعجازية أو من زاوية طبيعية ، وقد تحدثنا عن ذلك.

الصورة الثانية : اتساع الزراعة والأراضي المزروعة بشكل عظيم لم يسبق له مثيل.

" لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ،ولا السماء من قطرها شيئاً إلا صبته".

الصورة الثالثة : ارتفاع الدخل الفردي بشكل لا مثيل له ، إلى حد ينغلق الطمع بالمال الزائد تمام، كما صرحت به الروايات .

الصورة الرابعة: أنه (ع) : "تطوى له الأرض" وهو تعبير عن سرعة الوصول إلى المكان البعيد، أما بشكل إعجازي أو بشكل طبيعي ،كما سنتحدث عنه غير بعيد.

الصورة الخامسة : شمول الأخوة لكل الناس وعموم الصفاء بينهم جميعاً ، الأمر الذي لم يحدث في أي نظام آخر ، كما نصت عليه أخبار الفريقين.

الصورة السادسة: إن الأمن والصفاء لا يشمل البشر فقط ، بل يشمل الحيوانات أيضاً: البهائم والسباع "واصطلحت السباع والبهائم" فيما بينها .وهي لا تضر الإنسان أيضاً "لا يهيجها سبع ولا تخافه".

وهذا الصلح منصوص عليه في كتب العهدين أيضاً، ومقرون هناك بوجود المجتمع الصالح العادل .كما سوف يأتي في جزءآت من هذه الموسوعة ، قد أعطى هناك معنى يشمل الأفاعي وسائر الحشرات أيضاً.

وهذا الصلح أحد المظاهر الواضحة للتأييد الإلهي للمجتمع المهدوي .حتى إن الوحوش تصبح ملهمة بقدرة الله عز وجل ، على أن تتجنب كلما يضرب البشر من قتلهم أو قتل مواشيهم أو إفساد مزروعاتهم وغير ذلك .بل لعلها تشاركهم فيما يشعرون من سعادة ورفاه وأخوة "يرضى عنه ساكن السماء" وهو الطير.



صفحة (566)



وهذا المطلب لا يمكن إثباته من ناحية العلم التجريبي الحديث ،ولا يكون قابلاً للتصديق من قبل أي فرد ممن وثق بهذا العلم واطمئن إليه ، ولكن حسبنا تجربة المستقبل ،وحدوث يوم الظهور نفسه ،فبيننا وبين المفكرين المحدثين ،وجود المجتمع العالمي العادل:

" فانتظروا إني معكم من المنتظرين "(1)

فإن تجربة وجود هذا الصلح لا يمكن تحققها بدون تحقق ذلك المجتمع ،فإنه الشرط الأساسي له .ولا يعقل أن يتحقق الشيء قبل توفر سببه .فإن حدث ذلك المجتمع ،ولم يحدث الصلح بين السباع والبهام كان كلام المنكرين صادقاً ، ولكنهم لا يمكنهم إثبات ذلك في العصر الحاضر، بأي حال من الأحوال.

فهذا هو مهم الكلام في هذا الفصل. بقي علينا الدخول في الخاتمتين اللتين تعرضان إلى أنواع أخرى من المنجزات لا تمت إلى الجانب المالي والإقتصادي بصلة.

الخاتمة الأولى:

في المنجزات القضائية والعبادية والفقهية ونحوها في دولة المهدي (ع) :

ونتكلم عن ذلك في عدة جهات:

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الدالة على هذه المنجزات:

أخرج في البحار(2) عن أبي عبيدة عن أبي عبدالله (ع) ، قال:

إذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ، لا يسأل الناس بينة ، وأخرجه ، في الوسائل(3) بلفظ مقارب .

وأخرج النعماني(4) عن إبان بن تغلب قال: كنت مع جعفر بن محمد (ع) في مسجد مكة وهو آخذ بيدي ، فقال:

يا أبان، سيأتي الله بثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً في مسجدكم هذا ...


صفحة (567)
ـــــــــــــــــ


(1) 7/71 وانظر: 10-20. (2) ج13 ص 183 .

(3) ج3 ص435. (4) ص 169.



إلى أن قال: ثم يأمر مناد فينادي: هذا المهدي يقضي بقضاء داود سليمان ، لا يسأل عن ذلك بينة، وأخرجه الصدوق في إكمال الدين أيضاً(1).
وأخرج النعماني(2) عن إبان أيضاً عن أبي عبدالله (ع) في حديث ، أنه قال: ويبعث الله الريح من كل واد تقول هذا المهدي يحكم بحكم داود ولا يريد البينة.
وهناك أخبار أخرى حول هذا القضاء رويناها في الفصل الخاص بالتمحيص فراجع.
وأخرج في البحار(3) عن الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (ع) ، قال: أول ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف.
وروى أيضاً عن الكافي بإسناده عن عمرو بن جميع قالت سألت أبا جعفر (ع) عن الصلاة في المساجد المصورة ، فقال : أكره ذلك ،ولكن لا يضركم اليوم ،ولو قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك .
وقال في البحار :روى في كتاب مزار لبعض أصحابنا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال : قال لي: يا أبا محمد ، كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة ، بأهله وعياله ، قلت يكون منزله ؟جعلت فداك! قال: نعم... قلت : جعلت فداك لا يزال القائم فيه أبداً . قال: نعم .قلت: فمن بعده؟ قال: هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق. قلت: فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال :يسالمهم ،كما سالمهم رسول الله (ص) ، ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون ... الحديث.


صفحة (568)
ـــــــــــــــــ


(1) نسخة مخطوطة. (2) نفس الصفحة السابقة.

(3) ص196ج13 .وكذلك الخبرين بعده.



وروي أيضاً(1) ،عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى اسحق بن عمار، قال :سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه ، فقال:

إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم(2). قال:الوقت المعلوم يوم قيام القائم ، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة ،وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه ، فيقول يا ويلاه ،من هذا اليوم ، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه ، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى اجله.

وقد سبق أن روينا هذا الخبر ،وأجلنا الحديث فيه إلى هذا الفصل .ومن أجل هذا كررناه.

وروى في البحار أيضاً(3) عن بعض مؤلفات أصحابنا بإسناده عن المفضلبن عمر ، قال سألت سيدي الصادق (ع) : هل للمأمور المنتظر المهدي(ع) من وقت معلوم يعلمه الناس؟ - وهو حديث طويل يقول فيه- : قال المفضل : قلت : ياسيدي ، فأين يكون دار المهدي ويجتمع المؤمنون ؟ قال:

دار ملكه الكوفة ومجلس حكمه جامعها وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة .وموضع خلواته : الذكوات البيض بين الغريين .قال المفضل: يامولاي ، كل المؤمنين يكونون في الكوفة، قال: أي والله ، لايبقى، مؤمن إلا كان بها أو حواليها ، وليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم ..وليصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلاً ،وليجاورن قصورها كربلا ،وليصيرن الله كربلا معقلا ومقاما ، تختلف فيه الملائكة والمؤمنون ،وليكونن لها شأن من الشأن ... الحديث.
وروى الحر في الوسائل(4) بإسناده عن الحسين الشيباني عن أبي عبد الله (ع) قال:


قلت له: رجل من مواليك يستحل مال بني أمية ودمائهم ،وأنه وقع عنده وديعة .فقال:

أدوا الأمانة إلى أهلها وإن كان مجوس، فإن ذلك لا يكون حتى قام قائمنا فيحل ويحرم.


صفحة (569)
ـــــــــــــــــ


(1) ص197 ، ج 13. (2) 38 / 80 _ 81 .

(3) ج13 ص200. (4) ص681.



واخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده عن إبان بن تغلب ، قال: قال أبو عبدالله (ع) :

دمان في الإسلام حلال من الله عز وجل : لا يقضي فيهما أحد بحكم الله عز وجل ، حتى يبعث الله القائم من اهل البيت ، فيحكم بحكم الله عزوجل فيهما ، لا يريد فيه بينة : الزاني المحصن يرجمه ،ومانع الزكاة يضرب رقبته(عنقه).

إلى غير ذلك من الأخبار التي لا حاجة إلى الإطالة بذكرها .

أقول: إن اكثرالأخبار ، بصفتها أخباراً مفردة ، غير قابلة للإثبات التاريخي ، وخاصة ما نقلناه عن البحار فإن فيه ما هو مجهول ومرسل ومرفوع . فالعمدة في تصحيحها مطابقتها للقواعد والقرائن .ولكننا سنتحدث الآن عنها كما لو كانت كافية للإثبات ، لعدم قيام القرائن على بطلانها على أي حال.

الجهة الثانية: في الحديث عن قضاء المهدي (ع) ، وقد تحدثنا عن ذلك مفصلاً ،وإنما بقيت هناك نقطتان لم يكن المجال لإيضاحهما متوفراً ، فنتحدث عنها الآن.

النقطة الأولى: في معنى قضاء سليمان (ع) .فإننا لم نذكره من بين أساليب الأنبياء للقضاء فيما سبق. وقد ورد في هذه الروايات ذكره.

هو ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى :

" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً".(2)

وهذه الآية لم تذكر الحكم الذي حكم فيه سليمان (ع) طبقاً لتفهيم الله عزوجل .ولكن ذكرته السنة الشريفة في عدة أخبار.

منها : ما روى(3) عن أبي بصير عبد الله (ع) قال : قلت له: .....


صفحة (570)
ـــــــــــــــــ


(1) نظر المصدر المحطوط.

(2) 21/77-78.

(3) تفسير البرهان ج 2 ص 693.





" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث" قلت : حين حكما في الحرث كانت قضية واحدة ؟ فقال : أنه كان أوحى الله عزوجل إلى النبيين قبل داود ، إلى أن بعث الله داود ،أي غنم نفشت في الزرع ، فلصاحب الحرث رقاب. فلا يكون النفش إلا بالليل .فإن على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار، وعلى صاحب الغنم في الليل. فحكم داود (ع) بما حكمت به الأنبياء(ع) من قبله.

وأوحى الله عز وجل إلى سليمان (ع) : أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها. وكذلك جرت السنة بعد سليمان. وهو قول الله عز وجل :وكلاً آتينا حكماً وعلماً. فحكم كل واحد منهما بحكم الله عز وجل.

والمستفاد من هذا الخبر وغيره، أن اعتداء الغنم على الحقل ،إن كان بالنهار فلا ضمان على صاحب الغنم ، لأن صاحب العقل هو الذي يجب عليه حفظ حقله في النهار.

فإذا اعتدت غنم غيره عليه كان هو مقصراً ،ولا يضمن له صاحب الغنم شيئاً .وأما اعتداء الغنم في الليل فهو مضمون على صاحب الغنم ، لأنه يجب عليه حفظ غنمه من الإعتداء على الآخرين أثناء الليل ، فإذا لم يمنعها كان مقصراً وعليه الضمان. وكان الإعتداء في القضية التي عرضت على داود وسليمان(ع) ، إعتداء ليلياً ، فكان صاحب الغنم ضامناً لما اتلفه غنمه .ولكن ماذا يجب أن يدفع صاحب الغنم إلى صاحب الحقل ؟ إن في ذلك ثلاث احتمالات :

الإحتمال الأول : أنه تقدر قيمة التالف من الزرع ،ويأخذ صاحبه من النقود بقدر هذه القيمة .وهذا صحيح إلا أن النقود لم تكن موجودة في ذلك العهد ، بل كانت المبادلة كلها بين النس باعتبار العروض نفسه ، فكان هذا الإحتمال مما لا يمكن العمل به يومئذ.

الإحتمال الثاني: أنه تقدر قيمة التالف في الحقل ، ويأخذ صاحبه بقدر قيمته من العروض مما يملكه صاحب الغنم. وأقرب شيء يأخذه صاحب الحقل من هو ما انتجته الغنم المعتدية نفسها من حليب وولد وغيره .وهذا هو الذي حكم به النبي سليمان ، طبقاً لتفهيم الله عز وجل ... كما يقول الخبر.



صفحة (571)



الإحتمال الثالث : إن صاحب الغنم يدفع إلى صاحب الحقل الغنم المعتدية نفسها ، أما – كلها ـ كما هو ظاهرالخبر ـ وأما بعضها بمقدار قيمة التالف .وهذا هو الذي حكم به داود (ع) ، طبقاً لأحكام الأنبياء السابقين ، كما يقول الخبر.

وكان الحكم العادل ، المطابق مع المستوى التربوي للبشرية يومئذ ، هو ما قاله النبي سليمان (ع) .

الجهة الثانية: في المبررات الكافيى لإتخاذ المهدي (ع) أساليب قضاء سليمان وداود(ع) .

والمستفاد من مجموع الأخبار، أن اتخاذ المهدي (ع) لقضاء سليمان ، أمر مؤقت .شأنه في ذلك قضاء التي سمعنا أن المهدي (ع) يسير على طبق كل واحد منها مرة أو أكثر من أجل تمحيص الأمة، ولكن اتخاذ المهدي لقضاء داود أمر مستمر ومعتاد بالنسبة إليه ، فهل هذا صحيح وكيف يكون ذلك ؟هذا ما سنعرفه بعد قليل.

وليس المراد بقضار داود (ع) حكمه في قضية الحقل التي حكم بها ولده سليمان (ع) .بل اسلوبه العام في أنه يقضي بدون أن يطلب من المدعي بينة على مدعاه.

وينبغي أن يقع الحديث في نقطتين.

النقطة الأولى : في المبررات الكافية لإتخاذ المهدي (ع) قضاء سليمان (ع) .

يمكن أن نذكر لذلك مبررين:

المبرر الأول : إن قضار سليمان (ع) مطابق للقواعد الإسلامية نفسها ،فإنه بعد أن يثبت اعتداء الغنم على حقل الغير ، يكون صاحب الغنم ضامناً لصاحب الحقل قيمة ما اتلفته الغنم من الزرع وهذا صحيح واضح القواعد الإسلامية ،وهو مما أخذه سليمان وداود (ع) مسلماً أيضاً، وإنما اختلفت الأحكام فيما يمثل هذا الضمان الذي يدفعه صاحب الغنم كما قلنا في الإحتمالات الثلاث السابقة.

فبينما يبدو للفرد المعاصر لعصرالنقود والعملات الورقية ، أن الضمان يجب ان يكون ممثلاً بها ، لم يكن هذا واضحاً ولا مفهوماً للمجتمع المعاصر لسليمان وداود (ع) ، لإنعدام العملة عندهم.

ومن الصحيح إسلامياً ان الضمان في العصر الحاضر، إنما يكون بالنقود والعملة بوجه عام ـ ولكن الصحيح إلى جانب ذلك أنه يمكن دفع العين أو العروض بدلها أحياناً ، كما لو اتفق الدائن والمدين على ذلك ، وكما لو أمر بذلك الحاكم الإسلامي الأعلى نفسه.



صفحة (572)


إذاً، فالفرق بين حكم سليمان وحكم الإسلام فيما يمثل الضمان . فإذا حكم المهدي (ع) بحكم سليمان (ع) ، فقد أمر ضمناً بصفته حاكماً إسلامياً أعلى – بتحويل الضمان من النقد إلى العروض، فيكون هذا جائزاً وملزماً للمدين.

واما التفريق بين الإعتداء في الليل والإعتداء في النهار ، فلا يكون في هذه المسألة منشأ للفرق بين حكم سليمان وحكم الإسلام فيها ، لأنه كان اعتداء ليلياً مضموناً في حكمه وهو مضمون في الإسلام أيضاً .نعم ، لو كان الإعتداء في النهار، لكان منشأ للفرق الحقيقي ، إلا أن المهدي (ع) سيحكم بالضمان كما حكم سليمان بالضمان.

المبرر الثاني: أننا لو تنزلنا – جدلاً- عن المبرر الأول ، وفرضنا أن حكم سليمان (ع) غير صحيح إسلامياً ، فعندئذ يكفي في صحته بالنسبة إلى الإمام المهدي(ع) ما كفى بالنسبة إلى اتخاذه أساليب قضاء الأنبياء الآخرين كآدم ونوح ووقد أعطينا لذلك المبررات الكافية في الفصل السابق فراجع .هذا والمهدي (ع) أولى بالناس من أنفسهم وأموالهم، وله أن يعمل ماهو الأصلح على كل حال ، شأنه في ذلك شأن نبي الإسلام (ص) نفسه ، كما هو ثابت بضرورة الدين.

النقطة الثانية : في المبررات الكافية لإتخاذ المهدي (ع) قضاء داود (ع).

يمكن أن نقدم لذلك ثلاثة مبررات بحسب فهمنا المعاصر:

المبررالأول : التمحيص والإمتحان ، الذي هو المبرر العام لإتخاذ المهدي أياً من أساليب قضاء الأنبياء السابقين ، على ماعرفنا ... إلى جانب مصالح أخرى عامة عرفناها.

وهذا المبرر يكتسب إثباته التاريخي ، بشكل رئيسي ،ومن الظن بأن الإمام المهدي (ع) حين يحكم في قضية بحكم النبي داود (ع) سوف لن يصرح بأن هذا من ذاك ،ولن يوضح أنه حكم بعلمه مطابقاً للواقع وإن خالف القواعد القضائية العامة .ومن هنا يكون مثاراً للإحتجاج ،وهو محك التمحيص.

غير أن هذا صحيح في العدد القليل من القضايا التي يتخذ فيها المهدي (ع) هذا الأسلوب القضائي ، إذ تكون صفته صفة اتخاذه لأساليب القضاء الأخرى ، مرة مرة ،وهي التمحيص .غير أن المستفاد من الروايات استمرار ديدن المهدي (ع) على ذلك في كثير من القضايا ، ومعه ، يكون اتخاذ هذا الأسلوب لأول مرة محكاً للتمحيص ، وحين يتكرر الأمر ويتضح السرفيه ، سيتخذ الموقف مبرراً آخر أعمق من ذلك.

صفحة (573)



المبرر الثاني : تعويد المجتمع على الوصول إلى الواقع في المرافعات القضائية ،فحين يعلم الإمام المهدي (ع) أن القواعد القضائية ستوصل القضية إلى الواقع لا يكون لديه مانع من استعمالها ،وحين يعلم مخالفتها للواقع فإنه سيهملها ويتجه في حكمه نحو الواقع مباشرة .وقد قلنا في الفصل السابق أن الحاكم العادل مخيربين الأسلوبين باستمرار.

ومن هنا كان هذا الأسلوب معتاداً له ، لا بمعنى أنه يتخذه في كل القضايا على الإطلاق، بل بمعنى أنه يكثر من اتخاذه ، وذلك في موارد مخالفة القواعد العامة للواقع، ومن هنا يمكن القول :بأن المهدي (ع) يجمع ما بين قضاء داود(ع) وقضاء محمد (ص) . وحيث نعرف أن قضاء محمد (ص) أعني بالقضاء بالبية واليمين غالبي المطابقة للواقع ، وقليل المخالفة له، نعرف أن المهدي (ع) سيتخذ قضاء محمد (ص) في الأغلب وقضاء داود في الأقل .ولكنه (ع) سيصل إلى الواقع على كل تقدير.

ولا حاجة إلى التوسع في هذا المبرر أكثر من ذلك.

المبرر الثالث : تعويد المجتمع على الوصول الى الواقع ، في كل مصالح العامة ، وليس في القضاء فقط . فان القضاء بالرغم من اهميته ليس هو اهم مرافق الدولة واعمق مستوياتها ، فاذا كان الجانب الاضعف محتاجا الى الوصول الى الواقع ، فكيف بالجانب او الجوانب المهمة والعليا في الدولة والمجتمع .

والمنطلق الاساسي لهذا المبرر ، وهو أن الحكم العادل المطلق ، الذي يحصل فيه الإنسجام المطلق بين البشر أجمعين ، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد التشخيص الحقيقي لكل الوقائع والحوادث ، والرؤية الواضحة لكل الظواهر والتحركات ،وأي ضعف في التشخيص أو جهل في الرؤية ، يؤدي إلى تضعضع العدالة في الحكم الوارد في الواقعة. وإذا كثر هذا الضعف كثر هذا التضعضع ، ومن ثم قد يودي بعدالة النظام كله.

ولا نريد بالتشخيص الحقيقي والرؤية الواضحة، إلا ملاحظة كل واقعة وحادثة على واقعها من دون لبس وغموض .إذاً فتطبيق العدل الكامل المطلق ، متوقف على الوصول إلى الواقع دائماً ، أعني في المصالح العامة – وقد يصل بعد التربية البشرية المستمرة حتى إلى الوقائع الشخصية الخاصة.



صفحة (574)


وهذا هو أحد الفروق بين داود(ع) والمهدي (ع) حيث وقع هذا القضاء من داود (ع) مرجوحاً كما عرفنا مستحقاً للإستغفار والإنابة ، بينما سوف يكون راجحاً من المهدي (ع) ومطابقاً للمصالح العامة في دولته. لأن المجتمع في عصر داود لم يكن في مستوى الوصول إلى الواقع ، بل كانت القواعد القضائية العامة تربوية بالنسبة إليه إلى الحد الكافي ...على حين سيصبح المجتمع في عصر الإمام المهدي (ع) محتاجاً إلى الوصول إلى الواقع في كل المصالح العامة.

ولا حاجة إلى التوسع في هذا المبرر الثالث أكثر من هذا ايضاً.

الجهة الثالثة : في مقتل إبليس .

وهو ما دل عليه بعض الروايات ، منها ما نقلناه فيما سبق.

الأطروحة الأولى : الأطروحة الصريحة (غير الرمزية) لهذا الحادث الطريف.

وتبدأ هذه الأطروحة من زاوية ظهور القرآن الكريم بأن ابليس مخلوق معين ذو شخصية محددة، وهو الذي أصبح منذ عصيانه الأمر الإلهي بالسجود لآدم (ع) مصدر الشر والخطايا لآدم وذريته .وقد دعا إبليس ربه في ذلك الحين أن يرزقه العمر الطويل ليقوم بمهمته خير قيام ...وقد أجابه إلى ذلك .ومن هنا كان أي كفر أو إنحراف أو عصيان في البشرية منسوباً إلى إبليس أو الشيطان.

غير أن إبليس دعا ربه أن يهبه العمر إلى نهاية البشرية (إلى يوم يبعثون) فاستجاب له قسماً من هذا الدعاء ورفض الآخر ، بأن أعطاه قسماً من العمر المطلوب....

" قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم "(1)

وهو يوم الظهور وتأسيس الدولة العالمية حيث يقوم الإمام المهدي بقتله ، وتبقى البشرية بدون شيطان، فتكون تربيتها أسهل وتكاملها أسرع ، وربما تكون هذه السرعة أضعاف ما هي عليه في حياة إبليس.

فبينما كان إبليس ، أعني طاعته والإنحراف باتجاهه ، محكاً للتمحيص منذ أول البشرية إلى عهد الظهور، لما عرفناه من وجود اختلافات أساسية في الأسلوب والنتائج بين التخطيط السابق والتخطيط اللاحق على الظهور.


صفحة (575)
ـــــــــــــــــ


(1) 38/ 80-81



وهذه الأطروحة وكذلك الثانية ، تصدق بغض النظر عن بعض المناقشات الجانبية في مضمون الخبر ، الذي سمعناه بهذ الخصوص ،والذي يطول بنا المقام في سردها.

غير أن أهم مناقشة تواجهها هذه الأطروحة ، بعد التسليم بأن ذاك الخبر وحده غير كاف في الإثبات التاريخي ... هي جهلنا بمقصود القرآن الكريم من (الوقت المعلوم).

فإن القرآن ظاهر فعلاً بأن الوقت المعلوم أقصر مدة وأقرب زماناً من (يوم يبعثون).

إلا أنه لم يحدد هذا الوقت المعلوم ...فلعل المراد به يوم موت إبليس نفسه ، فكأنه قال كإنك من المنظرين إلى حين موتك .ولعل المراد به يوم ظهور المهدي كما هو مبين في هذا الخبر. ولعل المراد به يوم وجود المجتمع المعصوم .كما سنسمع في الأطروحة التالية ، كما لعل المراد الإشارة إلى وجود حادث كوني معين يودي بحياة الشيطان ، أو يجعل حياة الشياطين متعذرة.

وحيث لا معين لأحد هذه الإحتمالات من ظاهر القرآن الكريم ،وهذا الخبر وحده غير كاف للإثبات .إذن فلا يمكن التأكد من صحة الطروحة الأولى.

الأطروحة الثانية : الأطروحة الزمنية وهي ان نفهم من مقتل إبليس مقتله في نفوس البشر ، بحيث أنه مهما كان في ذاته – لايبقى له أي اثر أو وجود عملي على سلوك البشر إطلاقاً ،وذلك حين تجتث الدولة الإسلامية العالمية العادلة، عناصر السوء والفساد من الأرض وتبدلها إلى جو الخير والصلاح ، في نفوس وعقول الأفراد أجمعين فحينئذ لا يبقى لوجود إبليس أية قيمة من الناحية العملية ،وأما بقاؤه حياً في عالمه أوموته هناك، فهذا غير مهم بالنسبة إلينا.

وحيث كان وجود الخير والصلاح في البشرية كلها ناتجاً من جهود الإمام المهدي (ع) وتعايمه وقوانينه ، كان نسبة مقتل إبليس إليه أمراً صحيحاً ،وإنما كان مقتله في مسجد الكوفة على ما نطق به الخبر- لأن هذا المسجد بصفته أحد المراكز المهمة في العاصمة العالمية الكوفة ، سيكون هو منطلق تعاليم المهدي (ع) ونشر هدايته على العالم ، ومن الواضح عندئذ كيف يتأسف الشيطان لذلك ويجزع .كما سمعنا من الخبر – ويكون مقتولا ًفي النفوس بسيف المهدي(ع) وسلاحه المعنوي.



صفحة (576)



إن هذه الأطروحة تنطلق من آيات القرآن الكريم أيضاً، فإن مجموعة منها صريحة في إن إبليس ليس متسلطاً على كل البشر ولا نافذ الأمر فيهم جميعاً . بل هناك جماعة مؤمنة خارجة عن نطاقه، وإن الإنسان إذا وصل في إيمانه درجة معينة، فإنه يكون في منجاة كاملة من أضاليل إبليس وشبهاته.

قال الله تعالى:

" قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"(1)

وقال تعالى : " قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"(2)
وهذا النص ملحق بقوله:
" قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم "(3)


وقال عز وجل :

"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين "(4)

وقال عز وجل :

" إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون"(5)

إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة في أن مستوى معين من الإيمان يكون دافعاً لسلطان إبليس وإغوائه، باعتراف إبليس نفسه ، كما دلت عليه الآيتان الأوليان ،ويقول الله عز وجل في الآيتين الأخيرتين.



صفحة (577)
ـــــــــــــــــ


(1) 15 / 39 _ 40. (2) 38 / 82 _ 83.

(3) 15 / 42. (4) 16/99-100.



وهذا المستوى من الإيمان يوجده المهدي (ع) في البشرية خلال حياته ،ومن ثم يكون هو القاتل لإبليس مباشرة بسيفه المعنوي .ولا أقل من انه يضع المنهج العام لتربية البشرية على الخط الطويل لكي تصل إلى عصر(المجتمع المعصوم) وعنئذ يكون مقتل إبليس في نفوس البشر أكيداً وواضحاً ،لوجود التنافي الأساسي والأكيد بين العصمة والمعصية.

وسيكون هذا المجتمع آخر نهاية محتملة له ، نعلم من خلاله بموت إبليس أو انفصاله عن البشرية نهائياً . لأنه إما أن يموت يومئذ ، أو يموت في حياة المهدي (ع) فيكون عند حصول المجتمع معصوماً ميت، أو يموت – كما قلنا – بحادث كوني يجعل حياته متعذرة ،وليس ذلك إلى صفة العصمة التي يتحلى بها المجتمع يومئذ ، فإنها تقتله أو تجعله منفصلاً عن البشرية بشكل نهائي ، طبقاً للأطروحة الثانية.

بقيت آية واحدة قد يخطر على البال منافاتها لما قلناه ،وهي قوله تعالى:

" قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ، لئن أخرتن إلى يوم القيامة ’لأحتنكن ذريته إلا قليلاً "(1)

فقد يبدو أنها دالة على بقاء الشيطان إلى يوم القيامة ،كما أنها دالة على أن اتباع الشيطان هم أغلب البشرية على طول الخط ،وإلى نهايتها ،وهذا ينافي مع وجود المجتمع المعصوم الباقي إلى نهاية البشرية.

والصحيح إنها لا تدل على كلا الأمرين ،وإنما تدل على أمور أخرى نذكر منها:

الأمر الأول: توقع الشيطان البقاء إلى يوم القيامة ،وهو توقع لم يكن يلق قبولاً من قبل الله عز وجل، كماعرفنا في قوله تعالى " إلى يوم الوقت المعلوم " .
الأمر الثاني : أن الشيطان لو بقي إلى نهاية البشرية فإن أتباعه سيكونون هم الأغلب من البشر. وهذا صحيح، إلا أن بقاءه سوف لن يحدث ،وهذه الآية غير دالة عليه ،لأنه يقول : لئن أخرتني إلى يوم القيامة ، لا أنك ستؤخرني فعلاً.


الأمرالثالث: إن الشيطان مادام موجوداً ،فإن أغلب البشر من اتباعه ،وهذا صحيح ، وسيبقى موجوداً إلى" يوم الوقت المعلوم" ،وعندئذ تنتهي حياته فيسود الصلاح والعدل الكامل ربوع البشرية.


صفحة (578)
ـــــــــــــــــ


(1) 17 / 62



وهذا يصلح برهاناً على نقطتين ، نضمهما إلى استنتاجاتنا السابقة :

النقطة الأولى : إن الشيطان مادام موجوداً في الواقع، فإنه متسلط على البشرية ،ولا يعقل انفكاكه عن ذلك إلا بموته .وهذا يبرهن على عدم صحة الأطروحة الرمزية .بل يمكن أنما الخلاص منه بقتله الحقيقي فقط .

النقطة الثانية : أن تطبيق العدل الكامل متوقف على قتل الشيطان ، لأنه يتوقف على شيوع الإيمان بين البشر، وهذا لا يكون في حياة إبليس، إذاً فلا بد من قتله من أجل ذلك، فيكون قتله خطوة أولى لصلاح البشرية وتطبيق العدل الكامل فيها، ومن هنا يمكننا أن نفهم من الوقت المعلوم الذي هو نهاية عمر إبليس يوم قتل المهدي (ع) إياه ،فإنه لا بد له أن يقتله من أجل فسح المجال لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة ،وإنجاح تخطيط التكامل في عصر ما بعد الظهور.

ولا ينبغي أن نتحدث عن إبليس أكثر من ذلك.

الجهة الرابعة : الحج في عصر المهدي(ع).

أنه بعد العلم أنه (ع) سوف يعيده إلى احكامه الواقعية التي كان عليها في عصر نبي الإسلام (ص) ،كما يفعل في كل مناحي الحياة ،وقد يضيف إليه أحكاماً أخرى ، في جملة ما يضيف من أحكام ...بعد هذا لا يبقى ما يمكن ذكره غير نقطتين.

النقطة الأولى: أنه (ع) – كما سمعنا في ما سبق- سيقوم بتقليص حجم المسجد الحرام وإرجاعه إلى أسسه التي كان عليها في صدر الإسلام ،وهي الأسس التي بناها إبراهيم النبي(ع) .وبذلك لاتبقى ربع المسافة التي عليها ، المسجد في عصرنا الحاضر.

وخاصة بعد التوسعات الضخمة التي أدخلت عليه أخيراً.

النقطة الثانية : إن ضيق المسجد لا يعني قلة الحجاج ، بل إن الحجاج سيتكاثرون بشكل هائل من كل العالم البشري ، حين يعم الإيمانوجه الكرة الأرضية .وسيكون حجهم مخلصاً إطاعة للوجوب أو الإستحباب الشرعيين لا للتجارة ولا للنزهة ، كما كان عليه الناس قبل الظهور.

ومن هنا توجد مشكلة مهمة ، هي ضيق المسجد بالطائفين ضيقاً شديداً ،وسيواجه المهدي (ع) هذه المشكلة بعدة أحكام تقوم بتذليلها ...أشارت الأخبار إلى اثنين منها:

الأول : جواز الطواف خلف مقام إبراهيم ، الأمر الذي كان مختلفاً فيه بين علماء المسلمين قبل الظهور، فإننا سمعنا في خبر سابق أنه يعيد مقام إبراهيم إلى موضعه الطبيعي ملتصقاً بالبيت أعني الكعبة المشرفة ، وقد دلت القرائن على صحة هذا الخبر، على ما قلنا ، ومعه يتعين أن يكون الطواف خلف المقام ،ولاتحديد له بعد ذلك إلاجدار المسجد نفسه.


صفحة (579)




الثاني : منع الطواف المستحب مع وجود كثرة الطائفين طوافاً واجباً .وهذا ما دل عليه الخبر الذي رويناه في الجهة الأولى من هذه الخاتمة "أن يسلم صاحب النافلة" يعني الطواف المستحب (لصاحب الفريضة) يعني الطواف الواجب (الحجرالأسود) يعني استلام الحجر وهو عمل مستحب (والطواف) فتعطى القدمة لصاحب الفريضة ، وبذلك يقل عدد الطائفين بالبيت إلى حد كبير.

الجهة الخامسة : ذكرت الأخبار بعض الإنجازات الأخرى للمهدي في دولته ، نذكر أهمها باختصار :

الأمر الأول : أنه يمنع المساجد المصورة ، أو بتعبير آخر : أنه يمنع تصوير المساجد وزخرفتها ، كما- يمنع – كما سمعنا أيضاً- ارتفاع بنيانها .ويهدم منها ما كان مرتفعاً ،ويهدم كل مسجد أسس على غير تقوى.

الأمر الثاني :أنه يرجم الزاني المحصن ويقتل مانع الزكاة ،وهذه احكام إسلامية نافذة المفعول منذ صدور الإسلام ، إلا أنها لن تكون مطبقة قبل عصر الظهور، فهو أول من يقوم بهما بعد عصر رسول الله (ص).

وهذه المعاصي قد تحدث في أول عصر الدولة العالمية ، قبل رسوخ الإيمان في نفوس البشر أجمعين.

الأمر الثالث: أنه يجب في العصر الحاضر أداء الأمانة إلى البر والفاجر ،من مختلف المذاهب والأديان ،ويجب ألا يحدو بالفرد إذا رأى من الآخر إنحرافاً أو كفراً أن يأكل عليه أمانته.

وأما إذا ظهرالإمام واستتبت دولته ، فإنه قد يتصرف في هذا الحكم المطلق (فيحل ويحرم) كما نطق الخبر فيمنع عن أداء الأمانة لغير المؤمن .فإنه بينما كان اداء الأمانة دالاً على عدالة الأمين واستقامته ،قبل الظهور .فإن عدم أدائها بعد الظهور ،سيكون من اهم الخطوات لمحاربة الكفر والإنحراف واجتثاثه .وليس على الأمين من ضير بعد ان أمره التشريع المهدوي بحبس الأمانة.

الأمر الرابع: أن الأخبار العديدة تصف إتساع الكوفة وعمرانها بشكل منقطع النظير، وسيصبح المتر من أراضيها غالي الثمن ومهماً جداً ،ولا غرو بعد أن تصبح هي العاصمة العالمية للدولة المهدوية.



صفحة (580)


وسيتخذ المهدي – كما يظهر من الأخبار – من مساجدها منطلقات للحكم والإرادة. فجامع الكوفة مجلس حكمه.وهو ما يقابل قصر الرئاسة أو البلاط ، بلغة العصر الحاضر ، ومسجد السهلة بيت المال ،وهو ما يقابل وزارة المالية في الدولة المعاصرة ،وأما موضع عبادته وخلواته مع الله عز وجل فهو الذكوات البيض (بين الغريين) وهو النجف الأشرف موضع قبر جده أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ،ولم يكن عصر صدور هذه الأخبار مناسباً للدول في االتفاصيل الإدارية أكثرمن ذلك.

وليس اتخاذ المهدي المساجد مركزاً للإدارة أمراً غريباً ، فإن فكرة المساجد في الإسلام أسست على ذلك ، فإن المساجد ليست ببنيانها وجمال شكلها ،فإن هذه مما عليه سيشطب عليه المهدي (ع) ...وإنما هي بما تؤديه للإسلام والمجتمع العادل من خدمات ومنافع ، وهل هناك أعظم منفعة من إدارة الدولة العالمية العادلة ، إنها دولة أرادها الله ، فينبغي أن تدار من بيوت الله.

هذا ، وقد تعرضت هذه الأخبار إلى وضع المهدي (ع) الجزية على أهل الكتاب ، وهذا ما سنسمعه تفصيلاً في الفصل الآتي بتوفيق الله عز وجل.

الخاتمة الثانية :

في المنجزات العلمية – بالمصطلح الحديث – لدولة المهدي (ع) .

وهذا مما لا يمكن فهمه بالصراحة من الأخبار ، باعتبار ضرورة موافقة ظواهر الكلام مع المجتمع الذي يصدر فيه ،وحيث لم يكن في ذلك المجتمع الأول أثر للصناعات والآلآت الحديثة ، لم يكن من الممكن أن يرد في الأخبار ذكر واضح لها ،أو أن تتوقع منها التصريح باسمها وصفتها.

وإنما كل ما يمكن تصيده من الأخبار ، بعض العبارات الرمزية المتفرقة التي ترمز إلى وجود الأجهزة الحديثة في دولة المهدي (ع) . بل هناك من الأخبار ما يدل على وجودها قبل الظهور أيضاً في عصر الظلم والإنحراف. وهذا هو الذي نعرفه الآن بالوجدان من الوضع الصناعي لعصورنا الحاضرة.

ولأجل استيعاب ما دلت عليه الأخبار في هذا الصدد ، نود ان نتحدث عن كلا العصرين : عصر ما قبل الظهور وعصر ما بعده ، ولذلك نتكلم في جهتين.



صفحة (581)


الجهة الأولى : مادلت عليه الأخبار من وجود الصناعات والأجهزة الحديثة في عصر ما قبل الظهور:
أخرج مسلم في صحيحه(1) بإسناده عن يزيد بن جابرعن رسول الله (ص) حديثاً طويلاً يذكر خلاله يأجوج ومأجوج ، فيقول :


" ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر ،وهو جبل بيت المقدس فيقولون : لقد قتلنا أهل الأرض ، هلم فلنقتل من في السماء ، فيرمون بنشابهم إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً.

وأخرج أبن ماجة(2) حديثاً طويلاً يتحدث خلاله عن يأجوج ومأجوج ويذكر أنهم يقولون:

هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ،ولننازلن أهل السماء ، حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء ، فترجع مخضبة بالدم .فيقولون :قد قتلنا أهل السماء ،أو يقولون ـ بلفظ الحاكم(3) ـ قهرنا أهل الأرض وغلبنا من السماء قوة وعلواً .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(4) بإسناده عن النزال بن سبرة قال: خطبنا على بن ابي طالب (ع) فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ،وصلى على محمد وآله ، ثم قال :

سلوني أيها الناس قبل ان تفقدوني ثلاثاً ، فقام إليه صعصعة بن صوحان ، فقال :

يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال أنه(يخوض البحار وتسير معه الشمس ، بين يديه جبل من دخان ، وخلفه جبل أبيض يرى الناس انه طعام ، يخرج في قحط شديد تحته جمار أقمر خطو حماره ميل ، تطوى له الأرض منهلاً منهلاً ... ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين ... يقول : إلي أوليائي ..أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى ... ثم يذكر دابة الأرض ، ويقول عنها : ثم ترفع الدابة رأسها فيراها ما بين الخافقين ...

الحديث .


صفحة (582)
ـــــــــــــــــ


(1) ج8 ص199. (2) السنن ص1364.

(3) المستدرك ج4 ص488.

(4) انظرإكمال الدين (نسخة مخطوطة) .



ولا ينبغي للقارىء أن ينسى فهمنا ليأجوج وماجوج والدجال ،فإنهما بوجودهما المعاصر، وجهان للحضارة المادية الحديثة ، وإما إعطاء الفهم المتكامل لدابة الأرض ، فهو ما سيأتي في الباب الأخير من هذا التاريخ.

وقد أوضحنا بجلاء خلال حديثنا عن ياجوج وماجوج ، أن المراد من السهام التي يرمونها إلى السماء الصواريخ الكونية ، وإنما كررنا الرواية لتلتحق هنا بنظائرها من هذه الناحية.

وأما الصفات المعطاة للدجال ، فهي بعد البرهنة على استحالة صدور المعجزة من المبطلين ، يتعين حملهاعلى المعاني الطبيعية المناسبة .

فهو يخوض البحار وهذا ما حدث فعلاً ، فقد خاضت المدنية الحديثة في أعماق البحار ، وسيرت البواخر على سطحه بكثرة مسرفة.

"وتسير معه الشمس" في الأغلب أن هذا تعبير عن السلاح الذي يرهب الدجال به العالم ،وهو القنبلة الذرية أو الهيدروجينية ومن حيث ان حرارتها عالية جداً كالشمس.

و"بين يديه جبل من دخان" وما أكثرالدخان في المدنية الحديثة ، في الحرب والسلم معاً ، كما هو واضح، وكله يبدو في مصلحة هذه المدنية .

و"خلفه جبل ابيض يرى الناس أنه طعام" أنه بهارج هذه المدنية وملذاتها ، يرى الناس أنها جميلة وعظيمة، وليس ورائها في الواقع إلا الإنحلال والدمار.

و" تحته حمار أقمر خطو حماره ميل" وهذا تعبير جميل عن الشعارات والمفاهيم التي استطاعت المدنية والحضارة الحديثتان ،أن تسير بهما في العالم وهي شعارات واسعة الإنتشار سريعة السير.

والدجال "تطوى له منهلاً منهلاً" وذلك عن طريق وسائل النقل الحديثة الأرضية والجوية على حد سواء، فإن طي الأرض يتضمن معنى سرعة السير، وبعد نفي احتمال المعجزة تتعين صحة هذا الفهم.

" ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين" ليس لأن صوته مرتفع إلى هذا الحد !!

بل لأنه يستعمل أجهزة الإعلام الحديثة بما فيها النجوم الإذاعية "التلستار".

وأما دابة الأرض . فهي " ترفع رأسها فيراها ما بين الخافقين" عن طريق البث التلفزيوني بطبيعة الحال .



صفحة (583)


ولا ينبغي هنا أن نغفل ما قلناه سابقاً من وجود التنبؤ في الأخبار بالنقل الجوي في عصر ما قبل الظهور ، حيث سمعنا عن كيفية تجمع أصحاب الإمام المهدي(ع) عند ظهوره ،وكان منهم من "يسير في السحاب نهاراً "، وهو تعبيرعن الطائرات ، كما سبق أن برهنا.

فهذا هو ما يحدث في عصر ما قبل الظهور ،وهو بطبيعة الحال ، سوف يبقى مستمراً إلى ما بعد الظهور ، حتى لو حدثت حرب عالمية ، كما سبق أن اوضحنا ، فإنها إنما تقضي على المراكز العسكرية والعواصم المهمة في العالم ،وأما الصناعات الحديثة وعدد من خبرائها فلا موجب لإستئصالها.

وسيكون ذلك نواة صالحة للتشجيع من قبل الدولة المهدوية، على البلوغ بالصناعات الحديثة إلى مراتب أعلى، اسمى وأدق . وجعل هذه الصناعات مواكبة مع الأهداف العليا المتبناة من قبل الدولة وقائدها.

الجهة الثانية : فيما دلت عليه الأخبار من وجود الأجهزة والصناعات الحديثة في عصر ما بعد الظهور.

روى االصافي في منتخب الأثر(1) عن أبي الربيع الشامي ، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يرون (لا يكون) بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه.

وروى الصافي أيضاً(2) والمجلسي في البحار عن ابن مسكان، قال: سمعت أبا عبدالله يقول:

إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق.


صفحة (584)
ـــــــــــــــــ


(1) ص483. (2) نفس الصفحة.

(3) ج13 ص200



وأخرج النعماني في الغيبة(1) عن إبان عن ابي عبد الله (ع) في حديث أنه قال:

ويبعث الله الريح من كل واد تقول: هذا المهدي يحكم بحكم داود ... الحديث. وقد سبق أن رويناه .

وأخرج في البحار(2) عن جابر بن أبي جعفر (ع) في حديث عن المهدي (ع) أنه قال:

إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله ، حتى ان احدهم يتكلم في بيته ، فيخاف ان يشهد عليه الجدار.

وأخرج أيضاً(3) عن أبي عبد الله(ع) أنه قال:

كأنني بالقائم على ظهر النجف ...إلى أن قال : ثم يركب فرساً له أبلق بين عينيه شمراخ ينتفض به ، لا يبقى اهل بلد إلا أتاهم نور ذلك الشمراخ حتى يكون آية له... الحديث.

وأخرج النعماني في الغيبة(4) عن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله (ع) في حديث عن القائم يقول فيه :

ويركب فرساً له أدهم أبلق بين عينيه شمراخ ، فينتفض فيه انتفاضة ،لا يبقى أهل بلد إلا وهم يرون أنه معهم في بلدهم... الحديث

وأما أخبار طي الأرض للمهدي فهي عديدة نذكر منها:

أخرج الصدوق في إكمال الدين(5) عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال : سمعت أبا جعفر بن محمد بن علي الباقر (ع) يقول: القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض .. الحديث


صفحة (585)
ـــــــــــــــــ

(1) ص169.
(2) ج13 ص200.


(3) المجلد والصفحة. (4) ص166.

(5) انظر المخطوط.


وأخرج أيضاً(1) بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (ع) :

إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، فقال : يا أبا القاسم ،ما منا إلا وهو قائم بأمر الله عز وجل وهاد إلى دين الله .ولكن القائم الذي يطهر الله عز وجلبه الأرض من أهل الكفر والجحود ، ويملؤها عدلاً وقسطاً ،هو الذي تخفى على الناس ولادته ..وهو الذي تطوى له الأرض ... الخبر.

وأخرج الطبرسي(2) بسنده إلى علي بن الحسين بن خالد ، قال: قال الرضا (ع) – في حديث طويل عن المهدي (ع) -: وهو الذي تطوى له الأرض .

إلى غير ذلك من الأخبار .

وهذه الأخبار واضحة الدلالة وبشكل متكرر، على استعمال البث التلفزيوني في الدولة المهدوية ، فالإمام المهدي نفسه يستعمله وربما يكثر من استعماله، حتى "لا يبقى أهل بلد إلا وهم يرون أنه معهم في بلدهم" وحتى " لا يكون بينهم وبين القائم بريد ".

وهي مسافة معينة من الأرض بالمسح القديم ،ومن المعلوم أو الصورة التلفزيونية أقرب إلى الناظر من هذه المسافة بكثير .غير أن عصر صدور هذه الأخبار لم يكن ليسمح بالبيان اكثر من ذلك .والحديث قد نفى أن يكون بينهم وبينه مقدار بريد ، فقد لا تتجاوز المسافة الناظر والصورة اكثر من مترين.

وعن هذا الطريق " يكلمهم فيسمعونه ، وينظرون إليه وهو في مكانه"

انظر لصراحة الخبر الصادر قبل أكثرمن ألف عام في ذلك ،إنه في الواقع لا زال في مكانه، ولكن البث التلفزيزني(الحي) يجعلهم يسمعون كلامه وينظرون إليه ،وليس في الخبر لأنهم يكلمونه لتعذر ذلك تلفزيونياً.


صفحة (586)
ـــــــــــــــــ


(1) المصدر المخطوط.
(2) أعلام الورى ص408.




وليس استعمال هذا البث مقتصر على الإمام المهدي ، بل يشمل سائر الأخوة في الإيمان حيث نجد "أن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق". فإن الصورة التلفزيونية تقوم بذلك ،من دون أن يحصل تبادل في الرؤية ،بل المراد أن البث تارة يحصل في الطرف المشرق وتارة يحصل من طرف المغرب ، وقد تقوم الدولة المهدوية بإيجاد أجهزة أخرى تجعل تبادل الرؤيا والكلام معاً ممكناً بالنسبة إلى الأفراد .بل والجماعات ايضاً .ولدينا في العصر الحاضر نموذج مصغر لذلك هو التلفون التلفزيوني ، الذي تم اكتشافه ولم يتم توزيعه في العالم على نطاق واسع إلى حد الآن.

ونجد في هذه الأخبار الإشارة إلى البث الإذاعي الصوتي أيضاً في قوله: "ويبعث الله الريح في كل واد تقول" يحتوي هذا الخبر على فلسفة البث الإذاعي أيضاً ،فإن الريح او الأثير الذي يحمل الموجات الصوتية الكهربائية ، إلى جهاز الإستقبال الراديو.

ومن الأجهزة الدقيقة التي تستعمل في دولة المهدي (ع) ، أجهزة الإستخبارات التي قد تستعمل ضد المجرمين والمنحرفين "حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف ان يشهد عليه الجدار" وهذا الخوف لا يكون منطقياً إلا مع وجود مثل هذه الأجهزة .

والمهدي (ع) سوف "يركب فرساً أدهم أبلق ، بين عينيه شمراخ". وينبغي أن نفهم من الفرس واسطة النقل أياً كانت ، وإنماعبر عنها بالفرس ، باعتبار مستوى العصر يوم صدور الخبر.

والأدهم : الأسود ..ومن الخيل والإبل: الشديد لورقة حتى يذهب البياض(1) والورقة بالضم فالسكون :سواد في غبرة(2) ،ويفهم منه قلة السواد أو أنه من الألوان الغامقة القريبة من السواد.

والأبلق : الذي فيه سواد وبياض(3): يقال : بلق بالكسر إذا كان فيه سواد وبياض ،وبلق الفرس ، ارتفع تحجيله إلى فخذيه(4) يقال :حجل وتحجل الفرس إذا كان في قوائمه تحجيل أي بياض ، فهو محجل ومحجول(5).


صفحة (587)
ـــــــــــــــــ


(1) اقرب الموارد مادة (دهم). (2) المنجد ،مادة (ورق).

(3) اقرب الموارد ،مادة (بلق ). (4) المصدر نفسه.

(5) المنجد مادة (حجل).



والشمراخ ، له عدة معان في اللغة، منها راس الجبل منها غرة الفرس ، دقت وسالت وجللت الخيشوم ولم تبلغ الجحفلة(1) . والجحفلة لذي الحافركالشفة للإنسان(2).

فإذا عرفنا ذلك ، أمكننا أن نذكر لفهم هذا الخبر اطروحتين:

الأطروحة ألاولى : وهي منطلقة من أن معنى الشمراخ : راس الجبل ، فيكون معنى الخبر :أن واسطة النقل التي يركبها المهدي ذات ارتفاع أمامي دقيق وطويل يشبه قمة الجبل ،وهذا الوصف ينطبق على الدبابة التي يكون أمامها المدفع ،وينطبق على الطائرات الحديثة التي يكون مقدمها مخروطي الشكل مدبباً .ولكن بعد العلم أن الطائرات لا تكون إلا بيضاء ، فلا ينطبق عليها اللون المذكور في الخبر،كما ان التعبير بالفرس ، يراد به واسطة النقل الأرضية لا الجوية .إذاً نعرف انطباقه على الدبابة ،وهي إحدى وسائط النقل الحربية التي تستعمل في القتال الأرضي .

ويؤيد هذه الطروحة ، قضية اللون الموصوف في الخبر ،فإن عدداً من الدول تجعل الدبابات ،وهي إحدى وسائط النقل الحربية التي تستعمل في القتال الأرضي.

ويؤيد هذه الأطروحة قضية اللون الموصوف في الخبر ، فإن عدداً من لدول تجعل الدبابات ذات لونين فاتح وغامق وعلى شكل بقع كبيرة لكل لون ، كالفرس الأبلق تماماً.

الأطروحة الثانية : وهي منطلقة من أن معنى الشمراخ غرة الفرس أي جبهته ،إذا كانت طويلة وجميلة ،فيكون معنى الخبر: إن ف يمقدمة واسطة النقل التي يركبه االمهدي شيء يمكن أن يصدق عليه مجازاً هذا الوصف، ويبدو الآن ان الزجاجة الواسعة التي تكون في مقدمة السيارة عادة هي المقصود من الخبر.فيكون المراد : أن المهدي (ع) يركب سيارة اعتيادية ذات لونين.

وحيث كان الحديث في الخبرعن الفرس ، إذاً يكون فهم الشمراخ طبقاً للأطروحة الثانية هو الأفضل.

هذا ، ولكن الخبر الآخر الذي وصف الشمراخ، ذكر ان له نوراً حتى "لا يبقى أهل بلد إلا نور ذلك الشمراخ حتى يكون آية له " أي للإمام المهدي (ع).

ولفهم هذا النور عدة اطروحات نذكر منها ثلاثاً :

الأطروحة الأولى: ان يكون النور إعجازياً ، " حتى يكون آية له" من اجل تمييز سيارة الإمام المهدي (ع) عن غيرها ،أو لأسباب أخرى.


صفحة (588)
ـــــــــــــــــ


(1) اقرب الموارد ، المادة (شمرخ).

(2) المصدر :مادة جحفل.



الأطروحة الثانية :ان يكون هذا النور معنوياً ، يعبرعن الهدى والعدل الذي يصدر عن راكب هذه السيارة ،أعني الإمام مهدي نفسه .

الأطروحة الثالثة : أن يكون هذا النور مادياً صادراً من واسطة النقل بطبيعة تكوينها ، غير أن سيارة من هذا القبيل لم تكتشف إلى حد الآن ، فلعلها تصمم في المستقبل قبل الظهور أو بعده.

وللقارىء تفضيل إحدى الأطروحات على بعض.

وأما طيّ الأرض للإمام المهدي ، فقد فهمنا منه الإنتقال الطبيعي ، بوسائط السفر السريعة التي لم تكن متوفرة في عصر صدور هذه الأخبار.

وتبقى عندئذ بعض الأسئلة التي تحتاج إلى الجواب ، نذكر أهمها :

السؤال الأول: لماذا لم نفهم من طي الأرض للإمام المهدي الأسلوب الإعجازي في الإنتقال ، كما يفهم ذلك التفكير التقليدي لدى المسلمين ،فإن هذا بالنسبة للدجال لم يكن ممكناً لعدم إمكان صدور المعجزة منه ، كما قلنا ،ولكن ممكن بالنسبة إلى المهدي (ع) فينبغي الحمل عليه.

وجواب ذلك من عدة وجوه :

الوجه الأول: أننا قلنا في التاريخ السابق(1) وفي هذا الكتاب ، أنه كلما أمكن فهم الأسلوب الطبيعي من الخبر ،كان هذا متعيناً ، ما لم تقم قرائن واضحة في تعيين الأسلوب الإعجازي وهذه الأخبار لا تحتوي على مثل هذه القرائن ، فحملها على الأسلوب الطبيعي هو الصحيح.

الوجه الثاني : قانون المعجزات الذي يقول :أنه كلما أمكن البديل الطبيعي للمعجزة لم يكن للمعجزة مجال.ومن الواضح ان السفر بوسائط النقل الحديثة ، يوصل الفرد إلى أي نقطة من العالم بأقصى سرعة ،ولا سيما في الطائرات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت أكثر من مرتين ، فلا يبقى للمعجزة مجال.

الوجه الثالث : أننا سمعنا أن الدجال تطوى له الأرض أيضاً ،والمهدي تطوى له الأرض أيضاً. فقد استعمل هذا المفهوم على نمط واحد بالنسبة إلى كلا الشخصين.فبعد البرهان على إرادة المعنى الطبيعي للسفر السريع، بالنسبة إلى الدجال ، يتعين نفس الفهم بالنسبة إلى المهدي لأن الخبر استعمل فيه نفس المفهوم بدون رتوش.


صفحة (589)
ـــــــــــــــــ


(1)انظر ص218 وغيرها.



السؤال الثاني: إن طيّ الأرض ذكر في الأخبار بصفته إحدى الصفات المهمة التي يتصف بها المهدي دون سائر البشر .فلو حملناه على معنى السفر الطبيعي السريع. لم تكن مزية للمهدي (ع) كما هو واضح .

وجواب ذلك يكون من وجوه نذكر منها وجهين:

الوجه الأول : إن استفادة هذه المزية من الأخبار لا تخلو من مناقشة ، إذ بعد اتصاف الدجال بهذه الصفة أيضاً لا تكون الصفة من خصائص الإمام المهدي (ع) كما هو واضح .وقد نسبت في بعض الأخبار إلى أصحاب الإمام المهدي (ع) عند اتجاههم إلى لقائه لأول مرة .كماسبق ، فكيف تكون من خصائصه.

الوجه الثاني : إن هذه الأخبار لا تدل على اختصاص هذه الصفة بالمهدي (ع) حتى مع التنزل – جدلاً- عن الوجه الأول .فإنها إنما دلت على ان مجموع ما ذكرت له من صفات ، لا يمكن أن يتصف بها أحد غيره .وهذا صحيح وأما كل واحدة من هذه الصفات لو لوحظت بحيالها فقد يتصف بها آخرون أيضا ، كطي الأرض نفسه إلا أن بعض الصفات التي قام البرهان على اختصاصه بها كتأسيسه للدولة العالمية العادلة ،وأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً .

السؤال الثالث: إن طي الأرض ذكر في الأخبار في سياق امور إعجازية فنفهم باعتبار وحدة السياق أنه يحدث بطريق إعجازي.

وجوابه :أننا استطعنا من خلال هذا التاريخ وهذه الموسوعة أن نفهم الأعم الأغلب من صفات الإمام المهدي وما ذكرت عنه الأخبار .بشكل طبيعي اجتماعي مرتب ، لا إعجاز فيه ولا تنافر في مدلوله، ومن هنا يمكن القول بأن طي الأرض لم يقع في الأخبار ضمن الصفات الإعجازية ، بل ضمن الصفات الطبيعية ، ومن هنا تقتضي قرينة وحدة السياق أن نفهم من طي الأرض الأسلوب الطبيعي لا الإعجازي على عكس ما توخاه السائل.

وإلى هنا يتم الحديث في الخاتمة الثانية من الفصل السابع من هذا الباب ، وبها ينتهي الفصل نفسه.


صفحة (590)




مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 08:25 PM   #29
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الفصل الثامن

موقف الإمام المهدي (ع) من أهل الكتاب
ونزول المسيح (ع) في دولته

وينبغي أن نتكلم خلاله ضمن عدة جهات :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار المتعلقة بالمسيح وأهل الكتاب .
وهي عدد ضخم في مصادر العامة ، يصعب أن نحمل فكرة تفصيلية عنها ، ومعه فسنقتصر في نقل الأخبار على أمرين :
احدهما نقتصر من مصادر العامة على خصوص ما نقلته الصحاح الستة من الأخبار دون غيرها ،وخاصة الصحيحان الرئيسان فيها .ونفتصر على المصادر القديمة المعتمدة من كتب الخاصة.
وثانيهما: أن نختصر الإشارة إلى قضايا الدجال وياجوج وماجوج من زاوية علاقتهما بالمسيح ،وقد ذكرتها الأخبار مفصلاً...بعد أن تكلمنا عن ذلك فيما سبق ،وإنما نقتصرعلى الأمور الأخرى المتعلقة به مما وردنا في الأخبار بيانه.
وبعد هذه التصفية ، سوف يبقى مقدار كاف من الأخبار ،ويكون المهم منها كما يلي :
أخرج البخاري(1) عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله(ص) :
كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.
وأخرجه مسلم(2) أيضاً .وفي حديث آخر مشابه يقول :
إذا نزل ابن مريم فيكم وأمّكم .

صفحة (591)
ـــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري : ج4 ص 205 . وانظرأيضاً الترمذي ج3 ص 344وابن ماجة ج2 ص1363
(2) صحيح مسلم :ج1 ص94 وكذا ما بعده.
وفي حديث ثالث : فأمكم منكم .
وأخرج البخاري(1) عن أبي هريرة أيضاً ، قال: قال رسول الله (ص) :
والذي نفسي بيده ، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدل، فيكسر الصليب ،ويقتل الخنزير ويضع الجزية الحرب ،ويفيض المال حتى لا يقبله أحد .حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها.
ثم يقول أبو هريرة :اقرأوا: :"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"(2)
ورواه مسلم أيضاً(3) عن ابي هريرة نحوه،إلى أن قال :
وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص فلا يسعى إليها ،ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ،وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد.
وأخرج أيضاً(4) عن جابر بن عبد الله ، قال: سمعت النبي (ص) يقول:
لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة.
قال: فينزل عيسى بن مريم (ع) ، فيقول أميرهم :تعال صلّ بنا! ‍فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله هذه الأمة .
وأخرج أيضاً(5) في حديث طويل ذكر فيه الدجال وعدداً من تفاصيله .ثم قال : ...

صفحة (592)
ـــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري :ج4 ص205. (2) النساء :159.
(3) صحيح مسلم : ج1 ص93-94. (4) المصدر ص94.
(5) المصدر ص95. (6) المصدر ج8 ص197.
فبينما هو كذلك ، إذ بعث الله المسيح بن مريم،فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .إذا طأطأ رأسه قطر ،وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ،فلا يحل لكافر يجد منه ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ،فيطلبه – يعني طلب الدجال – حتى يدركه بباب لدّ فيقتله.
ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه ، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ، فبينما هو كذلك ، إذ أوحى الله إلى عيسى :إني قد أخرجت عباداً لا يدان لأحد بقتالهم ... الحديث ،
حيث يذكر خروج يأجوج وماجوج.
وأخرج أبو داود(1) عن أبي هريرة : ان النبي (ع) قال:
ليس بيني وبينه – يعني عيسى (ع) – نبي ،وأمه نازل .فإذا رأيتموه فاعرفوه .رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل . فيقاتل الناس على الإسلام .فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ،ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ،ويهلك المسيح الدجال ، فيمكث في الأرض أربعين سنة .ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون.
ونحوه بألفاظ مقاربة في صحيح الترمذي(2) ونحوه في سنن ابن ماجة(3).
وهناك حديثان آخران تركتهما الصحاح ، يحسن إدراجهما لنصل إلى الرأي الصحيح فيهما :
أخرج السيوطي في الحاوي(4) عن ابي نعيم عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله (ص) :
لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى في آخرها والمهدي في وسطها.

صفحة (593)
ـــــــــــــــــ
(1) السنن ج2 ص432. (2) ج3 ص348.
(3) ج2 ص1357. (4) ج2 ص134.
وأخرج ابن حجر في الصواعق(1) عن ابن ماجة والحاكم أنه (ص) قال:
لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ،ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ،ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم .
فهذه بعض أخبار المصادر العامة.
وأما اهم أخبار المصادر الخاصة. فقد أخرج النعماني(2) بسنده عن جابر قال:
دخل رجل على أبي جعفر الباقر(ع) فقال له: عافاك الله اقبض مني على هذه الخمسمائة درهم .فقال له أبو جعفر(ع) :
خذها انت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام والمساكين من إخوانك من السملمين .
ثم قال: إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية... إلى أن قال: ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بانطاكية. ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور ،وبين أهل القرآن بالقرآن .... الحديث.
وفي حديث آخر(3) قال ابن سنان ، سمعت أباعبد الله (ع) يقول:
عصى موسى قضيب آس من غرس الجنة أتاه بها جبرائيل (ع) لما توجه تلقاء مدين ،وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية ، ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم (ع) إذا قام.
وأخرج الأربلي في كشف الغمة(4) عن أربعين الأصفهاني والقندوزي(5) عن كتاب الفتن لنعيم بمن حماد عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه.

صفحة (594)
ـــــــــــــــــ
(1) ص98. (2) الغيبة ص124.
(3) غيبة النعماني ص125. (4) ص264ج3.
(5) ص539.
وأخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده إلى محمد بن مسلم الثقفي ،قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: القائم منا منصور بالرعب ....إلى ان قال :وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه.
واخرج في البحار(2):عن أبي بكير، قال : سالت أبا الحسن (ع) عن قوله تعالى:
"وله اسلم من في السموات والارض طوعاً وكرهاً.قال :انزلت في القائم (ع) ،إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها فعرض (ع) ، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه ، ومن لم يسلم ضرب عنقه ، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحده الله .. الحديث .
وأخرج أيضاً(3) في حديث سبق أن رويناه عن أبي بصيرعن أبي عبد الله (ع) يقول فيه قلت:
فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال: يسالمهم ،كما سالمهم رسول الله (ص) ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون ... الحديث.
الجهة الثانية : في وحدة المهدي والمسيح .
وهو احتمال نعرضه ونناقشه قبل الدخول في تفاصيل هذه الأخبار لكي نتوفر على التفاصيل، في نتيجة هذه المناقشة:
وينطلق هذا الإحتمال من أطروحة معينة وهي : أنه بعد العلم أن المنقذ العالمي لكل البشرية واحد لايتعدد ، - تكون له الزيادة الأولى إلى الإصلاح العام بشكل لا تعود بعده البشرية إلى الظلم والضياع مرة أخرى.
إن هذا المنقذ العالمي الواحد ،هو الذي سماه الإسلام بالمهدي وسماه السابقون :
اليهود والنصارى بالمسيح ،وسماه آخرون بأسماء أخرى .ومعه يتعين أن يكون المسيح والمهدي لفظين أو صفتين لشخص واحد ،هو المنقذ العالمي الواحد الموعود.

صفحة (595)
ـــــــــــــــــ
(1) نسخة مخطوطة. (2) ج13 ص188.
(3) المصدر ص196.
وحيث كان مقابل هذه الأطروحة احتمالان رئيسيان :هما أن يكون المنقذ العالمي هو المسيح عيسى ابن مريم، او أن يكون هو المهدي الإسلامي مهما كان اسمه ، فينطلق من هذين الإحتمالين احتمالان:
الإحتمال الأول : أن يكون المنقذ العالمي هو المسيح عيسى بن مريم ،ونعبر عنه بأن المهدي هو المسيح عيسى بن مريم .
الإحتمال الثاني : ان يكون المنقذ العالمي هو المهدي الإسلامي ،ونعبر عنه أن المسيح هو المهدي الإسلامي نفسه.
ولكل من هذين الإحتمالين مثبتاته التي سنذكرها ،وأما احتمال أن يكون كلا هذين القائدين يمارسان مهمة الإنقاذ العالمي ، فهو مما تنفيه هذه الأطروحة لأنه ينافي الفكرة المؤكدة في وحدة المنقذ العالمي.

مثبتتات الإحتمال الأول:
وهو أن يكون المهدي هو المسيح عيسى بن مريم ، بمعنى أن يكون هذا النبي (ع) هو الذي يمارس الإنقاذ العالمي الموعود ،ويطبق العدل الكامل ،وقد سمي في الإسلام بالمهدي بالمعنى المتضمن لذلك المفهوم.
ولهذا الإحتمال عدة مثبتات :
المثبت الأول : أن عيسى بن مريم أو يسوع الناصري (ع) هو المسيح بقول مطلق باعتراف الإنجيل والقرآن وفي التبادر الذهني العام لكل سامع...فإذا قلنا المسيح لم نفهم غيره.
والمسيح ليس اسماً شخصياً له وإنما لقب به باعتباره المنقذ العالمي فإن لفظ المسيح مهما كان معناه اللغوي ،لا يراد به في الإصطلاح الديني إلا ذلك. ومن هنا كان يلقب به داود(1) وشاؤل أيضاً(2) تفاؤلا بان يكونوا متخذين لتلك الصفة.
وحين جاء المسيح إلى الدنيا اتخذ هذه الصفة بشكل مطلق وبلا منازع ، وهذا واضح جداً من الإنجيل والقرآن معاً. إذاً فهو المنقذ العالمي المطلق ،باعتراف الإنجيل والقرآن معاً.

صفحة (596)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر : صموئيل الثاني : 19/ 21 و23 /1 وغيرها
(2) أنظر صموئيل الأول : 24 / 6 و26 / /25 وغيرها.

المثبت الثاني : ذكرت عدداً من الأناجيل(1) بتبشير يسوع الناصري بطول عمر المسيح وبمجيئه في آخر الزمان، ووافقت على ذلك السنة الشريفة في الإسلام ،كما سمعنا من هذه الأخبار وغيرها ،حتى كاد أن يكون ذلك من واضح واضحات الديانتين المسيحية والإسلام .
وقد بشر هو بإسهاب ،كما نطقت بذلك الأناجيل، بقرب مجيء ملكوت الله الذي هو يوم العدل العالمي الموعود، وقد نفهم من ذلك أن الملكوت إنما ينزل إلى حيز التطبيق عند مجيئه في آخر الزمان ،ومعه يكون هو المطبق له.
المثبت الثالث: الخبر الذي سبق ان سمعناه أنه : لا مهدي إلا عيسى بن مريم .
فإنه متضمن لمضمون هذا الإحتمال بصراحة ،وأن المتكفل للإنقاذ العالمي الموعود ليس إلا هذا النبي (ع) ،وربما أشعرنا هذا الخبر بان النبي هو المسمى بالمهدي في اصطلاح الإسلام.
وأما شأن هذه المثبتات من الصحة فهو ما سنذكره بعد ذلك.

مثبتات الإحتمال الثاني:
هو أن يكون المهدي الإسلامي هو المسيح ،ولا يوجد إلى جنبه أو بعده أو قبله شخص آخر مستحق لهذه الصفة ، بصفتها ممثلة للإنقاذ العالمي الموعود.
وإثبات ذلك ينطلق مما قلناه من أن المراد بالمسيح بالإصطلاح الديني :هو هذا المعنى ، فبعد أن يثبت بضرورة الدين الإسلامي أن مهمة الإنقاذ العالمي موكولة إلى المهدي الإسلامي وحده ، إذاً فسوف يكون – بكل وضوح – هو المسيح الموعود.
غير أن الصحيح هو عدم صحة كلا هذين الإحتمالين ، بمعنى عدم صحة الأطروحة التي ينطلقان منها ، وهي وحدة المسيح والمهدي .بل هما شخصان منفصلان ، يظهران معاً في آخر الزمان ، أعني عند البدء بالإنقاذ العالمي الموعود ويضطلعان معاً بإنجاز هذه المهمة بقيادة المهدي الإسلامي وجهود المسيح عيسى بن مريم.
صفحة (597)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر : متى : 28 / 29 16/ 19 و24/ 2 وغيرهما.
وبهذا الفهم نستطيع أن نناقش مثبتتات كلا الإحتمالين ،ونعرف المناشىء الحقيقية لها.
فالإنقاذ العالمي مهمة مجيدة واحدة ، لا معنى لتعددها ، بعد البرهنة على عدم الحاجة إلى ذلك ، كما سوف ياتي في الباب الآتي في الكتاب الآتي ،والمنقذ العالمي واحد ،هو المهدي الإسلامي دون غيره .
وأما تسمية النبي عيسى (ع) بالمسيح بلا منازع ، فهو لا يدل على استقلاله بهذه المهمة لوجهين:
الوجه الأول: أن تسمية المسيح عيسى بن مريم (ع) بهذا اللقب ،لم يكن مستعملاً في حياته .بل كان يتخذ مدلولاً(1) عاماً،وإنما أكد على ذلك طلابه كتبة الأناجيل الأربعة ، إيحاء بأنه المنقذ المنتظر والمطبق لملكوت الله دون غيره.
وأما تلقيب القرآن الكريم به بهذا الوصف ،فهو باعتبار الشهرة الموجودة في ذلك العصر به ، نتيجة لتركيز المسيحيين على ذلك طيلة عدة قرون.
إذاً فهذه الشهرة العالمية لعيسى أو يسوع (ع) ، بهذا اللقب ، ليس له أي مدلول أكثر من إطلاقه على داود أو شاؤل الذي كان لمجرد مجاملتهما على ما يبدو ، بعد اليقين بان اياً منهما لم يكن هو المنقذ المنتظر .
الوجه الثاني : أنه يكفي – في حدود الفهم الذي عرضناه – لتلقيب عيسى (ع) بالمسيح جهوده الكبرى في بناء اليوم الموعود ،كما سنعرف .إلى حد يصدق من الناحية العلمية نسبة تطبيق العدل الكامل إليه ،وإن كان ذلك في الواقع بقيادة الإمام المهدي الإسلامي (ع) .
ولعل هذا هو الوجه الذي حدا بالقرآن الكريم إلى الإعتراف بهذه الشهرة لهذا النبي (ع) وعدم إلغائها أو تبديلها، على حين ألغاها بالنسبة إلى غيره كداود.
وبهذا يكون المثبت الأول للإحتمال الأول مندفعا.
وأما ما تسالمت عليه الديانتان من عوة المسيح في آخر الزمان، فهو لا يدل بمجرده على استقلاله بتطبيق اليوم الموعود ، بل نحتمل – على الأقل ـ أنه لمجرد المشاركة فيه، لأجل نيل المصالح التي سنعرف طرفاً منها في ما يأتي.

صفحة (598)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر يوحنا : 7/27و43
وأما تبشيره بملكوت الله ،فهو تبشير باليوم الموعود نفسه، وإنما أكد عليه المسيح عيسى بن مريم باعتباره الحلقة الأخيرة من التشريعات السابقة على وجود الأطروحة العادلة الكاملة التي ستكون مطبقة في ذلك اليوم.
وكل ما يتضمن هذا البشير والتأكيد ،هو أهمية ملكوت الله وتطبيق عدله الكامل ،ولا يعني باي حال استقلال المسيح بتطبيق العدل.
ولا تتضمن الأناجيل ولا القرآن الكريم أي إشارة إلى أن المسيح عيسى(ع) هو المطبق الكبر لذلك اليوم، وإنما نسب التطبيق إلى قائد معين أسمته الأناجيل بابن الإنسان ،وهو ليس عيسى أو يسوع على أي حال ،لأن الأناجيل تطلق على يسوع لقب ابن الله ...وابن الإنسان غير ابن الله ، فلا يكون ابن الإنسان إلا القائد الواقعي لليوم الموعود .ويوجد في كلام الأناجيل عدد من القرائن على ذلك، كما سيأتي في الكتاب الخاص بهذا الموضوع من الموسوعة.
وبهذا يكون المثبت الثاني للإحتمال الأول مندفعاً.
وأماالمثبت الثالث : وهو الخبر الوارد بهذا الصدد ،فقد ناقشه ناقلوه نقاشاً حامياً .
قال ابن حجر في الصواعق(1): قال الحاكم : أوردته تعجباً لا محتجاً به .وقال البهيقي:
تفرد به محمد بن خالد .وقد قال الحاكم :أنه مجهول .واختلف عنه في إسناده ،وصرح النسائي بأنه منكر. وجزم غيره من الحفاظ بأن الأحاديث التي قبله أي الناصة على أن المهدي من ولد فاطمة أصح إسناداً .
كما أن هذا الخبر متضمن لبعض المداليل المعلومة الكذب .وهو قوله : لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ،ولا الناس إلا شحاً .فإنه بمدلوله ينفي وجود اليوم الموعود الذي ترتفع فيه الشدائد وتقبل الدنيا بعد إدبارها، ويزول الشح من الناس ويتبدل إلى التعاطف والأخوة على كل المستويات ، ومعه، فالدليل القطعي الدال على وجود اليوم الموعود ، ينفي مدلول هذا الخبر.
وإذا وجدت في الخبر فقرة فاسدة أمكن أن تكون فقراته الأخرى فاسدة فيكون ساقطاً عن الإثبات التاريخي .
وأما ما ورد في الخبر من أن الساعة لاتقوم إلا على شرار الناس ،فهو ماورد في عدة أخبار سنسمعها ونبحثها في الباب القادم.

صفحة (599)
ـــــــــــــــــ
(1) ص98.

وأما ألإحتمال الثاني: وهو تلقيب المهدي الإسلامي بالمسيح بصفته المنقذ المنتظر، فهو أمرمعقول وصحيح غيرأنه متروك إسلامياً ،باعتبار ماسوف يقع عندئذ من الخلط بين المهدي وعيسى بن مريم.
ولكنه على كل تقدير لا يدلعلىوحدة هذين القائدين ،وإن الذي بشرت به الأناجيل والأخبار بمجيئه ليس إلا المهدي نفسه، دون عيسى بن مريم (ع)، لأن الأناجيل والأخبار لو كانا قد اقتصرا على لقب المسيح لكان هذاالحمل محتملاً،غيرأن الأمر ليس كذلك ،فإن الأناجيل بشرت بعودة يسوع على أيحال :وأماالأخبار فقد سمعنا تسميته بصراحة ، بعيسى بن مريم (ع) ، وليس مجرد كونه مسيحياً ليحتمل انطباقه على المهدي .بل هي – في الأغلب – سمته ولم تلقبه بالمسيح.
ومعه، فاحتمال وحدة المسيحوالمهدي ،وانهما مفهومان عن شخص واحد ،غيروارد في الإطلاق .بل هما شخصان يظهران معاً ويبذلان جهوداً مشتركة في إنقاذ العالم وتطبيق العدل الكامل، ويتكفل كلاهما قيادة ومهمة واحدة ،وإن كانت القيادة العليا مسندة إلى المهدي (ع) كماسنسمع.
وبعداستنتاج هذه النتيجة .يمكننا أن نمشي في الجهات الآتية،من الحديث بسهولة.
الجهة الثالثة: في المضمون العام لهذه الأخبار.
إذالاحظنا مجموع هذه الأخبار ،واعتبرناها جميعاً قابلة للإثبات التاريخي ، حصلنا على تسلسل الفكرة بالشكل التالي:
إن الدجال حين يبلغ قمة مجده وإغرائه وسيطرته على العالم ، ينزل المسيح من السماءواضعاً كفيه على أجنحة ملكين ،فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ، يبدو للرائي أنه خرج من الحمام لوقته ،لأنه إذاطأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدرت منه جمرات كاللؤلؤ على وجهه .وإن كان المفهوم من الخبر ان هذاخيال للرائي ولي سهو برطوبة حقيقية.
وتكون الوظيفة الرئيسية الأولى للمسيح هي قتل الدجال والقضاء عليه،ويكون الدجال يومئذ في دمشق فيلحقه المسيح فيدركه بباب لدد فيقتله.
صفحة (600)

وحينما يقضي على الدجال تكون مهمته الثانية تاييد المؤمنين في العالم والقضاء على الكافرين والمنحرفين.أماالمؤمنين فيواجههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة ،وأماالكافرين فيقاتلهم على الإسلام ويدق الصليب بمعنى أنه يقضي على المسيحية المعروفة المتخذة للصليب ،ويقتل الخنزير ،بمعنى أنه يحرم أكله ويأمر بالقضاء على الموجود للتدجين منه "ويضع الجزية على من بقي على دين اليهودية والنصرانية" كما فعل رسول الله (ص) معهم ، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون.
وأما المهدي (ع) فهو الشخص الرئيسي من هؤلاء المؤمنين الذين يواجههم المسيح .وحين تحين الصلاة بعد وصولهم إليه أو وصوله إليهم ، يدعوه ألإمام المهدي (ع) احتراماً له ، أن يكون هو الإمام في صلاة الجماعة، فيأبى ذلك قائلاً :لا، إن بعضكم على بعض أمراء ،تكرمة الله لهذه الأمة يعني أن الأمة الإسلامية لا بد – في الحكم الإلهي – أن يحكمها شخص منها ،وحيث أن المسيح عيسى بن مريم ليس منها ،باعتباره نبياً لدين سابق ، إذاً فلا ينبغي أن يحكم المسلمين أو أن يأمهم في الصلاة .وبعد هذا الإعتذار ، يتقدم المهدي إماماً للصلاة ،وبعد هذا الإعتذار ، يتقدم المهدي إماماً للصلاة ويصلي المسيح خلفه مأموماً .
وسيحين خلال هذه المدة ،الوقت المناسب لمنازلة الكافرين والمنحرفين ، متمثلين بيأجوج ومأجوج ، وبالرغم من أن هذه القيادة العالمية إنما هي بيد الإمام المهدي (ع) غير ان قيادة الحرب ستكون بيد المسيح (ع) ، ومن هنا نسب القضاء على يأجوج وماجوج إليه، كما نسب القضاء قتل الدجال إليه أيضاً ،مع أن هناك من الأخبار ما يدل على أن المهدي (ع) هو الذي يقتل الدجال(1) وكلا النسبتين صادقة ،باعتبار وحدة العمل والهدف.
وهذا التسلسل الفكري ،يمكننا دمجه بفهمنا العام السابق للحوادث ، وربطه بالتخطيط العام اللاحق له ،فينتج لدينا النتيجة التالية:
إن الدجال ليس شخصاً معيناً ،كما قلنا ،وإنما هو كناية عن الحضارة المادية في قمتها وأوج عزها وإغرائها. ومن الواضح أن مثل هذه الحضارة لا يمكن القضاؤ عليها بقتل شخص معين ،وإنما تحتاج إلى عمل فكري وعسكري عالمي للقضاء عليها ،وتحويل الوضع إلى الحكم العادل الصحيح.
وهذا العمل موكول أساساً إلى المهدي (ع) بصفته القائد الأعلى ليوم العدل الموعود.

صفحة (601)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر منتخب الأثر ص480 عن إكمال الدينوغيره.
ومن هنا ذكرت الأخبار بأنه يقتل الدجال .هذا لا ينافي أن شخصاً من أصحابه وتحت إمرته يشارك في هذه المهمة مشاركة رئيسية ، بحيث تصحح نسبة القتل إليه أيضاً، كما تصحح كونه مسيحياً مصلحاً للعالم.
والمستفاد عموماً من الأخبار :أن نزول عيسى (ع) ، يكون بعد ظهور المهدي ولكن قبل استتباب دولته ،يعني خلال محاربته للكافرين والمنحرفين وممارسته للفتح العالمي . وهناك(1) من الاخبار ما بدل على انه يبايعه في المسجد الحرام مع اصحابه الخاصة الاوائل غير انه غير قابل للإثبات التاريخي.
وهذا هو المراد من كون المهدي في وسط الامة وعيسى في آخرها ،لو صح الخبر ،لأنه ينزل بعد ظهور المهدي ،ويبقى بعد وفاته ، فأصبح كأنه بعد المهدي في الزمان ، فيصدق عليه مجازاً ، أنه في آخر الأمة.
والمسيح يواجه بعد نزوله يأجوج ومأجوج ، قد خرجوا من الردم ،وقد عرفنا أنهما يمثلان الحضارة المادية ذات الفرعين الأساسين في البشرية ، ويكون مسؤولاً خلال الفتح العالمي ،عن محاربتهما والقضاء عليهما، وقد سبق أن تحدثنا عن ذلك مفصلاً.
وهنا قد يبدو أن الخبر الدال على ذلك، دال أيضاً على تأخر خروج ياجوج وماجوج من الردم ،على نزول عيسى ثم على ظهور المهدي ، وهذا مخالف لفهمنا السابق ،لأن الحضارة المادية بكلا فرعيها إنما تكون قبل الظهور.
إلا أن دلالة الخبر على ذلك غير صحيحة ،لأنه دال على أن عيسى بعد أن يجتمع بالمؤمنين الصالحين ، يخبره الله تعالى بإخراج ياجوج ومأجوج "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى :إني قد أخرجت عباداً لي ،لا يدان أحد بقتالهم". إن هذا التوقيت توقيت للإخبار لا للخروج من الردم .وليس في الخبر الذي يتلقاه هذا النبي أنهم قد خرجوا لفورهم.
وهذا الإخبار لا يتضمن معناه المطابقي اللفظي بطبيعة الحال ،وإنما يتضمن الأمر بالمبادرة إلى قتالهم بعد أن التأم جمع المؤمنين مكوناً من المهدي والمسيح (ع) وأصحابهما، وقد أزفت ساعة الصفر للفتح العالمي، واقتضى التخطيط الإلهي.

صفحة (602)
ـــــــــــــــــ
(1)انظر الزام الناصب ص307


ثم يكشف المهدي عن مواريث الأنبياء بشكلها الواقعي ،كما خلفها الأنبياء أنفسهم في الأرض ،كل في منطقته. وهي تابوت آدم (ع) أي الصندوق الذي كان يحفظ فيه كتاباته الدينية وتشريعاته وعصر موسى(ع) والتوراة والزبور والإنجيل وسائر كتب الله،فيبدأ هو والمسيح (ع) بمناقشة أهل الأديان السماوية بهذه الكتب والمواريث.
فيدخلون في ألإسلام ،وأما المتبقي منهم ، فيقول الخبر أنهم يدخلون في ذمة الإسلام ويدفعون الجزية كما كان الحال في زمن رسول الله (ص) ، ريثما يتم بالتدريج دخولهم في الإسلام.
وعندئذ "تذهب الشحناء والتباغض والتحاسد" ويعم الغنى أمة محمد (ص) وهم كل البشر "وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد" عند استتباب الدولة العالمية .
فهذا هو المضمون العام لهذه الاخبار ،واما التفاصيل فسنعرفها في الجهات الاتية.
الجهة الرابعة : في الحديث عن بعض خصائص المسيح عيسى بن مريم (ع) .
ونتكلم عن ذلك في عدة نواحي:
الناحية ألاولى : حين عبرت الأخبار السابقة بنزول عيسى (ع) ،فإنما تريد نزوله من السماء بعد أن رفعه الله تعالى إليه حين أراد اليهود قتله فشبه لهم وقتلوا غيره مكانه ... وهذا انطلاق من الفهم التقليدي للمسلمين عن ذلك وقد ورد في أخبار الفريقين ما يؤيده ويدل عليه.
ونحن لا نريد الدخول في إثبات ذلك الآن ،وحسبنا أن القرآن الكريم بعد ضم بعض آياته إلى بعض غير صريح في ذلك، وإنما غاية ما ينفعنا في المقام هو ان نلتفت إلى ان مجيء المسيح مع المهدي لا يعني صحة هذا الفهم بالتعيين بل يمكن رجوعه بقدرة الله تعالى مهما كانت خاتمة حياته السابقة و كما هو واضح.
الناحية الثانية : في الحكمة من بقاء المسيح (ع) خلال هذه المدة الطويلة طبقاً للفهم التقليدي المشار إليه :
إن الحكمة من ذلك ، حسب ما تدركه عقولنا الآن ، تتمثل في عدة أمور :
الأمر الأول : اختصاص هذا النبي(ع) بمميزات شخصية أساسية من دون سائر الأنبياء ، كولادته الإعجازية بدون الأب وإحيائه للموتى ورفعه إلى السماء . كما اختص موسى بالكلام مع الله عز وجل ومحادثته مدة عشرة ايام كاملة ، واختص محمد نبي الإسلام (ص) بالقرآن الكريم معجزة الإسلام الخالدة .ولا بد لكل نبي رئيسي من خصائص تميزه على أي حال.
صفحة (603)
الامر الثاني : البرهان على صحة الغيبة بالنسبة إلى المهدي (ع) ، حيث يكون المسيح أكبر عمراً منه مهما طالت الغيبة بعدة مئات من السنين ، هي الفرق بين عصر ولادة المسيح وعصر ولادة المهدي (ع) وهي حوالي التسعمائة عام .
وحيث اعترف الفكر التقليدي الإسلامي ببقاء المسيح حياً لم يمت ،إذاً ، ففي الإمكان تماماً بقاء من هو أصغر منه عمراً و إن لم يكن هو أولى بالبقاء منه.
وهذه تماماً هي الحكمة من بقاء الخضر (ع) حياً ، كما اعترف به الفكر التقليدي الإسلامي أيضاً ووردت به الأخبار من الفريقين. وورد في الأخبار الإشارة إلى هذه الحكمة بالذات لبقائه(1). فإن عمره يزيد على عمر المسيح والمهدي معاً باعتبار أسبق ولادة منهما . فإذا كان بالإمكان بقاء الإنسان خلال هذا الدهر الطويل، فبالأولى أن يبقى شخص آخر بمقدار أقل منه .ولئن كان المسيح يعيش في السماء ،فإن الخضر يعيش على الأرض تماماً كالمهدي (ع) وهو يزيد على عمره بأكثر من ألفي عام.
الأمرالثالث: تكامل المسيح (ع) خلال هذا العصر الطويل. من التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة. وقد برهنا التاريخ السابق(2) على ثبوته للمهدي (ع) من خلال عمره الطويل على الأرض ومعاشرته للأجيال الطويلة للبشرية.
فكذلك يمكن القول بالنسبة للمسيح في عمره الطويل في السماء ، في الملكوت الأعلى ،وما يشاهده من عظمة الله وحكمته وعدله في ذلك العالم ، الأمر الذي يوجب له أكبر الكمال.
وسوف يستفيد المسيح من هذا التكامل العالي ، في تدبير المجتمع العالمي العادل ،تماماً كما يستفيد المهدي(ع) من تكامله العالي أيضاً .فانظر إلى هذه القيادة العالمية الرشيدة المكونة من هذين التكاملين العاليين.

صفحة (604)
ـــــــــــــــــ
(1) أخرج الصدوق في إكمال الدين ( نسخة مخطوطة) بسنده عن سدير الصيرفي عن أبي عبدالله الصادق (ع) في حديث طويل يقول فيه : وأما العبد الصالح أعني الخضر ،فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ولا لكتاب ينزل عليه ولا لشريعة ينسخ به الشريعة من كان قبله من الأنبياء ولا لإمامة يلزم عباده الإقتداء بها ،ولا لطاعة يفرضها له، بلى إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم في أيام غيبته ما قدر وعلم من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ،طول عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلا لعلة الإستدلال به على عمر القائم ، ليقطع بذلك حجة المعاندين ،ولئلا يكون على الناس حجة...الحديث
(2) تاريخ الغيبة الكبرى : ص 504 وما بعدها إلى عدة صفحات .
الناحية الثالثة : في الحكمة من مشاركة المسيح في الدولة العالمية العادلة ، يؤثر وجود المسيح (ع) في الدولة العالمية ،وبالتالي في التخطيط اللاحق للظهور ، في حدود ما نفهم الآن ، في عدة أمور:
الأمر الأول: إيمان اليهود والنصارى به ،وهم يمثلون ردحاً كبيراً من البشرية ،وذلك حين يثبت لهم بالحجة الواضحة أنه هو المسيح يسوع الناصري نفسه ،وأن الإنجيل والتوراة إنما هي هكذا وليست على شكلها الذي كان معهوداً ، وإن ملكوت الله الذي بشر به هو في حياته الأولى على الأرض قد تحقق فعلاً ، متمثلاً بدولة العدل العالمية.
ولن يبقى منهم شخص من ذلك الجيل المعاصر للظهور ،إلا ويؤمن به كما هو المستفاد من قوله تعالى :
" وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته "(1)
فإن الإستثناء بعد النفي يفيد العموم .
الأمر الثاني: أنه نتيجة للأمر الأول سوف يتيسر الفتح العالمي بدون قتال ، بل نتيجة للإيمان بالحق وإذعان له، وقد سبق أن تكلمنا عن ذلك مفصلاً ، وعرفنا أن الجانب الفكري في الفتح العالمي سيكون أوسع بكثير من الجانب العسكري.
الأمر الثالث: تكفل المسيح عيسى بن مريم (ع) للقيادة في جانب أو عدة جوانب من الدولة العالمية ،وتحمله مسؤوليتها ، كما لو أصبح في مركز مشابه لرئيس الوزراء في الدولة الحديثة ، أو تكفل الحكم في رقعة كبيرة من الأرض ، أو الدولة العالمية.
الناحية الرابعة : إن المسيح ابن مريم (ع) وإن كان نبياً مرسلاً وليس الإمام المهدي (ع) كذلك ، غير أن القيادة العليا تبقى موكولة إلى المهدي (ع) .
وذلك لعدة وجوه نذكر بعضها.
الوجه الأول : إن الإمام المهدي (ع) هو الوريث الشرعي للأطروحة العادلة الكاملة عن نبي الإسلام (ص)، يروي عنه وعن قادة الإسلام الأوائل تفاصيلها وحل معضلاتها، وفهم ظواهرها وخفاياها. وبالتالي فقدمرّ الإمام المهدي (ع) بجو كاف للتعرف على هذه الأمور على يد آبائه(ع) وهو مما لم يحدث أن وفق له المسيح عيسى بن مريم (ع) .

صفحة (605)
ـــــــــــــــــ
(1) 4 / 159

الوجه الثاني:القاعدة العامة التي نصت عليها الأخبار التي سمعناها ،وهي يقولها المسيح نفسه حين يعتذر عن تقدمه إمامة الجماعة بالمسلمين : إن بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله هذه الأمة.
فإنه بصفته نبياً لملة أخرى غير دين الإسلام ، يكون من الوهن في الحكمة الإلهية أم يكون حاكماً للمجتمع المسلم بما فيه من أولياء وصالحين ،وكأنه يظهر عندئذ عجز الأمة الإسلامية عن إيجاد قائد كبير منها . بل إن الحكمة والتفضيل الإلهيين اقتضى أن يكون الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية مسلماً بالأصل لا يمت إلى اي دين آخر بصلة، مضافاً إلى صفاته الأخرى .
الناحية الخامسة: دلت الروايات على ان بقاء المسيح في الأرض بعد نزوله أربعون سنة، ولعل المراد به مجرد فكرة الكثرة ، بشكل يناسب أن تكون أكثر أو أقل بمقدار ما. وحيث يكون من الراجح ، كما سوف نشير أن الإمام المهدي (ع) لن يبقى في الحياة بعد ظهوره ، إلا حوالي العشر سنوات ،إذا ً فسوف يبقى المسيح بعد المهدي(ع) حوالي ثلاثين عاماً ، وهي فترة ليست بالقصيرة بالنسبة إلى النظام المهدوي الجديد .ويؤيد ذلك قوله في رواية أخرى ،وعيسى في آخرها .فإنه لا يكون في آخرها إلا إذا كان متأخراً في البقاء في الحياة بعد الإمام المهدي (ع).
ومهما يكن من شكل الرئاسة العليا لدولة العدل العالمية بعد الإمام المهدي (ع) – وهذا ما سنذكره في الباب الآتي- ،فإن المسيح (ع) لن يتولى الرئاسة على أي حال ، بل سيكون له قسط من العمل والتوجيه ،أو يستمر بنفس صفته التي كان عليها بين يدي شخص الإمام المهدي (ع).
نعرف ذلك من القاعدة التي سمعناها : ان بعضكم على بعض أمراء .ومن الواضح أن الأولياء الموجودين بعد المهدي (ع) كلهم مسلمون بالأصل غير المسيح ، لأنه نبي لدين سابق .فيكون هؤلاء الأولياء أولى منه بتولي الرئاسة.
وإذ تنتهي حياته ويحين أجله ، تسكت الروايات عن كيفية موته وسببه.والمفروض أنه يموت كما يموت غيره من البشر ، فهو الآن يصعد بروحه وحدها إلى السماء بعد أن كان قد صُعد فيما سبق بروحه وجسمه معاً.
صفحة (606)
إن قانون: "كل نفس ذائقة الموت" يعين عليه الموت مهما طال عمره فإنه قانون عام لا يستثنى منه نبي ولا ولي. وحيث لم يكن ارتفاعه الأول موتاً حقيقياً أو كامل، كان اللازم بمقتضى هذا القانون ،أن يموت الموت الحقيقي الموعود ،ولو بعد مئات أو آلاف من عمره الطويل.
فهذا هو الحديث عن بعض النواحي المهمة من خصائص المسيح (ع) .
الجهة الخامسة : في بعض خصائص اهل الكتاب وعقيدتهم يومئذ.
ونتكلم عن ذلك في عدة نواحي:
الناحية الأولى : دلت بعض الروايات ، بما فيها بعض ما سبق :على أن المهدي (ع) يستخرج التوراة والإنجيل ،وكل الكتب والصحف المنزلة على الأنبياء من غار في أنطاكية ، فيحتج بها على اليهود والنصارى، فيدخلون في الإسلام.
إلا أن هذا التعيين للمكان لا يخلو من بعض نقاط الضغف:
النقطة الأولى: عدم كفاية هذه الروايات لإثبات هذا الأمر تاريخياً ،فإنها روايات قليلة نسبياً وضعيفة السند.
النقطة الثانية: إننا اشرنا خلال فهمنا لهذه الأخبار ، أن المهدي (ع) يستخرج كل كتاب من المكان المذخور فيه ... وذلك بعد ضم أمرين إعجازيين :
الأمر الأول : انحفاظ هذا الكتب من التلف خلال آلاف الأعوام .
الأمر الثاني: إطلاع الإمام المهدي على مكانها ، وهي موزعة في بقاع العالم .
وإنما حدثت هذه المعجزة باعتبار هداية الناس بهذه الكتب بعد الظهور ، فاصبحت مطابقة لقانون المعجزات . على أنه يمكن حمل الأمرين على الشكل الطبيعي أيضاً.
وأما اجتماع هذه الكتب كلها من غار أنطاكية وفهو مما لا مبرر له لا إعجازي ولا طبيعي ،كما هو واضح ، فيكون باطلاً.
الناحية الثانية : كيف يثبت للناس أن هذه الكتب الحقيقية ، وكيف يثبت أن هذه هو عيسى بن مريم (ع) نفسه وأن هذه هي الكتب الواقعية؟ مع أن الناس غير مشاهدين وغير معاصرين له ولا لها .وخاصة أن هناك في اليد نسخ من التوراة والإنجيل ستكون مختلفة عن تلك النسخ الأصلية .
وجواب ذلك :أن هذا الإثبات يتم بعد إقامة الحجة الكاملة من قبل المهدي (ع) على مهدويته وصدقه .بحيث يكون كل ما يخبربه مسلم الصحة عند الناس . فيعرفهم على المسيح وعلى التوراة والإنجيل. مضافاً إلى ما قد يضيفه المسيح نفسه من حجج وبينات ، فيثبت بها نفسه وصدقه ، إلى جنب عدالة القضية ككل.
صفحة (607)
وبهذا نعرف أن قضية نزول المسيح او استخراج الكتب لا يكون بمجرد حجة كافية ،لوضوح أن نزول عيسى من السماء لن يشاهده إلا القليل وربما لا يشاهده أحد.
فيحتاج هو على الأرض إلى إثبات لشخصيته. وكذلك الكتب فإن مجرد وجودها هناك لايعني صدقها ومطابقتها للواقع . ما لم يقترن كل ذلك بالحجة الكافية لإثباته.
نعم، بعد ان يثبت كل ذلك بالحجة، وقد سبق أيضاً للناس التبشير بحصول ذلك في عصر المهدي(ع) في الأخبار التي سمعناها ، يكون ذلك بطبيعة الحال ، دعماً لصدقه وعدالة قضيته.
الناحية الثالثة: أنه دلت بعض الأخبار على أن الإمام المهدي (ع) أنه قال:
لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم(1) .
كما يؤيد أيضاً بقوله تعالى:
"إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً .ومن لم يحكم بما انزل الله فأؤلئك هم الكافرون .وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الظالمون "(2)

صفحة (608)
ـــــــــــــــــ

(1)انظر ارشاد الديلمي ج 2 ص6 ط بيروت
(2) 5 / 44 _ 48

وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون .وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق.
وقال تعالى:
"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ...الآية"(1)
حيث دلت هذه النصوص على انه عند الحكم العادل ، ينبغي أن تنزل كل الكتب السماوية إلى حيز التطبيق وكل منها على من يؤمن بها. وقد وصف من يعصي حكم التوراة بالكافرين تارة وبالظالمين أخرى. ووصف من يعصي حكم الإنجيل بالفاسقين.
كل ما في الأمر ان الزمام الأعلى للحكم الإسلامي الذي أنزله الله تعالى في القرآن ، مهيمناً على الملل السابقة.
وإنما تمنى أمير المؤمنين (ع) إنجاز ذلك ،وإنما يقوم المهدي (ع) به، تطبيقاً لهذا التأكيد القرآني الذي سمعناه.
ويمكن فهم هذا التأكيد على أساس عدة أطروحات محتملة:
الأطروحة الأولى : أن يراد من تطبيق هذه الكتب تطبيق ما أمرت به من الدخول في الإسلام وبشرت به من وجود نبي الإسلام .وسيكون هذا واضحاً في النسخ التي سوف يجيء بها المهدي(ع) من هذه الكتب.
وهذا هو الفهم التقليدي لهذه الآيات القرآنية ،وهو فهم محترم لولا أنه يخالف ظاهر بعض الآيات. فإن قوله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين .إلى أن يقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الظالمون". ظاهر بأن المطلوب هو تطبيق هذه الأحكام نفسها التي عددتها الآية الكريمة .وقوله :"ولو أنهم اقاموا التوراة والإنجيل ...لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" ظاهر بأن الرفاه الإجتماعي ناتج عن إقامة الأحكام التفصيلية للكتب نفسها . وقصرها على مجرد تبشيرها بالإسلام ، خلاف الظاهر لا يصار إليه بدليل.

صفحة (609)
ـــــــــــــــــ
(1) 5 / 66
الأطروحة الثانية: أن يراد من تطبيق هذه الكتب ، تطبيق أحكامها جملة وتفصيلاً وخاصة تلك الكتب التي يخرجها المهدي (ع) ويثبت أنها هي التوراة والإنجيل الواقعية.
إلا أن هذه الأطروحة غير محتملة ،لأن في هذه الكتب ناسخ ومنسوخ وكلها منسوخة بشريعة الإسلام، فالتوراة ناسخة للشرائع السابقة عليها .والإنجيل ناسخ لأحكام التوراة والقرآن ناسخ لأحكام الإنجيل . ومعنى كونه منسوخاً أنه يجب العمل عليه في حكم الله عز وجل. بل يجب العمل فقط على الشريعة الأخيرة الناسخة لكل الشرائع السابقة والتي ليس بعدها ناسخ لها ، وهي الإسلام .ومعه لا معنى للعمل بالأحكام التفصيلية للشرائع السابقة.
وهذا النسخ لا يختلف فيه الحال بين المسلمين وبين اليهود والنصارى ، فليس من الصحيح أن أحكام التوراة مثلاً منسوخة بالنسبة إلى المسلمين ،ولكنها سارية المفعول على اليهود لأن الشرائع المتأخرة عن التوراة إن لم تكن صحيحة ، كانت تلك الأحكام منسحبة عن كل البشر، ولا معنى للتفريق.
على أن بعض هذه الكتب لا يحتوي على أحكام بالمرة أو يحتوي على شيء قليل ، لا يكفي لتطبيق العدل، كالزبور والإنجيل نفسه.
الأطروحة الثالثة : تطبيق هذه الكتب من زاوية عدد من الأحكام المهمة التي أعربت عنها، وليس المراد تطبيقها جملة وتفصيلاً.
فإن هناك من الأحكام ما كان ناشئاً من فهم معين للعدل والقانون بشكل عام ، حتى أصبح عدد من واضحاتها ضروري التطبيق في المجتمعات البشرية كلها على خط وجودها الطويل ، منذ أن استطاعت تطبيق الشرائع.
وحيث يكون فهم العدل والقانون في الشرائع السماوية عموماً واحداً ،أعني الشرائع بشكلها الواقعي ، فإنها صادرة من مصدر واحد حكيم لا نهائي في علمه وقدرته كانت الأحكام الأساسية مشتركة ما بين الشرائع، لا تختلف إلا في حدود اختلاف الحاجات التربوية التي تمر بها المجتمعات.
صفحة (610)
وإذ يكون هذا الفهم العام موجوداً أيضاً في دولة العدل العالمية، لكن بشكل معمق وموسع ، يكون من المنطقي جداً أن يكون تطبيق الأحكام الأساسية المشتركة الناشئة من ذلك الفهم مطلوباً أيضا ًفي هذه الدولة، مضافاً إلى الأحكام الأخرى المطبقة فيها.
وهذا التطبيق يكون عاماً على كل البشر وغير خاص بأهل الملل السابقة، بل تدخل هذه الأحكام في ضمن قوانين الدولة العالمية ،ويكون هو المراد من تطبيق هذه الكتب والحكم بمؤديات أحكامها ،فإن تطبيق أحكامها الأساسية والفهم العام الذي تقوم عليه ، يعتبر تطبيقاً لها ، مضافاً إلى تطبيق تبشيراتها بالإسلام ، واليوم الموعود ، يوم العدل العالمي.
وهذه الاطروحة صحيحة ، بمعنى أنها منسجمة مع سائر النصوص، ولا دليل على بطلانها ، في تعين القول بصحتها ، مع بطلان الأطروحتين السابقتين.
ولا ينافي صحة هذه الأطروحة، أن نلتزم بصحة الأطروحة الآتية لو رأينا الدليل عليها تاماً ،فإنهما أطروحتان غير متنافيين.
الأطروحة الرابعة : أن يكون المراد من تطبيق ؟ التوراة والإنجيل تطبيقهما على أهل الملل المؤمنين بهما دون غيرهم.
لكن لا بمعنى التفريق بينهم وبين غيرهم بشكل كامل ، الأمر الذي نفيناه فيما سبق ، بحيث يكون الشامل لهؤلاء خصوص أحكام هذه الكتب دون سائر قوانين شاملة للجميع ، ويختص هؤلاء بأحكام كتبهم ،ريثما يدخلون في الإسلام تدريجياً.
وفي كل مادة قانونية اختلف فيه قانون الدولة عن حكم الكتب ، كان الحاكم العادل مخيراً بين تطبيق قانونه أو قانونهم عليهم ، كما أفتى به الفقهاء المسلمون ايضاً ،واستفادوا ذلك من قوله تعالى:
" فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"(1)
يعني أحكم بينهم بحكم الإسلام أو أعرض عنهم ودعهم ليطبقوا أحكامهم الخاصة.
وهذا هو الأنسب مع نصوص الأخبار التي سمعنا بهذا الصدد ، حيث قالت : إن أحكام التوراة تطبق على أهل التوراة وأحكام الإنجيل تطبق على أهل الإنجيل.

صفحة (611)
ـــــــــــــــــ
(1) 5 /42
وعلى أي حال ، فقد تكون كلا الأطروحتين الثالثة والرابعة صادقتين ،ومعه لا تكون الأطروحة الثالثة منافية مع هذا الظهور الذي أشرنا إليه في الأخبار ،كما هو غير خفي .
هذا وسيأتي في الكتاب القادم ، ما يلقي ضوءاً إضافياً على فهم النصوص.
الناحية الرابعة: في وضع الجزية على اهل الكتاب .
صرحت عدد من الأخبار السابقة ، بأن السياسة العامة للدولة العامة للدولة العادلة مع أهل الكتاب، ما داموا لم يسلموا ،هي إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم ،كما كان عليه الحكم الإسلامي قبل الظهور وكما طبقه رسول الله (ص) ، وبقي عليه الحكم المسلم ردحاً طويلاً من الزمن .
كل ما في الأمر أن بعض الأخبار نسبت هذه السياسة إلى المسيح عيسى بن مريم (ع) وبعضها نسبته إلى المهدي (ع) وقد عرفنا أن هذا اختلاف شكلي يعود إلى عمل واحد وأهداف مشتركة يقوم بها هذان القائدان على السواء.
وهذا هو الظاهر من قوله: يضع الجزية. يعني يشرعها ويطبقها ، بعد ان كانت مرتفعة بعد انحسار الحكم الإسلامي قبل الظهور، وهذا هو المشهور في الأخبار كما سمعنا والموافق للقاعدة الإسلامية المعروفة الواضحة قبل الظهور.
غير أننا سمعنا في خبر منها تخيير المهدي (ع) لليهود والنصارى بين الأسلام والقتل ،كما يفعل بسائر المشركين والملحدين في العالم .وهو الرأي الذي مال إليه المجلسي في البحار(1) حيث نسمعه يقول :
وقوله " ويضع الجزية معناه أنه يضعها من أهل الكتاب ويحملهم على الإسلام".
وهذا أمر محتمل في التصور على أي حال ، حيث يكون ذلك من التشريعات المهدوية الجديدة التي تختلف عن الأحكام السابقة. غير أنه مما لا يمكن الإلتزام به بعد ظهور الأخبار بتشريع الجزية وهي الأكثرعدداً بشكل زائد.
وعلى أي حال ، فالقضية منحصرة بما يبقى على دين اليهودية والنصرانية وهم عدد قليل يومئذ على كل حال، بعدما عرفنا من الفرص المتزايدة والتركيز الكبيرعلى نشر الدين الإسلامي في البشر أجمعين.

صفحة (612)
ـــــــــــــــــ

(1) ج13 ص198




مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
قديم 09-21-2012, 08:40 PM   #30
خالد السعد
مشرف منتدى الشعر الشعبي
 بيانات :- خالد السعد
 تاريخ التسجيل : Oct 2011
 رقم العضويـة : 85517
المواضيع :
 الردود :  
 مجموع المشاركات : 2,111
 بمعدل : 0.72 في اليوم
 الإقامة : العراق
 معدل التقييم : 10
 
خالد السعد غير متواجد حالياً

SmS
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009478707858&fref=nf

افتراضي

الباب السادس

في انتهاء حياة الامام المهدي (ع)

وهو باب متكون من فصل واحد ،

نتكلم خلاله في عدة جهات :



الجهة الأولى: إن النتائج التي عرفناها فيما يخص المقام ، تتلخص في عدة امور:

الأمر الأول :إن مدة بقاء المهدي (ع) بعد ظهوره ، ستكون محدودة ، قد لا تزيدعلى العشر سنوات ، كما سبق أن رجحناه.

الأمر الثاني : إن المهدي (ع) سيمارس الحكم من حين سيطرته على العالم إلى وفاته ،ومن ثم يكون تحديد عمره حين الظهور ، تحديد لمدة حكمه.

الأمر الثالث: إن المهمة التي يتكفلها المهدي (ع) في دولته ،بعد التجاوز عن الأمور الإدارية ، هي وضع الأسس العامة لتربية البشرية من خلال الأطروحة العادلة الكاملة باتجاه المجتمع المعصوم .

الأمر الرابع: إن نظام المهدي (ع) سيبقى بعد وفاته ، وستستمر دولته إلى نهاية البشرية أو قريباً من النهاية وسنوضح هذه الجهة في القسم الآتي من الكتاب .

ومن هنا لن تكون الآن هذه الأمور مورداً للبحث ،وإنما نتكلم عن أسلوب وكيفية موت الإمام المهدي (ع) إذا شاء الله عز وجل أن يلحقه بالرفيق الأعلى.

الجهة الثانية : في الأخبار التي تنفع بهذا الصدد .

أخرج أبو داود (1) بسنده عن أم سلمة في حديث يقول فيه (ص)عن المهدي (ع) :

فيلبث سبع سنين ، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون .


صفحة (615)
ـــــــــــــــــ


(1) سنن أبي داود ج2 ص



وأخرج ابن طاووس في الملاحم والفتن(1) عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله (ص) :

أبشركم بالمهدي ... إلى أن قال: فيكون ذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين .ثم لا خير في العيش بعده أو قال : لا خير في الحياة بعده.

وأخرج الأربلي(2) عن أربعين الأصفهاني بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص) :

لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لطول الله تلك الليلة حتى يملك رجل من أهل بيتي ...إلى أن قال : فيملك سبعاً أو تسعاً ، لا خير في عيش الحياة بعد المهدي.

وقال في البحار(3) : على ما ورد عنهم صلوات الله عليهم فيما تقدم من .

أن الحسين بن علي (ع) هو الذي يغسل المهدي (ع) ويحكم في الدنيا ما شاء الله.

وقال في إلزام الناصب(4) ملخص الإعتقاد في الغيبة والظهور ورجعة الأئمة لبعض العلماء : ويقول فيما يقول:

فإذا تمت السبعون سنة أتى الحجة الموت فتقتله امرأة من من بني تميم اسمها سعيدة .ولها لحية كلحية رجل بجاون صخر من فوق سطح ، وهو متجاوز في الطريق .فإذا مات تولى تجهيزه الحسين (ع) ... الخ.

الجهة الثالثة : إن التبادر الأولي في الذهن الإعتيادي ،هو أن يموت المهدي (ع) حتف أنفه كما يموت سائر الناس ، غير أنه في الإمكان الإلتفات إلى عدة وجوه مقربة لإثبات قتله.


صفحة (616)
ـــــــــــــــــ


(1) ص 135. (2) ج3ص264.

(3) ج13 ص229. (4) ص190.



الوجه الأول : الخبر المرسل عن الإمام الصادق (ع):

ما منا إلا مقتول أو شهيد(1).

والمراد به أن الأئمة المعصومين (ع) لابد أن يخرجوا من الدنيا بحادث تخريبي خارجي ،ولن يموت واحد منهم حتف أنفه ، بمن فيهم الإمام المهدي نفسه بحسب الفهم الإمامي.

إلا أن هذا الخبر قاصرعن الإثبات التاريخي ، باعتباره خبراً مرسلاً لم تذكر له المصادر سنداً .

الوجه الثاني : ما أشرنا إليه في تاريخ الغيبة الصغرى(2) من الفكرة التقليدية القائلة بأن النبي (ص) والائمة(ع) قد خلقت بنينهم الجسدية قوية كاملة ، لا تكون قابلة للموت والتلف إلا بعارض خارجي ، فلو لم يحدث شيء على المعصوم، لكان قابلاً للبقاء إلى الأبد .ولكن طبقاً للقانون العام للموت الذي أعربت عنه الآية :

" كل نفس ذائقة الموت".

لا بد أن يطرأ عارض خارجي كالقتل ونحوه على كل معصوم لكي يكون هو السبب في انتهاء حياته .وهذه الفكرة تشمل الإمام المهدي (ع) بطبيعة الحال .

وقد ذكرنا في تاريخ الغيبة الصغرى(3) ما يصلح أن يكون مثبتاً لهذه الفكرة وعرفنا هناك أنها غير صالحة للإثبات .فلا يكون هذا الوجه صحيحاً.

الوجه الثالث : النص الأخير الذي نقلناه مع الروايات عن إلزام الناصب ،فإنه يصرح بأن المهدي يموت مقتولاً ويذكر طريقة موته ،وسنعرض مضمونها ونناقشه في الجهات الآتية .والمهم الآن أنها هل تصلح دليلاً على إثبات هذه الفكرة بمجردها ،وهي أن المهدي (ع) يموت مقتولاً.

والصحيح أن هذا النص غير قابل للإثبات أساساً ، لأنه ليس رواية عن أحد المعصومين بلعن بعض العلماء، وهذا العالم لم نعرف اسمه .ولو كان هذا النص إشارة إلى مضامين الروايات – كما هو المضمون – فإنه يصبح رواية مرسلة ليس لها أي سند ولا يعرف الإمام المروي عنه .على أن تلك الروايات المشار إليها لا تكون – عادة – ضعيفة السند وغريبة المضامين، بشكل تسقط معه عن الإثبات التاريخي .


صفحة (617)
ـــــــــــــــــ


(1) انظرأعلام الورى ص349 وتاريخ الغيبة الصغرى ص230.

(2) ص230. (3) آل عمران :185.

(4) ص232.

هذ، وستأتي بقية مناقشات هذا النص عند التعرض لتفاصيله.

الوجه الرابع : استبعاد أن المهدي (ع) يموت حتف أنفه ،وذكر قرائن معينة توجب الظن أو الإطمئنان بكونه غير قابل لمثل هذا الموت خلال سبع أو عشر سنين ، بل حتى خلال سبعين عاماً.

فمن ذلك قوته البدنية الموصوفة في الأخبار التي سمعناها فيما سبق ، والتي في بعضها انه لو مد يده إلى شجرة عظيمة لقلعها ،ولو صاح بالجبال لتدكدكت ،وقد وصف بدنه بالضخامة وعظامه بالخشونة ووجهه بالحمرة ،مما يدل على قوة بنيته إلى حد بعيد.

ومن ذلك غيبته المترامية في الطول ، بحسب الفهم الإمامي فإن من عاش هذه القرون ، قابل لأن يعيش ردحاً طويلاً من الزمن.

مضافاً إلى ما سبق أن قلناه من أن فترات عمر الإنسان ،كالشباب والكهولة ،تنقسم من عمره بنسب معينة ،فإن كان العمر طبيعياً كالمعهود ،كانت كل فترة خمسة عشر عاماً أو عشرين مثلاً .وإن كان اطول كانت الفترات مقسمة بنفس النسبة لكن بسنوات أكثر ، على مقدار العمر المفترض .فقد تكون فترة الشباب خمسمئة عام وهكذا.

فإذاعلمنا أن الإمام المهدي يظهر بعدأكثر من ألف عام وهو في آخرالشباب ، في عمر الأربعين ،كما سمعنا من الأخبار، إذاً فقد بقيت فترات أخرى من عمره لم يمربهابعد وهي في الكهولة والشيخوخة ،ويحتاج من خلال عمره الطويل أن يمر بنفس المقدار السابق من السنين تقريباً لكي يستوفي هاتين الفترتين.

ومنذلك ، ماعرفناه مفصلاً من الخبرة العميقة التي تكون لدى الإمام المهدي بمافيها من خبرا ت طبية تعود إلى اسلوب العناية بالجسم وإبقائه صحيحا معافىإلى أكبر حد ممكن.

إلىقرائنأخرى تدعم الظن،بأنالإمام المهدي لن يموت بهذه السرعة بدون حادث تخريبي خارجي. وهذه القرائن قائمة ، ولا نافي لها إلا أنها تعدو الظن ولا تصل إلى درجة الإثبات التاريخي بطبيعة الحال.

وإذا لم يتم شيء من هذه الوجوه ، كان احتمال موته حتف الأنف ،قابلاً للإثبات التاريخي ،لأنه القاعدة العامة في البشر حيث لا يوجد حادث خارجي.



صفحة (618)


الجهة الرابعة : ان الخبر الأخيرالدال على كيفية مقتله(ع)، يحتوي على عدة نقاط ضعف ، غير ما سبق:

النقطة الأولى: ان الأمام المهدي يقتل بحادث عمدي تخريبي ، او بمؤامرة مدبرة ضده ، وهذا بعيد جداً ، بعد أن استطاع المهدي تربية البشرية بشكل عام ،وإحراز الرأي العام لعدالة نظامه وعظمة شخصه وما له من المميزات والقدرات ،الأمر الذي يخلف أفضل الأثر في نفوس الناس وأعظم الإحترام ، مما يستبعد معه تفكير أي منهم في التآمر ضده.

وسيدرك الناس تدريجياً وبسرعة المبررات الواقعية التي قام المهدي بموجبها بحملات القتل الكثير في أول ظهوره ،وسيعرفون أنهم قد استفادوا من ذلك فائدة كبيرة ، إذ مع وجود أؤائك المنحرفين لا يمكن إقامة العدل ولا شمول السعادة والرفاه، ومعه لن يكون لتلك الحوادث انعكاس سيء في النفوس ليوجب تآمر البعض للإجهاز عليه.

ومعه يكون ما دل عليه الخبر من وجود التآمر بعيد جداً .

النقطة الثانية: يدل الخبر على أن المهدي (ع) يقتل بجاون صخر يقع عليه ، من أعلى وهو ماش في الطريق، والجاون آلة قديمة لسحق الأشياء ودقها. كالحبوب وهو عبارة عن جسم مجوف ثقيل الوزن له فتحة من أعلاه توضع فيه الحبوب ، ويلحق به جسم اسطواني ضخم للدق فيه، وهو قد يعمل من الصخر وقد يعمل من الخشب.

واستعمال مثل هذه الآلة في العصر المهدوي القائم على العمق الحضاري والعمق المدني معاً ، كما سبق أن برهنا،امر غير محتمل. كما أن وجوده على السطح في مثل هذه البيوت القديمة التي كان يوجد فيها، أمر غير محتمل لثقله وقوة الضرب فيه ، مما يوجب انهدام السطح، وإنما كان يستعمل عادة على الأرض.

وقد يخطر في الذهن: أنه في الإمكان حمل (الجاون) على بعض الآلات المتطورة كما حملنا السيف على كل آلة للقتال.

وهذا أمر محتمل ، إلا أن جو الخبر ينافيه ويدل على نفيه كما هو واضح، بخلاف مثل قولنا : إن المهدي يظهر بالسيف ، فإن معناه أنه يظهر حاملاً للسلاح ، وليس في تلك الأخبار ما يدل على نفي هذا المعنى.

النقطة الثالثة : يدل الخبر على أن المرأة التي تقتله ذات لحية كلحية الرجل وهذا المعنى له عدة محتملات كلها فاسدة ، فيكون أصل المعنى فاسداً.



صفحة (619)


الإحتمال الأول: أن يكون لهذه المرأة شعر غير قليل في مكان اللحية حرصت على تنميته وإظهاره. وهذا ما قد يحدث لبعض النساء وإن كان نادراً .غير أن اللحية عندئذ لا تكون كلحية الرجل ، بل لا تكون لحية إلا مجازاً ، لأن المناطق الخالية من الشعر كثيرة جداً، فهي أشبه بلحية الرجل الأحص او الأكوس، لا بلحية الرجل الطبيعي، مع أن ظاهر الخبر أنها كلحية الرجل الطبيعي.

الإحتمال الثاني : أن يكون لهذه المرأة لحية كلحية الرجل تماماً ،وهذا مقطوع العدم لأنه لم يحدث في التاريخ لأي أمرأة ،مما يدل على أن الجنس الناعم مناف مع وجود مثل هذه اللحية خلقياً.

ويجيب الفكر التقليدي على ذلك :أنه ما من عام إلا وقد خص ،وقدرة الله تعالى شاملة لمثل ذلك.ومن ثم توجد هذه المرأة بلحيتها لتكون هي القاتلة للإمام المهدي بعد ظهوره.

والجواب على ذلك :أنه بعد التجاوز عما قلناه من عدم قابلية الخبر للإثبات بالرغم من ان الفكر التقليدي قائم على قبوله وقبول أمثاله تعبداً .

إن هذه المرأة لو وجدت في عصر الظهور وعاشت بين الناس وأظهرت لحيتها ،والتفت الناس إلى هذه الظاهرة النادرة ، وكان مفكروهم وعلماؤهم قد قرأوا في الكتب أن مثل هذه المرأة تقتل المهدي ..إذاً فسوف تتعين هذه المرأة لقتل المهدي قبل أن تقوم به بسنين ،وسوف يقع على ذلك كلام كثير ومناقشات وسوف يسأل المهدي (ع) نفسه عنها .وسوف يكون للدولة تجاهها موقف معين لا نستطيع الآن أن نعرف كنهه ، ليس هو غض النظر عنها وإهمالها بالمرة على أي حال ، فقد لا تكون النتيجة تماماً كما يتوقع الفكر التقليدي أن يكون.

الإحتمال الثالث : أن تكون هذه المرأة طبيعية الخلق كباقي النساء ،ولكنها تضع لحية على نحو الإستعارة ،على شكل باروكة تضعها على وجهها تشبهاً بالرجل ،وهذا ألإحتمال له صورتان :

الصورة الأولى : أن يفترض أنه يوجد للنساء إتجاه عام لوضع اللحى المستعارة على الذقون ،وتكون المرأة القاتلة واحدة من هؤلاء النساء.

إلا أن وجود مثل هذا الإتجاه في دولة العدل العالمية ومن غير المحتمل أن يوجد، بعد أن انتهت قصة (تشبه النساء بالرجال) بالظهور نفسه ، وتم القضاء على جذورها بسيف المهدي .وقد كان إحدى الصفات المنحرفة لمجتمع الظلم والفساد السابق على الظهور، فكيف يحتمل وجودها مع وجود النظام العادل.


صفحة (620)




الصورة الثانية: إن هذه المرأة القاتلة تنفرد بوضع الباروكة،من دون كل النساء .

ولعل هذا أبعد الإحتمالات وأشدها فساداً، إذ يكفي في نفيه أنه بذلك تدل على نفسها وتجعل نفسها عرضة لإحتمال كونها القاتلة للإمام المهدي أو أكثر من الإحتمال. وهذه ورطة تكون هذه المرأة في غنى عنها مع إهمال استعمال الباروكة .بل لعل فرص القتل عندئذ ستكون أكثر لو كانت شريرة قاصدة على كل حال.

وإذا بطلت كل المحتملات ،كان افتراض وجود اللحية لهذه اللحية افتراض باطل، أو أنه يفتقر إلى الإثبات على أقل تقدير.

النقطة الرابعة: يدل الخبر على ان الإمام الحسين بن علي هو الذي يقوم بتجهيز الإمام المهدي ودفنه بعد موته.

وهذا افتراض يقوم على اسس تقليدية ثلاثة .

الأساس الأول: القول بالرجعة عموماً بمعنى رجوع الأئمة المعصومين السابقين مرة أخرى إلى الدنيا ليمارسوا الحكم من جديد بعد المهدي.

وهذا ما سوف نناقشه في الباب الآتي وسنرى أنه مما لا يمكن إثباته إثباتاً كافياً بالرغم من اندفاع البعض في تصحيحه والإلتزام به.

الأساس الثاني: هو تطبيق من تطبيقات الرجعة ،وهو الإلتزام بأن الذي يرجع ويمارس الحكم بعد المهدي (ع) هو الإمام الحسين (ع) بالخصوص وهذا أبعد عن إمكان الإثبات التاريخي من الأساس السابق ،ولعلنا نلم بذلك في الباب الآتي.

الأساس الثالث : أن الإمام المعصوم لا يقوم بتجهيزه بعد موته إلا الإمام المعصوم .

وهي فكرة تقليدية مرتكزة في بعض الأذهان إلى اليوم ، بالرغم من أنه لم يقم عليها دليل كاف .

وحيث أن الإمام المهدي(ع) هو آخر الأئمة المعصومين الأثني عشر، في الفهم الإمامي ، إذاً فسوف لن يوجد أمام معصوم آخر يقوم بتجهيزه ما لم نقل بالرجعة ،وأن إماماً من الأئمة السابقين يعود إلى الدنيا بهذه المهمة ومن هنا قد يجعل هذا الأساس الثالث دليلاً على الرجعة نفسها.



صفحة (621)


إلا أن الصحيح أن الأساس الأول هو الإلتزام بالرجعة على وجه الإجمال أقوى الأسس الثلاثة دليلاً ، فمن غير المحتمل أن يصلح الأساسان الآخران كدليل عليه .لكننا سنرى في أدلة الرجعة تشويشاً واضطراباً وغرابة ، تسقطها عن كفاية الإثبات التاريخي.

ولو أننا سلمنا بالأساس الثالث، فلا ضرورة إلى القول بالرجعة ، لامكان تطبيق هذه القاعدة على البديل الآخر للرجعة، وهو أن يمارس الحكم بعد المهدي (ع) أولياء صالحون غير الأئمة المعصومين السابقين ، كما سنوضحه في الباب التالي.

فمع شيء من التوسع في فهم هذا الأساس الثالث ، يكون خليفة المهدي (ع) تطبيقاً من تطبيقات هذا الأساس، لأنه معصوم بمعنى من المعاني ، على ما سنعرف ، ولأنه خير أهل الأرض بعد المهدي (ع).

فلو فرضنا قيام الدليل الكافي على هذا الأساس الثالث ، فهو لا يأبى عن هذه الصورة بكل تأكيد ، ولشرح ذلك والتوسع فيه مجال آخر.

الجهة الخامسة : - من هذا الباب - : في أمور أخرى أشارت إليها الأخبار السابقة.

الأمر الأول : أن المهدي (ع) إذا مات صلى عليه المسلمون.

وهذا أمر طبيعي بصفته إمام المسلمين ورئيسهم الأعلى، وهم يشكلون يومئذ الأكثرية الساحقة في العالم.

والذي يصلي عليه – عادة ـ هو خليفته ، أياً كان ،أعني سواء صح القول بالرجعة أو لم يصح ، فإنه – بعد المهدي - رئيس المسلمين وخير أهل الأرض.

ويبدو أن المسيح عيسى بن مريم (ع) ، لن يقوم بهذه الصلاة ، لنفس السبب الذي رفض في أول نزوله تولي إمامة الجماعة ، كما انحسرت عنه خلافة المهدي بالرغم من بقائه بعده .وهو السبب الذي أشار إليه الخبر السابق ، تكرمة الله هذه الأمة.

الأمرالثاني: قال الخبر الأخير : فإذا تمت السبعون أتى الحجة الموت. يراد بهذه السبعين أن الحجة القائم المهدي(ع) يبقى في الحكم سبعين عاماً ، ولابد أن هذا منطلق من الخبر الذي سمعناه في فصل سابق من أنه يبقى سبع سنين ، كل سنة كعشر سنين من سنيكم هذه ، إذاً، فهو يبقى سبعين سنة .وقد سبق أن فهمنا هذا الخبر وأمثاله بشكل لا نصل معه إلى هذه النتيجة ، فليراجع.

الأمر الثالث : نص أكثر من خبر واحد ، أنه لا خير في الحياة بعد المهدي أو لا خير، في العيش بعده.



صفحة (622)



وهو امر صحيح كما سنذكر ،وقد اختصت به المصادر العامة دون الإمامية ،ولكن قد يبدو للذهن منافاته مع إحدى فكرتين:

الفكرة الأولى : القول بالرجعة . فإن وجود الأئمة المعصومين (ع) بعد المهدي (ع) يعني انحفاظ التطبيق على مستواه الرفيع من دون أي خلة أو نقص ، فيكون الخير في العيش بعد المهدي موجوداً.

ولعله لهذا لم يتبين الفكر الإمامي التقليدي مثل هذه العبارة. وخاصة وهو يؤمن أن الأئمة المعصومين من نور واحد ولهم قابليات متماثلة وآراء مشتركة لا يختلف أولهم عن آخرهم . فإذا وجد الحسين (ع) بعد المهدي (ع) امكن ان ياخذ بزمام القيادة الإسلامية ، تماماً كالمهدي.

ولا يحول دون ذلك سوى احتمال واحد من احتمالين ذكرناها في التاريخ السابق(1) وهو أن يكون المهدي أفضل ممن سبقه من الأئمة (ع) أو من أكثرهم على الأقل ،وقد سمعنا هناك الأخبار الدالة على ذلك والمبررات الكافية له ، إذ يكون الفرق بين القيادتين كافياً على صدق هذه العبارة : لا خير في الحياة بعده.

الفكرة الثانية: القول بوجود المجتمع المعصوم . فإن وجوده يعني وجود الخير كله بعد المهدي لا أنه خير في الحياة بعده.

والصحيح صدق هذه العبارة حتى مع القول بوجود هذه المجتمع .إذ سيأتي في الباب التالي أن القيادة التي ستخلف المهدي هي قيادة الأولياء الصالحين وليس الأئمة المعصومين ،كما أن المجتمع المعصوم سوف لن يوجد بسرعة وبسهولة ، بل سيتأخر كثيراً بعد وفاة الإمام المهدي .

فإذا التفتنا إلى ذلك استطعنا أن نعرف أن هناك فترة من الزمن هي التي تلي وفاة الإمام المهدي (ع) يشعر فيها المجتمع العالمي بكل وضوح الفرق بين القيادتين ،وهو فرق كبير مهما أرادت القيادة الجديدة أن تبذل من الجهود ومهما استطاعت أن تنتج من النتائج .

فإن المجتمع سيرى الفرق الكبير بين القيادة المهدوية التي عاصرها وسعد تحت لوائها وشاهد مميزاتها، وبين القيادة الجديدة كل ما في الأمر أن هذه القيادة ستسطع بالتدريج البطيء وتحت القواعد المهدوية العامة لتربية البشرية ، الوصول بالبشري إلى المجتمع المعصوم .

فهذا الجيل المعاصر لقيادة الإمام المهدي ، سيقول عند وفاته بكل تأكيد : أنه لا خير في حياة بعده .


صفحة (623)
ـــــــــــــــــ


(1) ص512



القسم الثالث


العالم بعد المهدي (ع)

وهو ينقسم إلى بابين :



الباب الأول

قيادة مابعد المهدي (ع)

من حيث خصائص الدولة والمجتمع

ونتكلم عن ذلك في فصل واحد ذو عدة عناوين داخلية :


قيادة ما
بعد
المهدي


وأعني به نوعية الحاكم الأعلى الذي يتولى رئاسة الدولة العالميةالعادلة بعده.

ونوجه بهذا الصدد أطروحتين رئيسيتين:

الأطروحة الأولى : القول بالرجعة ، أي الإلتزام برجوع الأئمة المعصومين إلى الدنيا ليمارسوا الحكم بعد المهدي.

الأطروحة الثانية : حكم الأولياء الصالحين بعدالمهدي (ع) .

وقدورد في إثبات كل من الأطروحتين عدد من الأخبار، لابد من سماع المهم منها ، وعرضها على القواعد والقرائن العامة ، لنختار في النهاية إحدى الأطروحتين .

القول بالرجعة:

حين ننظر إلى المفهوم على سعته ، يحتمل أن يكون له أحد عدة معان :

المعنى الأول: ظهور المهدي نفسه ،فإنه قد يصطلح عليه بالرجعة ، باعتبار رجوعه إلى الناس بعد الغيبة ،أو باعتبار رجوع العالم إلى الحق والعدل بعد الإنحراف .

وهذاالمعنى حق صحيح ، إلاأن اصطلاح الرجعة عليه غيرصحيح ، لأنه يوهم المعاني الاخرىالآتية التي هي محل الجدل والنقاش ،ونحن في غنى عن هذا الإصطلاح بعد إمكان التعبيرعن ظهور المهدي بمختلف التعابير ،وقدمشينا في هذاالكتاب على تسميته ( بالظهور).

المعنى الثاني : رجوع بعض الأموات إلى الدنيا ، وإن لم يكونوا من الأئمة المعصومين .وخاصة من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً.



صفحة (629)


المعنى الثالث : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) كأمير المؤمنين علي والحسين ،وربما قيل برجوع النبي أيضاً .وهو يرجعون على شكل يختلف عن حال وجودهم الأول في الدنيا من حيث الترتيب ومن حيث الفترة الزمنية أيضاً .

المعنى الرابع :رجوع كل الأئمة (ع) بشكل عكسي ، ضد الترتيب الذي كانوا عليه في الدنيا ، فبعد المهدي يظهر أبوه الإمام الحسن العسكري وبعده يظهر أبوه الإمام علي الهادي وهكذا .

ويمارسون الحكم في الدنيا ما شاء الله تعالى حتى إذا وصل الحكم إلى أمير المؤمنين كان هو دابة الأرض ، وكانت نهاية البشرية بعد موته بأربعين يوماً.

والمعنيان الأخيران، قائمان على الفهم الإمامي للإسلام كما هو واضح .كما أن المعاني الثلاثة الأخيرة التي وقعت محل الجدل والنقاش في الفكر الإسلامي.

وينبغي لنا أولاً :أن نسرد الأخبار الدالة على ذلك ،ونحن نختار نماذج مهمة ولا نقصد الإستيعاب .

أخرج المجلسي في البحار(1) بالإسناد عن محمد بن مسلم قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعاً – قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث- أنهما سمعا أبا عبد الله (ع) يقول:

أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .وإن الرجعة ليست بعامة ،وهي خاصة ، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً.

وبهذا الإسناد عن بكر بن أعين ، قال: قال لي من لا أشك فيه ، يعني أبا جعفر(ع) : أن رسول الله (ص) وعلياً سيرجعان.

" ويوم نحشر من كل أمة فوجاَ" فقال : ليس أحداً من المؤمنين قتل إلا وسيرجع حتى يموت ،ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل .


صفحة (630)
ـــــــــــــــــ


(1) البحار :ج13 ص210 وكذلك الأخبار الثلاثة التي بعده.



وفي رواية أخرى عنه (ع) يقول فيها: فلم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا ردهم جميعاً إلى الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي على بن ابي طالب أمير المؤمني(ع).

وفي رواية أخرى(1) عن حمران عن أبي جعفر ، قال:

إن أول من يرجع لجاركم الحسين (ع) ، فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر.

وعن أبي بصير(2) عن أبي عبدالله (ع) ، قال:

انتهى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وهو نائم في المسجد، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه. فحركه برجله ثم قال : قم يادابة الله . فقال رجل من أصحابه : يارسول الله ، أنسمي بعضنا بعضاً بهذا الإسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ،وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه :" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ،أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(3)

ثم قال : ياعلي ، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعدائك ...إلى أن قال :فقال الرجل لأبي عبد الله (ع) : إن العامة تزعم أن قوله :" ويوم نحشر من كل أمة فوجاً "(4) عنى في القيامة، فقال أبو عبد الله(ع) فيحشر الله يوم القيامة من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا . ولكنه في الرجعة ، وأما آية القيامة "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً "(5).

وعن(6) الحسن بن الجهم ، قال: قال المأمون للرضا (ع) : يا أبا الحسن ما تقول في الرجعة ؟ فقال:

إنها الحق ، قد كانت في الأمم السالفة ونطق بها القرآن .


صفحة (631)
ـــــــــــــــــ


(1) المصدر : ص211. (2) المصدر ص213.

(3) 27/82. (4) 27/83.

(5) 18/47. (6) البحار13ص214.



وقد قال: رسول الله (ص) : يكون في هذه الأمة كل ماكان في الأمم السالفة حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة. وقال (ع) إذاخرج المهدي من ولدي ، نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه . وقال (ع) :إن الإسلام بدأغريباً وسيعود غريباً ، فطوبى للغرباء . قيل : يارسول الله . ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله.

وعن(1) عبد الله بن سنان ، قال: قال أبو عبد الله (ع) قال رسول الله (ص) :

لقد أسري بي ربي عز وجل ، فأوحى إلي من وراء حجاب ما أوحى وكلمني ما كلم به ،وكان مما كلمني به... يامحمد ، عليّ آخر من أقبض روحه من الأئمة (ع) وهو الدابة التي تكلمهم..... الخبر.

وفي البحار أيضاً(2) عن الإرشاد : روى عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) قال:

إذا آن قيام القائم مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب ، لم تر الخلائق مثله .فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم ،وكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ، ينفضون شعورهم من التراب .

وقال المجلسي بعد سرده للأخبار:

اعلم يا أخي أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت و أوضحت لك في القول بالرجعة التي اجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار .... وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم من مأتي حديث صريح ، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام ، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم ، ثم عدهم المجلسي واحداً واحداً.

وهذا الكلام من المجلسي يواجه عدة مناقشات:

المناقشة الأولى: أن إجماع الشيعة وضرورة المذاهب عندهم ، لن تثبت على الإطلاق ، بل المسألة عندهم محل الخلاف والكلام على طول الخط . والمتورعون منهم يقولون: أن الرجعة ليست من أصول الدين ولا من فروعه ولا يجب الإعتقاد بشيء بل يكفي إيكال علمها إلى أهله. فهل في هذا الكلام - وهو الأكثر شيوعاً – اعتراف بالرجعة.


صفحة (632)
ـــــــــــــــــ

(1) المصدر : ص217.
(2) المصدر : ص223.



وإنما اعتراف من اعترف بالرجعة وأخذ بها ، نتيجة لهذه الأخبار التي ادعى المجلسي تواترها ، إذاً ، فالرأي العام المتخذ حولها – ولا أقول الإجماع – ناتج من هذه الأخبار، ولا يمكن أن تزيد قيمة الفرع على الأصل.

المناقشة الثانية: أنه من الواضح أن مجرد نقل لرواية لا يعني الإلتزام بمضمونها والتصديق بصحتها ، من قبل الناقل أو الراوي .إذاً فهؤلاء الأربعون الناقلون لهذه الروايات لا يمكن أن نعدهم من المعترفين بالرجعة.

المناقشة الثالثة: أن هؤلاء الرواة الإثنين والأربعون الذين عددهم المجلسي لم يجتمعوا في جيل واحد. فلو رويت أخبار الرجعة من قبل أربعين شخصاً في كل جيل حتى يتصل بزمن المعصومين (ع) ،لكانت أخبار الرجعة متواترة .ولكن يبدو من كلام المجلسي نفسه ،وهو أوسع الناس إطلاعاً في عصره ، أن مجموع الناقلين لأخبار الرجعة من المؤلفين في كل الأجيال الإسلامية إلى حين عصره لا يعدو النيف والأربعين راوياً .فلو أخذنا المعدل وهو عملية لا مبرر لها الآن ، لرأينا أنه يعود إلى كل جيل حوالي أحد عشر مؤلفاً، لأن المجلسي عاش في القرن الحادي عشر الهجري ،وهو عدد لا يكفي للتواتر .

المناقشة الرابعة : إن عدد المؤلفات التي ذكرها المجلسي ، لا تثبت عن مؤلفيها ، أو لم تصلنا عنهم بطريق صحيح مضبوط ،أو أن روايته عن مؤلفه ضعيفة أساساً .كتفسير علي بن ابراهيم ،وكتب أخرى لا حاجة إلى تعدادها.

المناقشة الخامسة : إن الروايات التي نقلها هؤلاء ، ليست كلها صريحة وواضحة ، وسنعرف عما قليل أنها مشوشة قد لا تدل على الرجعة أصلاً وقد تدل على الرجعة بالمعنى العام المشترك بين الإحتمالات الثلاثة السابقة ،وقد تدل على واحد منها بعينه وتنفي الإحتمالات الأخرى .وهكذا.

إذاً فالتواتر المدعى ليس له مدلول معين ، ومعنى ذلك: أن الأخبار لم تتواتر على مدلول بعينه. وسنحاول إيضاح هذه النقطة أكثر.

ومعه، فكلام المجلسي يحتوي على شيء من المبالغة في الإثبات على أقل تقدير وأما مناقشات مداليل الأخبار، فنشير إلى المهم منها:

المناقشة الأولى : عدم اتحاد الأخبار بالمضمون . فإن مداليلها مختلفة اختلافاً شديداً . حتى لا يكاد يشترك خبران على مدلول واحد تقريباً .



صفحة (633)


والمداليل التي تعرب عنها الأخبار عديدة :

المدلول الأول: رجوع من محض الإيمان محضاً ورجوع من محض الكفر محضاً.

المدلول الثاني: رجوع كل مؤمن على الإطلاق .لأنه إن كان قد مات فهو يرجع ليقتل ،وإن كان قد قتل فيرجع ليموت.

المدلول الثالث : رجوع الأنبياء جميعاً.

المدلول الرابع : رجوع رسول الله (ص) .

المدلول الخامس: رجوع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

المدلول السادس : رجوع الحسين بن علي (ع).

المدلول السابع: رجوع جماعة من كل أمة.

المدلول الثامن: رجوع عدد من المؤمنين في الجملة.

المدلول التاسع : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) إجمالاً.

المدلول العاشر: رجوع الحق إلى أهله ،وهو ليس قولاً بالرجعة كما عرفنا.

وليس شيء من هذه المداليل متواتر في الأخبار بكل تأكيد .

نعم، هناك مدلول مشترك إجمالي بين الأخبار الدالة على المداليل التسعة الأولى .

وهو رجوع بعض الأموات إجمالاً إلى الدنيا قبل يوم القيامة.وهو ما تتسالم عليه كثير من الأخبار . ومن هنا يكون قابلاً للإثبات ، إلا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ، على ما سنقول.

المناقشة الثانية : إن الإلتزام بصحة المداليل التسعة جميعاً ، أي القول بصحة الرجعة على إطلاقها ،مما لا يمكن ، لضعف الأخبار الدالة على كثير منها .وأما الإلتزام بها إجمالاً ، بالمعنى الذي أشرنا إليه، فهو لا ينفع القائلين بالرجعة ، لأن القول بالرجعة من الناحية الرسمية يتضمن أحد المعاني الثلاثة التي ذكرناها في أول الفصل . وهذا المعنى الإجمالي لا يعني واحداً منها . بل ينسجم مع افتراضات أخرى كما هو واضح .

فهي لا تتعين في حدوثها بعد وفاة المهدي (ع) مباشرة ، ولا أنها على نطاق واسع.

ولا تتعين في أحد المعصومين (ع) ولا من محض الإيمان محضاً ،ولا غير ذلك.


صفحة (634)






نعم، هناك مداليل تتكرر في الأخبار ،واوضحها رجوع الإمام أمير المؤمنين (ع) بصفته دابة الأرض التي نص عليها القرآن االكريم .إن هذه المداليل لا ترد عليها هذه المناقشة ، وهي قابلة للإثبات من زاويتها.

المناقشة الثالثة : إن القول بالرجعة يتخذ سمة عقائدية ، فإنه على تقدير صحته يعتبر أحد العقائد – وإن لم يكن من أصولها ـ وليس هو من الفروع والتشريعات على أي حال .

وقد نص علماء الإسلام بأن العقائد لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحاً ومتعدداً ،ما لم يبلغ حد التواتر، وقد علمنا أن الأخبار في المداليل التسعة والمعاني الثلاثة غير متواترة ، فلا تكون الأخبار قابلة لإثبات أي منها حتى لو كان المضمون متكرراً في الأخبار ، ما لم يصل إلى حد التواتر.

وأما المضمون الإجمالي المتواتر ، فقد عرفنا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ،وسنزيد هذا إيضاحاً.

المناقشة الرابعة : إن المعنى الأخير من المعاني الأربعة التي ذكرناها أولاً ، وهو رجوع الأئمة المعصومين (ع) بشكل عكسي، لعله من أكثر أشكال الرجعة تقليدية ورسوخاً في الأذهان المعتقدة بها .وقد وجدنا أنه ليس هناك ما يدل عليها على الإطلاق ولا خبر واحد ضعيف بل ليس هناك أي خبر يدل على رجوع جميع الأئمة المعصومين على التعيين ،ولو بشكل مشوش، إلا بحسب إطلاقات أعم منها بكثير ، ككونهم ممن محض الإيمان محضاً.

بل أن هناك ما يدل على نفي هذا المعنى التقليدي ، كقوله في الخبر: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .... فإنه لو صح ذلك لكان أول من يرجع هو الإمام الحسن العسكري (ع) وليس الحسين (ع).

وأما دلالة القرآن الكريم على الرجعة : فإما أن نفهمه على ضوء الأخبار المفسرة له ، وإما أن نفهمه مستقلاً.

أما فهمه على ضوء الأخبار ،وهو باستقلاله غير ظاهر بذلك المعنى ، فهذا لا يعدو قيمة الخبر الدال على هذا الفهم ،ويواجه نفس الإشكالات التي واجهناها في الأخبار .ومن ثم يكون من اللازم الإستقلال في فهم الآيات.

وإذا نظرنا إلى الآيات المذكورة للرجعة ،وجدنا لكل منها معنى مستقلاً لا يمت إلى الرجعة بصلة ، حتى بذلك المعنى الإجمالي العام، أي أنها لا تدل على إحياء بعض الموتى قبل يوم القيامة ،ولا أقل من احتمال ذلك المسقط لها عن الإستدلال عن الرجعة.



صفحة (635)


وقد استدل البعض بأكثر من ثلاثين آية في هذا الصدد ،وهو تطرف ومبالغة في الإستدلال بكل تأكيد ،وإنما نود أن نشيرهنا إلى ثلاث لآيات فقط تعتبر هي الأهم بهذا الصدد ، لنرى مقدار دلالتها على الرجعة:

الآية الأولى : قوله تعالى: " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ، فاعترفنا بذنوبنا ، فهل إلى خروج من سبيل "(1).

وطريقة فهم الرجعة منها :أن الآية تشير إلى حياتين وموتين للناس .ونحن لا نعرف إلا حياة واحداً وموتاً واحد، فأين الثاني منهما؟ وجوابه :إن ذلك إنما يكون في الرجعة فإنها تتضمن حياة ثانية وموتاً بعدها ، فإذا أضفناها إلى الحياة المعاصرة والموت الذي يليها ، كان المجموع اثنين اثنين.

غير ان هذا الفهم إنما يكون صحيحاً بأحد أسلوبين:

الأسلوب الأول: أن تصح الأخبار الدالة عليه .وقد عرفنا مناقاشاتها.

الأسلوب الثاني : أن يكون فهماً منحصراً ، بحيث لا يوجد مثله أو أظهر منه في سياق الآية، فإن وجد ذلك ، لم يكن الإعتماد على هذا الفهم.

وهذه الآية تتضمن معاني محتملة غير الرجعة.

المعنى الأول: أن يكون الموت يشير إلى ما قبل الميلاد ، حال وجود النطفة مثلاً.

وأن تكون الحياة الثانية هي الحياة في يوم القيامة.فإذا أضفناها إلى الحياة والموت المعهودين كانا كما قالت الآية الكريمة.

المعنى الثاني: أن يكون المشار إليه. هو حياة وموت آخر يكون في عالم البرزخ أي ان الميت يحيى بعد موته إلى عهد قريب من يوم القامة. ثم يموت بنفخة الصور الأولى حين يصعق من في السموات والأرض، وأما الأحياء ليوم القيامة فهو زمن التكلم وكأنه غير داخل في الحساب .


صفحة (636)
ـــــــــــــــــ


(1) 40/11


إلى معاني أخرى محتملة ، ولعل أكثرها ظهوراً هو المعنى الأول ، دون معنى الرجعة والمعاني الأخرى .فلا تكون الآية دالة على الرجعة بحال.

ولعل أوضح ما يقرب المعنى الأول الرجعة ، هو أن المعنى الأول عام لكل الناس ، والرجعة خاصة ببعضهم، وظهور الاية هو العموم.

الآية الثانية : قوله تعالى : "ويوم نحشر من كل امة فوجاً"(1).

وقد أشار أحد الأخبار التي سمعناها إلى طريقة فهم الرجعة من هذه الآية .أن الله تعالى يحشر في يوم القيامة الناس جميعاً ، لا أنه يحشر بعضاً ويدع بعضاً : وهو المشار إليه في قوله تعالى " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً"، إذاً فهي لا تشير إلى حشر يوم القيامة،وإنما تشير إلى حشر آخر هو الحشر في الرجعة. وإنما سمي حشراً باعتبار أنه يتضمن الحياة بعد الموت لجماعات كثيرة ، مشابهاً من هذه الجهة لحشر يوم القيامة .

ونحن إذا نظرنا إلى الآية الكريمة باستقلالها ، لن نجدها دالة على الرجعة بحال ولا اقل من احتمال معنى آخر بديل لمعنى الرجعة ، لا تكون الآية دالة عليه أقل من دلالتها على معنى الرجعة.

وهذا المعنى هو الحشر التدريجي .فإن الحشر والحساب في يوم القيامة له أحد أسلوبين محتملين:

الأسلوب الأول: الحشر الدفعي او المجموعي. بمعنى أن يحشر الناس كلهم من أول البشرية إلى آخرها سوية، ويحاسبون على أعمالهم.

وهذا هو المركوز في الأذهان عادة ، غير أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ، وترد عليه بعض المناقشات لسنا الآن في صددها.

الأسلوب الثاني : الحشر التدريجي ، جيلاً بعد جيل أو ديناً بعد، أو مجموعة بعدد معين بعد مجموعة وهكذا. وحتى يتم حساب الدفعة الأولى تحشر الدفعة الثانية وهكذا.


صفحة (637)
ـــــــــــــــــ


(1) 27 /83



فقد تكون الآية التي نحن بصددها دالة على هذا الأسلوب من الحشر. حيث يقول :" ويوم نحشر من كل أمة فوجاً " . لأن حشر الجيل الواحد يتضمن أن يعود إلى الحياة جماعة من كل مذهب ودين :" من كل أمة" كما كان عليه الحال في الدنيا .وهو لا يريد إهمال الآخرين ، بل هو يشير إلى دفعة واحدة من الحشر التدريجي ،وأما الدفعات الأخرى فيأتي دورها تباعاً .ولن تكون مهملة بدليل قوله تعالى :"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " أي أن الحشر التدريجي سيستوعب في النتيجة كل البشرية من أولها إلى آخرها .
إذا ، فكلتا الآيتين تشير إلى يوم القيامة ،ولا تمت إلى الرجعة بصلة ،ولا أقل من احتمال ذلك بحيث تكون دلالتها على الرجعة غير ظاهرة.
الآية الثالثة :
" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(1)
وطريقة دلالتها على الرجعة بأحد أسلوبين :
الأسلوب الأول : أن حادثة خروج دابة الأرض تكون عند الرجعة ، فهي تخرج مع الراجعين لتقوم بوظيفتها بينهم .
إلا أن هذا الأسلوب غير صحيح بكل وضوح ، لأن الآية لا تشير إلا إلى خروج دابة الأرض ، وأما أنها تخرج في جيل طبيعي في جيل الرجعة ، فهذا ما لا تشير إليه الآية إليه بحال.
الأسلوب الثاني : أنها تشير إلى رجعة دابة الأرض نفسها أعني حياتها بعد الموت ، فهي تشير إلى رجعة شخص واحد لا أكثر. وإذا أمكن ذلك في شخص أمكن في عديدين .
وهذا يتوقف على أن نفهم من"دابة الأرض" أنه إنسان سبق له أن عاش في هذه الحياة .وفي الآية قرينة على بشرية هذه الدابة وهي قوله : "تكلمهم" فإن الكلام يكون من البشر دون غيره .ويتوقف على أن نفهم من قوله "أخرجنا " معنى ؛ : أرجعنا إلى الحياة بعد الموت ، لا أن هذا الإنسان يولد في حينه .


صفحة (638)
ـــــــــــــــــ


(1) 27 / 82



وقد يجعل قوله تعالى : " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" ، دليلاً على ذلك ، لأن الآية إنما تكون بالرجوع بعد الموت ،وأما لو كان يولد في زمانه ، لما حدثت الآية ،وقد قامت الأخبار التي سمعنا طرفاً منها ، بتعيين هذا الإنسان بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

والإنصاف أن فكرة الأسلوب الثاني هي المستفادة من الآية الكريمة . فدابة الأرض هو إنسان بعينه ، وقوله أخرجنا دال على الإيجاد غير الطبيعي لا على مجرد الولادة . إذاً، فالآية الكريمة دالة على رجعة هذا الإنسان.

غير أنها لا تدل على أي معنى آخر للرجعة ، لا العام ولا الخاص ،ومن المحتمل بل المؤكد أن هناك مصلحة في حكمة الله تعالى لرجوع دابة الأرض ، لا تتوفر في أي بشري آخر ،ومعه لا يمكن القول بالتعميم منه إلى رجعة أي شخص آخر. ومجرد الإمكان في قدرة الله عز وجل ، وهو مما لا شك فيه ، لا يدل على الوقوع الفعلي.

وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة ،استطعنا أن نستنتج نتيجة أخرى مهمة ، هي التوحيد بين مدلول القرآن ومدلول الأخبار .فإنناعرفنا أن الأخبار لا يمكنها أن تثبت إلا المعنى الإجمالي الذي تواترت الأخبار عليه ،وهو رجوع بعض الأموات إلى الحياة قبل يوم القيامة، بشكل يناسب أن يكون هذا الراجع واحداً لا أكثر .وهذا صالح للإنطباق على ما دل عليه القرآن الكريم من رجعة دابة الأرض .فإن هذا المعنى الإجمالي لم يثبت انطباقه بدليل كاف إلا على دابة الأرض فيتعين فيه ، بعد ضم الدليلين إلى بعضهما.

ومعه في الإمكان القول: إن المقدار الثابت في السنة الشريفة ، ليس أكثر مما دل عليه القرآن الكريم .كما أن ما دل عليه القرآن الكريم هو بعينه ما ثبت في السنة.

ومعه ، فلم يثبت أي معنى من معاني الرجعة ولا احتمالاتها السابقة ،وإنما لا بدلنا كمسلمين ،أن نتعبد بخروج دابة الأرض التي نطق بها القرآن الكريم .وفي الإمكان أن نسمي ذلك بالرجعة إلا أنه على خلاف اصطلاحهم.

فهذا هو نبذة الكلام حول الرجعة.

حكم الأولياء الصالحين:

أخرج الشيخ في الغيبة(1) بسنده عن ابي حمزة عن أبي عبد الله (ع) – في حديث طويل- أنه قال :

يا أبا حمزة ، إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً.


صفحة (639)
ـــــــــــــــــ


(1) ص285



وأخرج أيضاً(1) بإسناده إلى جابر الجعفي ، قال:

سمعت أبا جعفر(ع) يقول: والله ليملكن منا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة .قلت: متى يكون ذلك؟ قال: بعد القائم . قلت:وكم يبقى القائم في عالمه .قال:تسع عشر سنة .ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين(ع) ودماء أصحابه ، فيقتل ويسبي ، حتى يخرج السفاح.

وأخرجه النعماني في الغيبة(2) إلى قوله:

تسع عشر سنة ،إلا أنه قال : ثلاثمئة سنة ويزداد تسعاً.

وأخرج في البحار(3) نقلاً عن غيبة الشيخ عن أبي عبد الله الصادق (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع) ، قال:

قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته ، لعلي : يا أبا الحسن ، أحضر صحيفة ودواة .فأملى رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى (إلى) هذا الموضع .فقال : يا علي: ،إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثني عشر مهدياً .فأنت يا علي أول الإثنا عشر إمام ... وساق الحديث ، إلى أن قال : وليسلمها الحسن (يعني الإمام العسكري (ع) إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم. فذلك اثني عشر إماماً. ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً. فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين (المقربين: نسخة الغيبة). له ثلاثة أسامي:اسم كإسمي واسم أبي، وهو عبد الله ،وأحمد، والإسم الثالث: المهدي . وهو أول المؤمنين .

وفي عدد من الأدعية الواردة في المصادر الإمامية الدعاء لهؤلاء الأولياء الصالحين (ع) بعد الدعاء للمهدي (ع) والسلام عليه .


صفحة (640)
ـــــــــــــــــ


(1) ص286. (2) ص181.

(3) ج13 ص237 وانظر غيبة الشيخ.


وفي بعض الأدعية المكرسة للدعاء للمهدي (ع) والثناء عايه ، يقول في آخره :

اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده وزدفي آجالهم ،وأعز نصرهم وتمم لهم ما اسندت إليهم من أمرك وثبت دعائمهم ، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً ...الخ الدعاء(1) .

وفي دعاء آخر يذكر فيه المهدي (ع) ويثني عليه طويلاً، ويقال في آخره:

اللهم صل على وليك وولاة عهدك والأئمة من ولده ومد في اعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم اقصى آمالهم ديناً ودنيا وآخرة .إنك على كل شيء قدير(2) .

إلى غير ذلك من الادعية.

هذا، وقد حاول المجلسي في البحار(3) أن يرفع التنافي بين هذه الأخبار من حيث كونها دالة على إيكال الرئاسة العليا بعد المهدي (ع) إلى غير الأئمة المعصومين عليهم السلام ،وبين القول بالرجعة الذي يقول: بإيكال الرئاسة إلى الأئمة المعصومين أنفسهم .حيث قال: هذه الأخبار مخافة للمشهور – يعني القول بالرجعة. وطريق التأويل أحد وجهين:

الأول:أن يكون المراد بالإثني عشر مهدياً: النبي وسائر الأئمة سوى القائم (ع)، بأن يكون ملكهم بعد القائم....

والثاني : أن يكون هؤلاء المهدويون من أحباء القائم هادين للخلق في زمن سائر الأئمة الذين رجعوا ، لئلا يخلو الزمان من حجة . وإن كان أوصياء الأنبياء الأئمة حججاً أيضاً .والله تعالى أعلم.

وقال الطبرسي في أعلام الورى(4):وجاءت الرواية الصحيحة بأنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد ، إلا ما روي من قيام ولده إن شاء الله ذلك ،ولم ترد في الرواية على القطع والثبات .وأكثر الروايات أنه لن يمضي – يعني المهدي القائم (ع) – من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ، يكون فيها الهرج.


صفحة (641)
ـــــــــــــــــ


(1) مفاتيح الجنان المعرب ص542. (2) المصدر ص53.

(3) ج13 ص237. (4) ص435.



هذا ما قالته المصادر الإمامية ،ولم نجد لدولة ما بعد المهدي في المصادر العامة أي أثر.

ونود أن نعلق أولاً على كلام المجلسي : انه يعترف سلفاً أن كلا الوجهين نحو من أنحاء التأويل ،والتأويل دائماً خلاف الظاهر ، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة ،ولا يكفي مجرد الإمكان أو الإحتمال لإثباته.

وعلى أي حال ، فالوجه الأول حاول فيه المجلسي على ان يقول أن الأولياء الإثني عشر بعد المهدي (ع) هم الأئمة المعصومون الإثنا عشر أنفسهم، فترتفع المعارضة بين روايات الأولياء وروايات الرجعة .ويكون المراد منهما معاً الأئمة المعصومين أنفسهم.

إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة من وجوه نذكر منها اثنين:

الوجه الأول : إن عدداً من روايات الأولياء التي سمعناها، تنص على أن الأولياء الإثني عشر من ولد الإمام المهدي(ع) .قال في أحد الأخبار :" ثم يكون من بعده اثني عشر مهدياً ، فإذا حضرته الوفاة – يعني المهدي – فليسلمها إلى ابنه أول المهديين".

وقال في الدعاء "والأئمة من ولده" .مع أن الأئمة المعصومين السابقين هم آباء الإمام المهدي (ع) بكل وضوح .

الوجه الثاني: إننا لم نجد – كماعرفنا ـ دليلاً كافياً على عودة الأئمة الإثنا عشر كلهم ، لا بشكل عكسي ولا بشكل مشوش ،وإنما نص فقط – بعد النبي (ص) – على امير المؤمنين (ع) وابنه الحسين (ع) .

وإذا لم يثبت رجوع الأئمة الإثنا عشر جميعاً كيف يمكن حمل هذه الأخبار عليه.

وأما الوجه الثاني: االذي ذكره المجلسي ، فيتلخص في الإعتراف بوجود الأئمة المعصومين (ع) والأولياء الصالحين في مجتمع ما بعد المهدي (ع) متعاصرين. ولكن الحكم العام سيكون للمعصومين (ع) .وأما الأولياء فسيكونون هداة عاملين في العالم من الدرجة الثانية .وبذلك يرتفع التعارض بين الروايات.

وأوضح ما يرد على هذا الوجه هو أن روايات الأولياء ، صريحة بمباشرتهم للحكم على اعلى مستوى، بحيث يكون التنازل عن هذه الدلالة تأويلاً باطلاً .كقوله :"ليملكن من أهل البيت رجل" وقوله :" فإذا حضرته الوفاة فليسلمها – يعني الإمامة، أو الخلافة – إلى ابنه أول المهديين" قوله : "اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده "ونحوه في الدعاء الآخر.



صفحة (642)


ويحتوي كلام المجلسي في الوجه الثاني على استدلال ضمني على الرجعة مع جوابه.

وملخص الإستدلال :أنه ثبت في الفكر الإسلامي أن الأرض لا تخلو من حجة باستمرار ما دام للبشرية وجود، حتى لو كان اثنان كان أحدهما الحجة على صاحبه.ولكن الأرض بعد الإمام المهدي(ع) ستخلو من الحجة.ما لا نقل بالرجعة ، ليرجع الأئمة المعصومون (ع) ليكونوا هم الحجج بعده، تطبيقاً لهذه القاعدة .
إلا أنه من حسن الحظ أن يكون المجلسي نفسه قد أجاب على ذلك.


وملخص الجواب: إننا لا نحتاج إلى القول بالرجعة كتطبيق لتلك القاعدة بل إن حكم الأولياء الصالحين تطبيق لها أيضاً، قال المجلسي لأن" أوصياء الأنبياء و(أوصياء) الأئمة حجج أيضاً" فالأرض تكون مشغولة بصفتهم أوصياء للأئمة (ع) ، فلا تكون خالية من الحجة.

ومعه لا تكون هذه القاعدة مثبتة للرجعة،ولا منافية مع حكم الأولياء الصالحين.

وأما تعليقنا على كلام الطبرسي ،فهو أن ما ذكره من أن ما روي من قيام ولد المهدي (ع) بعده، لم يرد على القطع واليقين ، أمر صحيح لأن الروايات الدالة على حكم الأولياء الصالحين متواترة ،ولكننا سنرى أنها صالحة للإثبات التاريخي ، وهذا يكفينا في المقام.

وأما ما ذكر من أنه ليست بعد دولة القائم دولة لأحد ، فهو أمر صحيح لأنه إن أريد بدولة القائم نظام حكمه، فهو نظام مستمر إلى نهاية البشرية تقريباً أو تحقيقاً على ما سنسمع ، وليس وراءه حكم آخر .وإن أريد به حكمه ما دام في الحياة ،بحيث تنتهي البشرية بعده مباشرة ، فهو أمر غير محتمل لأنه امر تدل كثير من الروايات على نفيه، كروايات الرجعة وروايات الأولياء وروايات أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق وغير ذلك ، بل تدل على ذلك بعض آيات القرآن كآية دابة الأرض بعد العلم بعدم خروجها في زمن المهدي (ع) نفسه.

إذاً ، فالبشرية ، ستبقى بعد المهدي (ع) والنظام سوف يستمر ، وإنما يراد من ذلك القول: أنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد من المنحرفين والكافرين على الشكل الذي كان قبل ظهوره.


صفحة (643)




وأما قوله : وأكثر الروايات أنه لن يمضي من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ... فهذه الروايات سنسمعها، ومؤداها أن الحجة سيرفع – أي يموت – قبل القيامة بأربعين يوم، وسنرى أنه ليس المراد بالحجة شخص الإمام المهدي بل شخص آخر، قد يوجد بعد زمان المهدي (ع) بدهر طويل .

وبعد هذه المناقشات ،وقبل إعطائهم الفهم الكامل لحكم الأولياء الصالحين، لا بد لنا أن نجيب على هذا السؤال الذي يخطر في ذهن القارىء :وهو أننا كيف استطعنا أن نعتبر روايات كافية للإثبات التاريخي ، على حين لم نعتبر روايات الرجعة كافية للإثبات ،مع أنها أكثرعدداً وأغزر مادة وأوضح في أذهان العديدين .

وأما من زاوية كفاية روايات الأولياء للإثبات التاريخي ، فهو واضح طبقاً لمنهجنا في هذا التاريخ أنها متكاثرة ومتعاضدة ،وذات مدلول متشابه إلى حد بعيد.

وأما من زاوية معارضتها لأخبار الرجعة ، فهو واضح بعد فشل الوجهين اللذين ذكرهما المجلسي للجمع بين الأخبار، إذ يدور الأمر عندئذ بين أن يكون الحكم بعد المهدي (ع) موكولاً إلى المعصومين (ع) أو إلى الأولياء الصالحين.

ونحن حين نجد أن أخبار الرجعة غير قابلة للإثبات، كما عرفنا، ونجد أن أخبار الأولياء قابلة للإثبات. كما سمعنا ، لا محيص لنا على الأخذ بمدلول أخبار الأولياء بطبيعة الحال.

وبالرغم من أن مجرد ذلك كاف في السير البرهاني ،إلا أننا أن نوضح ذلك بشكل أكثر تفصيلاً.

إن نقطة القوة الرئيسية في أخبار الأولياء المفقودة في أخبار الرجعة ، هي أن أخبار الأولياء ،ذات مضمون مشترك تتسالم عليه، بخلاف أخبار الرجعة، فإنها ذات عشرة مداليل على الأقل ، ليس لكل مدلول إلا عدد ضئيل من الأخبار قد لا يزيد أحياناً على خبر واحد.

ومن هنا نقول لمن يفضل أخبار الرجعة : ها أنت تفضل أخباراً منها ذات مدلول معين ،كرجوع الإمام الحسين (ع) مثلاً .أو تفضل تقديم مجموع أخبار الرجعة.

فإن رأيت تفضيل قسم معين من أخبار من أخبار الرجعة ،فهي لا شك أقل عدداً وأضعف سنداً من أخبار الأولياء ، بل وأقل شهرة أيضاً . وكل قسم معين منها يصدق عليه ذلك بكل تأكيد ، غير ما دل على رجوع الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي سوف نشير إليه.



صفحة (644)


وإن رأيت تفضيل مجموع أخبار الرجعة على أخبار الأولياء ،إذاً ،فستصبح أخبار الرجعة بهذا النظر متعارضة ومختلفة المدلول كما عرفنا ،غير ذلك المدلول العام الإجمالي الذي برهنا على انطباقه على خروج دابة الأرض التي نطق بخروجها القرآن الكريم.وهو – بمنطوق الأخبار ـ يعني خروج علي أمير المؤمنين (ع) ، وهو بعيد عن أي مفهوم تقيلدي للرجعة ، بل هو ليس من الرجعة في شيء ، فإن مفهوم دابة الأرض غير مفهوم الرجعة عندهم.

وهذا المفهوم لا ينافي حكم الأولياء الصالحين ولا يعارض الأخبار الدالة عليه ،وذلك لعدة أمور ،نشير إلى أمرين منها:

الأمر الأول : أن خروج دابة الأرض غير محدد بتاريخ ،لا في القرآن الكريم ولا في السنة الشريفة ، ومعه فقد يحدث بعد حكم الأولياء الصالحين بمدة طويلة.

الأمر الثاني: إن دابة الأرض سوف لن تأتي لتمارس الحكم الأعلى في الدولة العالمية العادلة ،كما يستشعر من القرآن وتصرح به الأخبار ، بل تأتي من أجل إعطاء الأفراد حسابهم الكامل فتعين منزلة كل فرد ودرجة تطبيقه للمنهج العادل المطلوب منه ،ولعلنا نوضح ذلك فيما بعد.

وإذا تم ذلك ، لم يكن خروج الدابة منافياً مع حكم الأولياء حتى لو خرجت في زمن حكمهم ،لأن وظيفتهم في المجتمع غير وظيفتها.

وبعد ترجيح روايات حكم الأولياء الصالحين ، ينبغي لنا أن نقدم لها فهماً متكاملاً ملحقاً بالتسلسل الفكري الذي سرنا عليه في هذا الكتاب. ثم نعقبه بدراً ومناقشة بعض الإشكالات التي قد تخطر في الذهن في هذا الصدد .

إن الإمام المهدي (ع) لن يهمل أمر الأمة الباقية بعده ،لا لمجرد أن لا تبقى رهن الإنحلال والضياع ،وإن كان هذا صحيحاً كل الصحة، بل لأكثر من ذلك، وهو ماقلناه من أن إحدى الوظائف الرئيسة للمهدي (ع) بعد ظهوره هو تأسيس القواعد العامة المركزة والبعيدة الأمد لتربية البشرية في الخط الطويل ، تربية تدريجية لكي تصل إلى المجتمع المعصوم .وهذه التربية لا يمكن أن يأخذ بزمام تطبيقها إلا الإنسان الصالح الكامل حين يصبح رئيساً للدولة العادلة ،ومثل هذا الرجل لا يمكن معرفته لأحد غير الإمام المهدي نفسه ولعله يوليه التربية الخاصة التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة .وأما احتمال تعيينه بالإنتخاب فهو غير وارد على ما سنقول.


صفحة (645)


ومن هنا سيقوم الإمام (ع) بتعيين ولي عهده أو خليفته ،خلال حياته وربما في العام الأخير ، ليكون هو الرئيس ألأعلى للدولة العالمية العادلة بعده والحاكم الاول لفترة حكم (الأولياء الصالحين).

وبالرغم من أن هذا الحاكم قد يكون هو أفضل من الأحد عشر الآتين بعده باعتبار أنه نتيجة تربية الإمام المهدي (ع) شخصياً والمعاصر لأقواله وأفعاله وأساليبه ، بخلاف ما سيأتي بعده من الحاكمين .بالرغم من ذلك فإنه سيفرق فرقاً كبيراً عن المهدي (ع ) نفسه، على حد لا يصدق " أنه لا خير في الحياة بعده".

والسر في ذلك- على ما سيبدو يعود إلى أمرين رئيسين :

الأمر الأول: ما سبق أن عرفناه من الفرق الشخصي والثقافي والنفسي بين الإمام المهدي (ع) وخليفته،الأمر الذي ينتج اختلافاً واضحاً في التصرفات بينهما.

الأمر الثاني: راجع إلى الأمة نفسها أو البشرية كلها بتعبير آخر من حيث أن المجتمع مهما كان قد سار بخطوات كبيرة نحو الأمام، في السعادة والعدالة والتكامل ،إلا أنه لم يصل إلى درجة العصمة بأي شكل من أشكالها التي سنشير إليها، وبقيت هناك في أطراف العالم مجتمعات متخلفة عن الركب العام ، لوجود انخفاض مدني أو حضاري جديد سابق فيها ،منعها أن تكون – مهماارتفعت بجهود الإمام المهدي (ع) – مواكبة للإتجاه العالمي العادل فيه.

إذاً فستكون التركة العالمية ثقيلة جداً ،وتخلفات عدد من الأفراد والمجتمعات عن تطبيق العدل ، بعد ذهاب القائد الأعلى ،محتملة جداً ... وعدم استيعاب الكثيرين من وعيهم العقائدي لضرورة التجاوب الكلي مع الرئيس الجديد ،احتمال وارد تماماً ، وخاصة وأن الأمر الأول من هذين الأمرين سيعيشه العالم يومئذ بكل وضوح.

نعم ،لا شك أن الإمام المهدي (ع) قبل فاته قد أكد وشدد ، بإعلانات عالمية متكررة على ضرورة إطاعة خليفتة وعلى ترسيخ (حكم الأولياء الصالحين) في الأذهان ترسيخاً عميقاً ،إلا أن البشرية حيث لا تكون بالغة درجة الكمال المطلوب ’فإنها ستكون مظنة العصيان والتمرد في اكثر من مجال.

ولكن وجود هذه المصاعب لا يعني الفشل بحال، بعد القواعد التربوية التي تلقاها هذا الحاكم عن الإمام المهي بكل تفصيل. إن الدولة ستبقى مهيبة ومحبوبة للجماهير على العموم وستبقى تمارس التربية المركز وباستمرار ،تماماً كما كانت عليه في عصر الإمام المهدي أخذاً بالمنهج المهدوي العام.


صفحة (646)







مشاهدة أوسمتي

    رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



جديد مواضيع قسم الامام المهدي منقذ لكل البشرية
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


New Page 1



Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas

 ملاحظة: كل مايكتب في هذا المنتدى لا يعبر عن رأي إدارة الموقع أو الأعضاء بل يعبر عن رأي كاتبه فقط